رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شكلت سنة 1975 مفترقا كبيرا في التاريخ اللبناني الحديث ليس فقط في السياسة , وإنما في الاقتصاد والمال والاجتماع خاصة. قبل سنة 1975 كان الاقتصاد اللبناني يعتمد على النظام الحر "التقليدي" كاستثناء في منطقة عربية اعتمدت النماذج الاشتراكية في معظمها وأن يكون بأشكال مختلفة. كان لبنان "سويسرا الشرق الأوسط" وبيروت سميت باريس الشرق، وكان النمو قويا والتضخم ضعيفا. اعتمدت سياسات اقتصادية هدفت إلى تعزيز القطاع المصرفي والمالي عبر قانون النقد والتسليف الذي حمى سرية الودائع وأسهم في جذب الأموال العربية إلى لبنان. نجحت السياسات الليبرالية اقتصاديا لكنها فشلت اجتماعيا، إذ أنتجت سوء عدالة خطيرة من ناحيتي الدخل والثروة. شكلت هذه الفوارق الاجتماعية الكبيرة الأسس التي بنيت عليها النزاعات السياسية التي أصبحت أمنية فيما بعد.
بين سنتي 1960 و1970، نما الاقتصاد اللبناني عبر الناتج المحلي الفردي بمعدل سنوي قدره 5% ولم يصل مؤشر التضخم إلى أعلى من 1.5%. في مؤشرات المؤسسات الدولية، وضع لبنان في أعلى مستويات الدخل الفردي لمجموعة الدول ذات الدخل المتوسط أي مباشرة قبل مجموعة الدول الصناعية. هذه نتائج ممتازة ليس فقط بالمعايير العربية وإنما أيضا دوليا. نمت الزراعة سنويا ب 6.3% وكل من الصناعة والخدمات ب 5%. كانت هنالك توازنات اقتصادية خيرة أسهمت في خلق حيوية في كل القطاعات. لذا توزع الناتج المحلي الإجمالي على 12% للقطاع الزراعي و68% للخدمات والبقية للقطاعات المرتبطة بالصناعة. 38% من السكان كانوا يعملون في الزراعة و39% في الخدمات والباقي في الصناعة. لم يشكل سكان المدن إلا 44% من المجموع، فبقي الريف حيويا في السكن والعمل والإنتاج ووصلت إليه الخدمات الاجتماعية الأساسية. نمت الصادرات سنويا بمعدل 14.5% كما ارتفعت الواردات فقط ب 5.1% , مما أسهم في تحسن أوضاع الميزان التجاري. لم يستفد الريف اللبناني من التطور إلا في تلك الفترة، لكن ما استثمر في ذلك الوقت لم يعد كافيا اليوم ليس كميا فقط وإنما من ناحيتي التكنولوجيا والتقدم والتنوع والانتشار.
كانت سنة 1973 مفصلا مهما بسبب أزمة النفط وارتفاع سعر البرميل إلى حدود غير مسبوقة. أتت الأموال إلى المصارف اللبنانية وخرج اللبنانيون للعمل في دول الخليج المستثمرة في اقتصاداتها خاصة في البنية التحتية. حصلت في وقتها أيضا مشاكل سياسية واقتصادية في العديد من الدول العربية , مما سبب نزوحا للأغنياء إلى لبنان، فاستثمروا ووضعوا ودائعهم في مصارفنا. المشاكل السياسية معروفة، إلا أن الاقتصادية ارتكزت على التأميم مما دفع بالمواطنين العرب إلى اللجوء إلى لبنان. كان لعمل اللبنانيين في الخليج وما زال تأثير كبير على الأوضاع الداخلية إذ أسهمت التحويلات في تطوير الاقتصاد ورفع مستوى المعيشة في أوقات ضيق وتحديات صعبة. في هذا الوقت كانت الحكومات اللبنانية جدية في عملها المسؤول لمصلحة المواطنين، فوضعت برامج خماسية أولها لفترة 1964 – 1968 أسهمت في خلق مؤسسات عامة متعددة رقابية وغيرها وفي فهم دقيق لحاجات وإمكانات الاقتصاد. كان الاقتصاد اللبناني صحيا في نموه وتوزعه لكن بذور المشكلة الاجتماعية بدأت تظهر. لا بد وأن نذكر هنا أن الحد الأدنى للأجور كان 95 دولارا في سنة 1970 وكان مدروسا على عكس ما يحصل اليوم.
كانت الحرب اللبنانية وكان الاحتلال الإسرائيلي في سنة 1982 وكان سقوط الليرة في فترة 1984-1985 كنتيجة ودافع للسقوط النهائي للدولة حتى توقيع اتفاق الطائف الذي أعطى فرصة للخلاص لم نستفد منها كليا بعد. لم يكن حل الطائف فاضلا لكنه أوقف الحرب وهذا مهم إلا أنه نقل الخلل السياسي والمؤسساتي من أمكنة إلى أخرى. مشكلة "الطائف" هو عدم قدرتنا كلبنانيين على تعديل مكامن الخلل فيه حتى ولو بدت ظاهرة في العديد من بنوده. في سنة 1987 وكنتيجة لسقوط النقد تدولر الاقتصاد اللبناني وما وزلنا غير قادرين على الخروج من هذا المأزق المضر الذي يتعمق أكثر فأكثر في عاداتنا وتصرفاتنا. في فترة 1970-1981 بلغ مؤشر التضخم السنوي حوالي 14.6% وانحدر الناتج المحلي الفردي بنسبة سنوية قدرها 5.5%. وصل مؤشر التضخم إلى 120% في سنة 1992 مما سبب ربط الليرة بالدولار، أي عمليا نعتمد منذ ذلك الحين السياسة النقدية الأمريكية في اقتصادنا اللبناني.ارتفعت الكتلة النقدية بمعدل سنوي قدره 17% في فترة 1974-1982 وإلى 339% سنويا في فترة 1983-1986. حصل زلزال اقتصادي خطير ميز فترة ما قبل 1975 مع ما بعدها ولا بد من تحديد المسؤوليات في المستقبل ليس فقط للمحاسبة , وإنما خاصة للتعلم من أخطاء الماضي وتجاربه.
نمت الصادرات بنسبة سنوية قدرها 2% في فترة 1970-1981 والواردات ب 3.3% مما سبب انحدارا كبيرا متواصلا في الميزان التجاري اللبناني بعد سنوات من التغير الإيجابي. انحدرت نسبة العاملين في الزراعة إلى 11% من السكان بسبب الأمن وتدني مستوى الخدمات الاجتماعية في الأرياف. ارتفعت نسبة العاملين في الخدمات إلى 62% مما سبب بداية الخلل السكاني الاقتصادي الذي ما زلنا نعاني منه حتى اليوم. انتقل السكان من الريف إلى المدن حيث بلغت نسبتهم 77% مقارنة ب 44% في سنة 1960 كما ذكرنا.
في الأمور المصرفية والمالية وبسبب الأوضاع المتدهورة تدريجيا ارتفعت الودائع 3.5 مليار دولار فقط في سنة 1987 مقارنة ب 12 مليارا في سنة 1982. انحدر الناتج المحلي الإجمالي فوصل إلى 2.5 مليار دولار في سنة 1988 أو 714 دولارا للفرد الواحد مقارنة ب ألفي دولار في سنة 1975. في الوقت نفسه تدنى سعر صرف الليرة من 4.5 للدولار إلى 500 ليرة في سنة 1988 أي وصل الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولارا مما أسهم في دولرة الاقتصاد حتى تثبيت سعر الصرف في بداية التسعينات.
ما زال الخلل الهيكلي للاقتصاد مستمرا حتى اليوم إذ أن النزاع السياسي يمنع عمليا تحقيق الإصلاحات الحقيقية. نحتاج إلى حكومة جديدة ليس فقط للقيام بالتعيينات الإدارية ولاتخاذ القرارات العادية، إنما نريدها أن تساهم في تصحيح هيكلية الاقتصاد عبر تنشيط الزراعة والصناعة كما عبر تطوير الريف لوقف النزوح السكاني وربما العودة إلى المناطق. تصحيح الخلل ممكن في ظل حكومات متجانسة وفاعلة تتخذ قراراتها بسرعة بالتعاون مع مجلس نيابي يقر التشريعات والموازنات كي تصبح الدولة دولة. هل نقبل في لبنان مثلا أن يشكل الاستهلاك الخاص حوالي %80 الناتج أي نتفوق على الولايات المتحدة وهي الدولة الاستهلاكية بامتياز من دون أن تكون هنالك قوانين لحماية حقوق المستهلك نتيجة المنافسة الفوضوية وعدم رقابة الجودة حتى في الأدوية والسلع الغذائية. المجتمع اللبناني سيبقى استهلاكيا إذ هذه هي طبيعة اللبناني الراغب في العيش الهنيء، إلا أن المطلوب زيادة القدرات الإنتاجية ليس فقط في الخدمات وإنما خاصة في الصناعة والزراعة بحيث نخفف من الاستيراد ونستهلك السلع الداخلية. في مستوى الناتج الحالي أي 35 مليار دولار، يسير اقتصادنا في الاتجاه الخاطئ.
هل من الممكن تطوير الإنتاج في غياب التوفير الداخلي الكافي الذي تبتلعه الموازنات العاجزة؟ الحلول مترابطة، إذ أن بقاء عجز القطاع العام كبيرا يمنع تمويل القطاع الخاص بتكلفة تنافسية مقبولة. الأسواق المالية ما زالت غير متطورة، وبالتالي ما زلنا تقليديين في تمويلنا.لا يمكن تطوير الاقتصاد من دون تعزيز أوضاع الشركات الصغيرة التي تميز الاقتصاد اللبناني وتشكل القسم الأكبر من قطاعه الخاص. فالحلول للأوضاع الهيكلية تعتمد على وضع السياسات الاقتصادية التي تغير التوازنات الداخلية ليس إلى ما كانت عليه في السبعينات وهذا مستحيل وربما لا جدوى فيه، وإنما تصحح الخلل نحو أفضل الممكن.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
4680
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2694
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1647
| 29 مايو 2026