رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قال لي صاحبي: لقد أصيب الكثيرون من أهل الدين والعقل والفهم بالذهول والصدمة إثر التصريحات التي أدلى بها كل من مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي وزعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله فيما يتعلق بالانتفاضة السورية والهبة الشعبية السلمية التي انطلقت في البلاد بسبب الظلم والقهر والاستعباد الذي لا نظير له في زمننا هذا من قبل حكام لا يرقبون في أهل وطنهم إلا ولا ذمة، حيث أكد خامنئي في خطابه الذي تناقلته وسائل الإعلام الخميس الماضي بمناسبة يوم البعثة النبوية حسب التقويم الشيعي فوصف الاحتجاجات في العالم العربي بالصحوة الإسلامية التي تسير على الطريق الصحيح الذي رسمه الرسول صلى الله عليه وسلم محذرا الأمريكيين والصهاينة من ركوب الموجة مبينا أن الثورة في تونس ومصر واليمن بل وليبيا مختلفة كليا عما يجري في سوريا معتبراً أن الثورة السورية نسخة مزيفة عن تلك الثورات وأن أمريكا هي التي صنعتها لإيجاد خلل في جبهة الممانعة وأن يد أمريكا وإسرائيل في أحداث سوريا مكشوفة بوضوح ولذا فإن الثورة السورية منحرفة عن تلك الثورات المعادية لأمريكا وإسرائيل ثم قارنها بأحداث البحرين فبين أن الأخيرة تمثل النضال الحقيقي المماثل لحركة الثورات الأخرى التي تعتبر امتدادا للثورة الإيرانية التي أطاحت بالشاه عام 1979م، أما بالنسبة للمدعو السيد حسن نصر الله؛ فكيف أيد النظام السوري معتبراً إياه الحصن الأخير المقاوم لإسرائيل وأنه النظام الوحيد الممانع اليوم في المنطقة وعليه فلا على الشعب السوري ولا على المتظاهرين المحتجين إلا أن يقتنعوا بتصريحه ويهدأوا ليفوتوا الفرصة على الصهاينة في هدم آخر حصون الممانعة.
قلت: يا صديقي، لماذا أصيب هؤلاء بالعجب العاجب من تصريحات كل من خامنئي ونصر الله فإنني لم أفاجأ بذلك بل اعتبر هذا الكلام من هذين ومن لف لفهما أمرا عاديا لأنه إذا عرف السبب بطل العجب، وأنت يا صديقي ترى وتسمع العديد ممن يدعون أنهم من أهل العلم والفهم والجاه والشهرة ممن ينتسبون للسنة والجماعة يقولون مثل قولهم وينافقون عمليا لزبانية النظام الطغاة تحت مبررات ما أنزل الله بها من سلطان بل يدورون مع السلطان لا مع القرآن كيفما دار فلماذا العجب يا أخا الإيمان، وان عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام رضوان الله عليهم ومن بعدهم من السلف لم يخل من مثل هؤلاء أفيخلو زماننا هذا من خلفائهم الفجار.. اسمع يا صديقي أما عرفت الأسباب التي أدت بهم إلى أن يظلموا أنفسهم ويظلموا غيرهم وينتهكوا الدين والخلق والمبدأ فينحرفوا في الطبع والشرع ليصلوا إلى مآربهم وأهدافهم ويضللوا الناس بقلب الحقائق وتزييفها وهم يتهمون غيرهم بذلك، إنهم يزعمون تقديس علي رضي الله عنه فهل عقلوا قوله ومعناه "اعرف الحق تعرف أهله، اعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال".
فالإنصاف مطلوب لنصرة الحق ذاته لأن الموضوعية أهم مقتضياته وهو ما أشار إليه ابن تيمية رحمه الله: "كن مع الحق وإن كان صاحبه بعيدا بغيضا ولا تكن مع الباطل وإن كان صاحبه قريبا حبيبا".
وهكذا كان السلف فأي تمثل لهذه المبادئ والأخلاق لدى هؤلاء المجحفين بحق أهل سورية في حرية التعبير وطلب الحرية والعزة والكرامة التي افتقدوها منذ أكثر من أربعة عقود. إن المتأمل في عقول أمثال خامنئي ونصر الله لا يراها إلا عقولا مغلقة لا بسبب قلة العلم والاطلاع والتحليل، ولكن بسبب الحقد الدفين لمن يخالفهم أو يخالف حلفاءهم مثل السلطة السورية التي تلتقي معهم ايديولوجيا وهم يخافون على رئتهم هذه أن تتمزق فيفرط حلف التآمر على العرب وتكسد بضاعتهم التي يريدون لها المزيد من الرواج المذهبي الذي بات مفضوحا وجاءت ثورة سوريا لتدفنه إن شاء الله إلى غير عودة.. نعم إنها ليست سذاجة سياسية تلك التصريحات بقدر ما هي مخاوف حقيقية من تهاوي مشاريعهم الخبيثة التي تتقاطع مع حليفهم السوري في دمشق، بينما لو نظرنا إلى بعض عقلائهم الذين يرون بعدسة الحقيقة وهم من هم من حيث المرجعية والفهم والتنوير في هذا الجانب لشاهدنا المرجع الديني الإصلاحي الإيراني آية الله محمد علي دستغيب يحرم دعم طهران لنظام الأسد في قمع شعبه حتى قال: يجب ادخار أموال الشعب الإيراني لا أن ترسل إلى سوريا لقمع الشعب المطالب بالإصلاح هناك لقد جاءت تصريحات هذا المرجع الإصلاحي عشية اعلان الاتحاد الأوروبي عن فرض عقوبات جديدة على النظام السوري شملت أيضا ثلاث شخصيات إيرانية كبيرة بتهمة المشاركة بقمع الشعب السوري وعلى رأسهم رئيس الحرس الثوري، لقد نشد دستغيب الحق وناصر أهله منتقدا المرشد الأعلى علي خامنئي الذي يتمتع بسلطة مطلقة حسب مبدأ ولاية الفقيه في دستورهم.
إن هذا المرشد الذي هو في قناعتي محتاج إلى مرشد له يعلمه ألف باء السياسة الشرعية ممن يقولون إنهم كانوا ساسة الملوك فكيف يكذب على نفسه والعالم ليدعي أن أمريكا أخذت الثورات السالفة وصنعت منها نسخة مزيفة بسورية لخرق جبهة الممانعة فسورية بلد حدودي مع اسرائيل، يا للتفاهة باسم الفهلوية، ويا للحقد باسم التحليل حين يدعي أن الأحداث التي شهدتها البحرين كانت حقيقية مع حزننا على جميع الضحايا فيها بلاشك فنحن بشر من بني آدم وللإنسان حق على أخيه الإنسان حتى لو اختلف معه في المذهب والرأي، بينما يرى صاحبنا أن الأحداث في سوريا ضد حليفهم الأسد أحداث منحرفة وأن إيران لن تدافع عنها وهكذا تتبين سياسة الكيل بالمكيالين بدافع التعصب والحقد دون النظر حتى إلى الجانب الإنساني ولا ذكر للقتلى والجرحى والمعتقلين والمشردين والبلاءات التي نزلت بالأمة في سورية، إنه القلب القاسي والحقد الأسود والتعصب المشين يا من يقول إنه مع الممانعة نعم مع الفهم بالمقلوب أما صاحبنا الآخر يا صديقي صاحب الحزب الإلهي الذي يعتبر نفسه سياسيا ألمعيا مع أن الدلائل تدل على الأرض أنه لا يملك حسن التدبير وأنه مبتلى بالفوقية مع ادعاء التواضع وأنه مخترق في حزبه من الجواسيس كما أقر هو نفسه مؤخرا وإن لم يكونوا من المقربين من أولى الدرجة الأولى فيعتبر نظام الأسد نظام الممانعة الوحيد وهو يعرف قبل غيره كيف كان نظام الصمود والتصدي في عهد الأب حافظ الأسد يقتل الفلسطينيين في تل الزعتر في لبنان وكيف استبد في هذه البلد سنين عدة وكيف استمر هذا الاستبداد في عهد الابن بعد أبيه حتى غدا الشعبان السوري واللبناني يكرهون الحياة وكما يقول عبدالرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد لا يمكن للمستبد أن يكون مقاوما أجل فإن المتناقضين لا يجتمعان ولا يمكن للطاغية أن يكون ممانعا، إن الحاكم الصالح هو الذي يقوي جبهته الداخلية ضد العدو قبل مقاومته لا أن يقتل شعبه ويذله وينهبه ويسلط الكلاب المسعورة ضده ويروع الجميع وينتهك الحرمات بما في ذلك اغتصاب النساء أي شرعية لمثل هذا الممانع المقاوم الكذاب، إن مثل هؤلاء لا يهمهم شيء إلا الحفاظ على السلطة ومكاسب العائلة والفئة دون بقية الشعب مهما خطبوا وكذبوا وادعوا الإصلاح فإن الله لا يصلح عمل المفسدين ماذا فعل الأب والابن يا سيد حسن نصر الله منذ عام 1973 إلى الآن ضد اسرائيل وهل أطلقت رصاصة واحدة لتحرير الجولان الذي يعتبره الصهاينة أرضا توراتية بل تم الاتفاق على أن تبقى جبهة هادئة وكان الأب والابن هما البارين بالعهد على حساب السوريين والدين وباسم الممانعة وهكذا تستخدم ورقة المقاومة للمساومة، بل ان هؤلاء هم حماة اسرائيل وهل ننسى تصريح رامي مخلوف ابن خالة الرئيس بشار أن استقرار اسرائيل من استقرار سورية يا أبطال الممانعة، هل قيام الشعب في سورية بالمطالبة بالحرية الحقيقية مناقض للممانعة أم داعم لها لو انكم تريدون الممانعة حقا، هكذا ديدنكم إذ لم يعد خافيا على أحد أنه كلما قامت أحداث للحرية أخرجتم اسطوانة المؤامرة على الممانعة، يا حسن نصر الله حلفاؤك اليوم يتهاوون والشعب باق فكن معه ولا تنافق كما نافق خامنئي في الانتصار للظالم وفي قلب الحقائق في أحداث البحرين عنها في سورية يا وكيل إيران في لبنان وسورية والمنطقة لن تنفع صور الخميني في الاستعراضات وإنما ينفع العمل الصالح والرحمة بالناس في سورية ولبنان ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لا تنزع الرحمة إلا من شقي فماذا تقول؟ ألم تر أنك وجلادي سورية كلما كذبتم ازدادت وتيرة الاحتجاجات ألا يحرك الدم البريء المهراق من قوم أنقذوكم وأعانوكم في الحرب الماضية أتريد دعم حكم العائلة إلى الأبد باسم الممانعة، لماذا يصر هؤلاء على المفاوضات مع اسرائيل لا المقاومة ولماذا تصر اسرائيل على عدم تنحي بشار وتساندها امريكا اذا كان ممانعا.. ويا صديقي فاصبر فللحديث بقية.
الكورة في ملعبك
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام... اقرأ المزيد
603
| 02 يونيو 2026
عندما يُكتب تاريخ الرياضة القطرية فإن بعض الأسماء لا تُذكر بوصفها شخصيات رياضية فحسب، بل باعتبارها جزءًا من... اقرأ المزيد
183
| 02 يونيو 2026
البيروقراطية وإصلاحات "فلوتون"
لم تصل الدول المتقدمة إلى مرونتها الإدارية الحالية من فراغ، ولم تولد أنظمتها الحديثة كاملة منذ البداية، بل... اقرأ المزيد
186
| 02 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
4854
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2709
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
1905
| 02 يونيو 2026