رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سيدخل الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني، وهو أحد مجالات العمل المستجدة، والتي ستلقي بظلالها على أجهزة العدالة مما يتطلب البحث والدراسة والاستخلاص في هذا المجال، وهو ما دفعني الفضول للبحث بمعرفة أكثر عنه، وارتأيت أن اطرح الموضوع من وجهة نظري العملية في المجال القانوني. وهذا ما يستدعي التساؤل عن الذكاء الاصطناعي، ومستقبل العمل في إطاره، ودور الفاعلين القضائيين ورجال القانون في حوكمة الذكاء الاصطناعي؟.
الذكاء الاصطناعي أو الذكاء الصناعي هو سلوك وخصائص معينة تتسم بها البرامج الحاسوبية، تجعلها تحاكي القدرات الذهنية البشرية وأنماط عملها، من أهم هذه الخصائص القدرة على التعلم والاستنتاج ورد الفعل على أوضاع لم تبرمج في الآلة، تقنية تحاكي الذكاء البشري على أداء المهام ويمكنه بشكل متكرر تحسين نفسه استنادا إلى المعلومات التي يجمعها، وهذا التعريف جدلي نظرًا لعدم وجود تعريف محدد له.
وقد وصل الذكاء الاصطناعي إلى الصناعة القانونية في دول العالم المتقدم وهو بلا شك قادم لا محالة إلى دولنا العربية وسيعمل الذكاء الاصطناعي على توفير الوقت بشكل عام والتخلص من أكوام الأعمال الورقية التي يتعين على المتخصصين القانونيين الغوص فيها كل يوم.
الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني، هو أحد مجالات العمل التي تتضمن أكبر قدر من المهام المتكررة التي تستغرق وقتًا طويلاً لمعالجتها. الوقت هو أحد الأصول الأكثر قيمة للقانونيين، ومن الضروري استخدامه بحكمة. ويقضي المتخصصون القانونيون الكثير من الوقت في القيام بالمهام الإدارية مثل صياغة الاقتراحات، والمكالمات الهاتفية، وإجراءات مراجعة المصاريف القانونية للدعاوى، ومراجعة المستندات، وما إلى ذلك. والأمر لا يسير بسهولة على الإطلاق، فالقانون صارم تمامًا في إطاره الرسمي، لذا فإن فكرة إسناد العمل القانوني بالكامل إلى الكمبيوتر تثير القلق بشأن سؤال يطرح هنا يتعلق بآثار الذكاء الاصطناعي على حقوق الإنسان والمراقبة والمسؤولية والقرارات الدقيقة سواء المتعلقة بالأمن والمسؤولية الجنائية أو أوقات الحرب أو مسائل قانونية مهمة ومصيرية، وبالإضافة إلى ذلك، قد تستخدم النظم القضائية أيضا نظم الذكاء الاصطناعي في عمليات اتخاذ القرارات القضائية التي أثارت شواغل تتعلق بالإنصاف والمساءلة والشفافية في اتخاذ القرارات بواسطة نظم آلية أو نظم تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
ويجري بالفعل استكشاف إمكانات منظمة العفو الدولية من خلال العديد من النظم القضائية التي تشمل الجهاز القضائي ودوائر الادعاء وغيرهما من الهيئات القضائية الخاصة بمجالات محددة، في جميع أنحاء العالم، في ميدان العدالة الجنائية، وتوفير المساعدة في مجال التحقيق، وأتمتة/وتيسير عمليات صنع القرار.
ومع ذلك، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي يطرح مجموعة واسعة من التحديات التي يجب التصدي لها: من الاعتراف بالنمط، إلى الأخلاقيات، والقرارات المتحيزة التي تتخذها الخوارزميات المستندة إلى الذكاء الاصطناعي، والشفافية والمساءلة. على سبيل المثال، قد يتم تدريب خوارزميات التعلم الذاتي بواسطة مجموعات بيانات معينة (القرارات السابقة أو صور الوجه أو قواعد بيانات الفيديو، إلخ) التي قد تحتوي على بيانات متحيزة يمكن استخدامها من قبل التطبيقات لأغراض تتعلق بالسلامة الجنائية أو العامة، مما يؤدي إلى اتخاذ قرارات متحيزة.
ومثل الذكاء الاصطناعي في أي مجال آخر، سيركز الذكاء الاصطناعي في القانون على مجموعة متنوعة من الميزات، وهي ميزات يجب مراعاتها عند اختيار مساعدك القانوني المعتمد على الذكاء الاصطناعي، فعن طريق تبسيط المهام المتكررة، يمكن للقانونيين إعادة توجيه وقتهم نحو تأثيرات ذات قيمة أعلى مثل الإبداع القانوني. وسواء كنت تشارك في أي ممارسة قانونية، أو تعمل في مكاتب المحاماة أو ربما تريد ببساطة مقاضاة شخص ما، يمكن أن تساعد برامج الذكاء الاصطناعي القانونية في تسهيل هذه الأمور. وسوف يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي للشؤون القانونية على الحصول على نظرة أعمق حول كيفية استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني، ومن ذلك صياغة المستندات التي يقوم برنامج الذكاء الاصطناعي القانوني بصياغتها في غضون دقائق، وسوف يتم تحسين إدارة المستندات القانونية المعقدة مثل القوانين واللوائح، وسجلات المحكمة من خلال المكتبات الإلكترونية، ودراسات حالة، ومصادر أخرى، للمعلومات القانونية، والتحليلات.
وسيوفر الذكاء الاصطناعي، الاطلاع على تحليلات البيانات القانونية ذات الصلة. والذي سوف يعمل على تحسين الاستراتيجيات من خلال الرؤى المستندة إلى البيانات في البيئات القانونية والمهنيين مثل المحاكم وشركات المحاماة مما يساعد القضاة والمحامين على دراسات الحالة عبر مجالات الممارسة القانونية المختلفة. فلم يعد هناك داع للانتظار لفترة طويلة، باستخدام أساليب علم البيانات التقليدية لجمع المعلومات الأساسية، البحث القانوني يستغرق وقتًا طويلاً إذا لم يكن لدى مكاتب المحاماة خبير متخصص في المجال الذي يتعين عليهم إجراء بحث قانوني فيه. والبحث القانوني ضروري لأي نوع من القضايا تقريبًا وهو أمر بالغ الأهمية لتحريك العملية القانونية في معظم الأوقات. ومن خلال البحث القانوني الآلي، يمكن للمحامين جمع المعلومات في بضع دقائق وطرح الأسئلة ذات الصلة بالقضية.
وكذلك توفر بعض برامج الذكاء الاصطناعي القانونية ميزات مراجعة المستندات، أتمتة مراجعة العقود. يؤدي هذا إلى القضاء على أي خطأ قد لا تلاحظه العين البشرية في المستندات وتعزيز المطالبات من خلال توفير الاستشهادات القانونية ذات الصلة.
وهناك مبادئ معينة تحكم الرقابة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي، أهمها أن يتسم الذكاء الاصطناعي بالشفافية حيث يجب أن يكون خاضعا للتحكم المطلق للبشر، وتكون الأحكام والتطبيقات سليمة. ولأن الذكاء الاصطناعي لديه القدرة على اتخاذ قرارات مفاجئة، يجب أن تكون القرارات التي تتخذها الخوارزميات في متناول البشر وعدم إهمال العنصر البشري من منطلق قانوني وأخلاقي. وعليه يجب على الذكاء الاصطناعي إجراء مسح لقاعدة البيانات على نطاق واسع وفقا لأهمية القضايا التي تتم معالجتها.
إن قرارات المحكمة التي تتخذها الخوارزميات يجب أن تكون قابلة للتدقيق بواسطة الذكاء البشري، وحالة القصور التشريعي الحقيقي لفقدان النص يفترض تنظيمها لأنها من أكثر الأسباب التي تولد فجوة بين مصالح أفراد المجتمع والقانون، لأن الأخير ثابت والمجتمع متغير، وقد أطلق الشراح والباحثون على هذه الصورة من صور القصور تسميات متباينة منها (سكوت القانون، الفراغ في القانون، النقص في القانون، القصور في القانون، القصور في التشريع) ويتمثل بـ (عدم عثور القاضي الإداري على حُكم في نصوص التشريع يتناول النزاع المعروض أمامه والحاصل بين الإدارة وأحد الأفراد أو موظفيها) ففي هذه الحالة يستطيع القاضي الانطلاق من أي نقطة في استدلاله لما تستدعيه الحاجة إلى إنشاء قاعدة قانونية كاملة وإلا يستحيل عليه إصدار الحكم المطالب به في الدعوى، لذلك يُلاحظ بأن اختصاصات القاضي تتسع كثيراً في هذه الصورة من القصور الحقيقي الذي لا ينسب إليه كما في صورته الأخرى، إذ يصل إلى حد إنشاء القواعد القانونية وذلك لعدم قدرته على الامتناع عن إصدار الحكم في الدعوى التي يختص بالفصل فيها وإلا عُد منكراً للعدالة ( لا يجوز لأية محكمة أن تمتنع عن الحكم بحجة غموض القانون أو فقدان النص أو نقصه وإلا عُد القاضي ممتنعاً عن إحقاق الحق، ويعد أيضاً التأخير غير المشروع عن إصدار الحكم امتناعاً عن إحقاق الحق، وكذلك في السلطة التقديرية للقاضي الجنائي». وروح القانون يستخدمها القاضي لتخفيف العقوبة، أو النزول بها إلى حدها الأدنى، أو إيقافها حسبما يقتضيه القانون، بالنظر إلى ظروف المتهم والظروف المحيطة بالجريمة، وما إذا كانت هناك أسباب مرضية أو دوافع خاصة أدت إلى حدوث الفعل الإجرامي. وكذلك سلطة القاضي بتفسير النصوص الغامضة إذا وجد قصورا تشريعيا في النص لابد من الحكم بروح القانون وهي القشة التي يبحث عنها الغريق في لحظة أمل.
إن إدراج الذكاء الاصطناعي في النظام القضائي يساعد في جعل العقوبات أكثر اتساقا وفاعلية من حيث الكلفة المالية للقضايا المتراكمة وتسريع الإجراءات القضائية وأتمتة الروتين والمساعدة في اتخاذ القرارات في الإجراءات القانونية الروتينية، بما في ذلك رفع القضايا المتكررة البسيطة. ومعالجتها، ولكن علينا أن لا نهمل الذكاء البشري ودوره في التحكم بالذكاء الاصطناعي لتعزيز العدالة الناجزة أمام القضاء، وهذا يتطلب تأهيل الكوادر البشرية والمالية والتقنية في دولة قطر، وفرض رقابة على مستخدمي الذكاء الاصطناعي، ووجود مساعدين قانونيين معززين بالذكاء الاصطناعي لمنع توليد معلومات غير صحيحة وحاجة المستخدمين إلى تطبيق التفسير القانوني الصحيح.
ومن هنا نستخلص ضرورة التأني وعدم الإسراع بفرض الذكاء الاصطناعي على الرغم انه من الضروري مواكبة كل ما هو جديد، ولكن بخطوات سليمة ومدروسة، ومحاولة الاستفادة من تجارب الدول الأخرى لأخذ ما هو مفيد وسليم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8766
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3795
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3144
| 30 أكتوبر 2026