رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ذكرنا في المقال الماضي أهمية اتحاد المسلمين مع بعضهم بعضا وضرورة اتصافهم بالعدل دون التركيز على القسم الثاني الذي – كما هو معروف – قد أمر الله – تعالى- به في كتابه، حيث يقول: (إن الله يأمر بالعدل...) النحل :90.
وقد قال العلماء: لو لم تنزل في العدل إلا هذه الآية لكفت، لأنها أمر من عالم السر وأخفى. وقد قال القلعي من علماء الشافعية: العدل ميزان الله في أرضه، فمن عارضه فقد عرّض دولته للزوال وعزه للذل, وفي مجمع الزوائد للهيثمي الجزء الخامس رقم 8714 كتاب الخلافة بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من والي ثلاثة إلا لقي الله مغلولة يمينه, فكَّه عدله أو غلّه جوره". هذا وقد قسم ابن الأزرق الأندلسي العدل والظلم إلى قسمين، فيه فوائد أخروية, وفوائد دنيوية, ففي الأخروية يكفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خرجه الترمذي برقم 1344 عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه: "إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا إمام عادل, وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم منه مجلسا إمام جائر"، ويكفي أيضا حديث صحيح البخاري عن أبي هريرة – رضي الله عنه – برقم 6421: "سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل..."، وكذلك فدعوته تستجاب ولا ترد كما في سنن الترمذي برقم 3668.
أما فوائده الدنيوية فأهمها:
أ- وجود العدل عند الحاكم دليل رجحان العقل.
ب- إتمام النعمة وكمالها إنما يكون بالعدل.
ج – دوام الملك بالعدل كما في المثل: "من جعل العدل عدّه طالت به المدة".
ح – ملك سرائر الرعية بالعدل كما في بدائع السلك في آداب الملك لابن الأزرق الأندلسي 1/232.
أما عن مفاسد الظلم الأخروية، فمن أهمها: الحرمان من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، لحديث الطبراني في الكبير: 2/213 عن معقل بن يسار- رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أمتي لن تنالهم شفاعتي, إمام ظلوم غشوم, وكل غالٍ مارق".... – شدة العذاب يوم القيامة: لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الطبراني في الأوسط عنه عن أبي سعيد 2/166 "أشد الناس يوم القيامة عذابا إمام جائر".
وأما عن مفاسده الدنيوية : - فناء الكرامة بسبب الظلم – ذهاب الرزق والاقتصاد - بشؤمه - برا وبحرا، قال ابن الجوزي- رحمه الله- في كتابه مواعظ الملوك والخلفاء: "الولاية إذا لم يعم جوانبها عدل عزل صاحبها لا محالة". وفي سراج الملوك للطرطوشي 1/222: "إن السلطان الكافر الحافظ لشرائط السياسة الإصلاحية أبقى وأقوى من المؤمن العدل في نفسه المضيّع للسياسة الإصلاحية"، وكذا نقله ابن تيمية – رحمه الله - في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ص: 42: "إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة... فقد يبقى الملك مع الكفر ولكنه لا يبقى مع الظلم"، فهذه هي سنة الله الإلهية في التعامل مع الأسباب والمسببات وبيان أن الظلم من أشنع الذنوب وهو هادم للشعوب ومهلكها بالأخذ, والتدمير, والقصم, والابتلاءات فلا هلاك إلا مع فساد. وإن أهم صور الظلم الاستكبار والطغيان على أن ذلك قد يقع من الحاكم الظالم وقد يقع من العالم (المنسوب إلى العلم) وهو المنافق المداهن للحاكم، حتى قال عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد: "وكم من عالم انحاز إلى سلطان ظالم فجرّ على الأمة أعظم الويلات"، ومن نظر في واقع بلادنا اليوم من الظلم والطغيان على عباد الله بشتى أطيافهم وأجناسهم وجد أنه قد انتشر كالنار في الهشيم ولذا قام الربيع العربي - بغض النظر عن كونه تلقائيا أو مرتّبا – وأنا أميل إلى أن معظمه قد جاء عفويا لعظم الاحتقان الذي بناه اليهود الصهاينة الأسياد عن طريق بعض الحكام العرب والمسلمين في الشعوب, ولكن هؤلاء الصهاينة أصحاب الأخوة الزائفة لإخضاع البشرية لها، يختبئون خلف كل صغيرة وكبيرة وهم الموجهون الحقيقيون لبعض العبيد من طغاتنا الذين لا يمكن أن يجلسوا أسبوعا واحدا على العرش لو رُفعَ الغطاءُ عنهم، كما أكد عضو مجلس الشيوخ الأمريكي "جاك تنّي" في كتابه "الأخوة الزائفة"، ترجمة أحمد اليازوري ط مؤسسة الرسالة، حيث قضى ثمانية عشر عاما في تصنيفه بكل توثيق فريد وأدلة دامغة ونقل من خطاب جون ف . هننج وكيل وزراء العمل كما في صحيفة "لوس أنجلوس تايمز " 18/8/1965: "يجب أن ينبع القانون من صهيون، كما ذكر توثيق نقل "الأمم المتحدة" اليوم على أنقاض "عصبة الأمم" - والتي تخضع لها أمريكا كاملا- كيف أن القضية الفلسطينية سترفع إليها ولابد لليهود أن يسيّروها لتقف إلى جانبهم وهو ما حدث ويحدث فعلا، انظر ص: 148 من الكتاب.
فإذا أمعنت التأمل في الوضع السوري اليوم أو من عهد الأسد الأب وجدت أن بينهما وبين العدل ما بين السماء والأرض من بعد ومسافة, ورأيت العذابات الجهنمية للعهدين بما لا وصف له أبدا وخصوصا مجزرة مدينة حماة 1982 ومجزرة سجن تدمر 1980، حيث سالت الدماء أنهارا من السياسيين والنساء المعتقلات وخصوصا من له مساس بالإسلام السياسي المتحرك، بل أصاب كثيرا من غيرهم لذلك. وهذا ما وجد في مصر وتفاقم في عهد مبارك فقامت الثورة للتصحيح فهبت الصهيونية العالمية لتحرس مصر وسوريا بأسلحة الظلم والطغيان وتآمر الجميع عبر الأسد الصغير والسيسي العبد أمام أسيادهما للانقلاب على الشعب والشرعية وسجن الرئيس الشرعي د. محمد مرسي, وجعل القضاء مسيسا وأداة للظلم. وكذا ما حدث في العراق، حيث كان المالكي لمن بعده قدوة بفرض ديمقراطية القتل والتشريد والاغتصاب, وكذا ما يحدث اليوم في اليمن من تمكين الحوثيين وصالح خدمة للأجندة الصهيونية والغرب المتآمر، جزما على هذا البلاد ودفع الشيعة الأغبياء والخونة، كالعلقمي السابق وسائل بيد هؤلاء, ووضع إيران عرّابة مخلصة لباطلهم وباطلها في هذا السيناريو، بلا شك، قبل عاصفة الحزم بسنين وكم كنا ننصح ولكن لا حياة لمن تنادي.
وعسى أن تكون عاصفة حزم سورية ترجع الحق إلى نصابه وتدفن تصريحات "قاسم سليماني" رئيس الحرس الثوري الإيراني - وأضرابه من العملاء وأصحاب الخطاب الطائفي "كحسن نصر الله" أيضا إلى غير رجعة، فلابد من إعادة حالة التوازن بين العرب والمسلمين وبين إيران وإلا فنحن في حروب لا نهاية لها, وإن روسيا لمرتاحة أي ارتياح لذلك ولهذا فإنها تعمل جاهدة على التفتيت والتفكيك لصالحها وصالح الصهاينة اليهود الذين قال بوتين عنهم في زيارته الأخيرة إلى إسرائيل: "إن علائقنا مع اليهود لا يستطيع أحد في العالم أن يقطعها"، فهل من معتبر وموقن أنهم إنما يفتحون باب الديمقراطية إلى بلادهم في الغرب فقط ويغلقونها أمامنا، لأنه سيكون فيها حتفهم.
ولا منقذ لنا إلا الاعتماد على الله بالأخوة الإيمانية والوطنية وبالوعي والفهم الواسعين في أنفسنا والتخطيط الدقيق وحساب المآلات في السلم والحرب للحفاظ على الأنفس، فإن فيها حفاظا على الدين نفسه، كما يقول العز بن عبد السلام في كتابه "فتاوى الأنام": وذلك إذا أرادوا استنزافنا وإهلاكنا, وإلا فالتضحية - على الدوام – هي شعار العرب والمسلمين عبر التاريخ.
هل ينجح مجلس السلام في حل أزمات وصراعات غزة والعالم؟
مجلس السلام».(BoP) الذي شكله ويرأسه الرئيس ترامب يضم أفضل العناصر في العالم وسيدير قطاع غزة وينزع السلاح ويعيد... اقرأ المزيد
207
| 25 يناير 2026
علموهم أن فلسطين قضية لا تموت
أخبرتهم مساء يوم الجمعة الماضي أن يثقلوا من الملابس الشتوية قبل الذهاب للعب في الحديقة فقال لي أحدهم:... اقرأ المزيد
159
| 25 يناير 2026
الدبلوماسية الرقمية القطرية.. تكامل إستراتيجي يعزز الحضور العالمي
في ظل التحولات المتسارعة في منظومة العلاقات الدولية، لم تعد الدبلوماسية تقتصر على القنوات التقليدية، بل أصبحت المنصات... اقرأ المزيد
144
| 25 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من نهائي كأس الأمم الإفريقية الذي جمع بين منتخب المغرب ومنتخب السنغال. مباراة كان من المفترض أن تعكس روح التنافس والاحتكام للقوانين، لكنها شهدت أحداثًا وأجواءً أثارت الاستغراب والجدل، ووضعت علامات استفهام حول سلوك بعض المسؤولين واللاعبين، وما إذا كانت المباراة حقًا تعكس الروح الرياضية التي يفترض أن تحكم مثل هذا الحدث القاري المهم. الموقف الأول يتعلق بتصرف مدرب منتخب السنغال، بابي ثياو، حين طلب من لاعبيه الانسحاب. هذا السلوك يثير علامات استفهام عديدة، ويُفهم على أنه تجاوز للحدود الأساسية للروح الرياضية وعدم احترام لقرارات الحكم مهما كانت صعبة أو مثيرة للجدل. فالمدرب، قبل أن يكون فنيًا، هو قائد مسؤول عن توجيه لاعبيه وامتصاص التوتر، وليس دفع الفريق نحو الفوضى. كان الأجدر به أن يترك الاعتراض للمسارات الرسمية، ويدرك أن قيمة الحدث أكبر من رد فعل لحظي قد يسيء لصورة الفريق والبطولة معًا. الموقف الثاني يتعلق بضربة الجزاء الضائعة من إبراهيم دياز. هذه اللحظة فتحت باب التساؤلات على مصراعيه. هل كان هناك تفاهم صامت بين المنتخبين لجعل ضربة الجزاء تتحول إلى مجرد إجراء شكلي لاستكمال المباراة؟ لماذا غابت فرحة لاعبي السنغال بعد التصدي؟ ولماذا نُفذت الركلة بطريقة غريبة من لاعب يُعد من أبرز نجوم البطولة وهدافها؟ برود اللحظة وردود الفعل غير المعتادة أربكا المتابعين، وترك أكثر من علامة استفهام دون إجابة واضحة، مما جعل هذه اللحظة محاطة بالشكوك. ومع ذلك، لا يمكن القول إن اللقب ذهب لمن لا يستحقه، فمنتخب السنغال بلغ النهائي بجدارة، وقدم مستويات جيدة طوال مشوار البطولة. لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن المغرب أثبت أنه الأجدر والأقرب للتتويج بما أظهره من أداء مقنع وروح جماعية وإصرار حتى اللحظات الأخيرة. هذا الجيل المغربي أثبت أنه قادر على تحقيق إنجازات تاريخية، ويستحق التقدير والثناء، حتى وسط لحظات الالتباس والجدل. ويحسب للمنتخب السنغالي، قبل النتيجة، الموقف الرجولي لقائده ساديو ماني، الذي أصر على عودة زملائه إلى أرض الملعب واستكمال المباراة. هذا القرار جسد معنى القائد الحقيقي الذي يعلو باللعبة فوق الانفعال، ويُعيد لكرة القدم وجهها النبيل، مؤكدًا أن الالتزام بالقيم الرياضية أحيانًا أهم من النتيجة نفسها. كلمة أخيرة: يا جماهير المغرب الوفية، دموعكم اليوم تعكس حبكم العميق لمنتخب بلادكم ووقوفكم معه حتى اللحظة الأخيرة يملؤنا فخرًا. لا تحزنوا، فالمستقبل يحمل النجاح الذي تستحقونه، وستظلون دائمًا مصدر الإلهام والأمل لمنتخبكم.
4479
| 20 يناير 2026
التحديثات الأخيرة في قانون الموارد البشرية والتي تم الإعلان عنها في فترة سابقة، بدأت ملامحها في الظهور وذلك بصرف علاوة استمرارية الزواج للزوجين القطريين بعلاوة تُقدّر بـ 12000 ريال لكل من الزوجين والذي حددها القانون وحدد وقت صرفها في كل شهر يناير من كل عام، وسبق ذلك التعديل المباشر لاستحقاق الزوجة للعلاوة الاجتماعية بفئة متزوج وإلغاء حالة فئة أعزب للموظفة المتزوجة وذلك في بند القانون السابق. يناير 2026 يختلف عن يناير 2025 حيث إن القانون في مرحلة جديدة وملامح جديدة من حوافز وصرف المكافآت التي حددها القانون للموظفين وللوظائف الإشرافية التي تقع تحت مظلة قانون الموارد البشرية. حوافز كثيرة وقيم مستحقة يُتوقع أن تكون ذات أثر في المنافسة وبذل العطاء للوصول إليها، مع محافظة القانون على العلاوة السنوية والمحافظة على بدل الإجازة بمعدل راتب أساسي شهري للموظفين أصحاب تقييم جيد أو متوقع، والمعني به “جيد” أن الموظف أدى مهام وظيفته على أكمل وجه والتزم بكل القوانين وأخلاقيات العمل، ولم يزح القانون تلك الاستحقاقات السابقة بل حافظ عليها، وليضيف القانون حوافز مالية جديدة وذلك مع بدل الموظف المزيد من العطاء والتنافسية الايجابية ما بين الزملاء للوصول إلى التقييم الأعلى ومن ثم الوصول إلى المكافآت ومنها رؤية الأثر بزيادة مالية في تقييم “جيد جداً، امتياز وهما تعادلان تجاوز التوقعات، استثنائي” والتي حددها القانون في زيادة العلاوة الدورية لتكون في تلك السنة التقييمية 125% - 150% بدلاً من 100% للعلاوة المخصصة لدرجته المالية، بالإضافة لحصول الموظف على راتب أساسي شهري كمكافأة أو راتبين أساسيين كمكافأة بناءً على التقييم الحاصل عليه في تلك السنة، ولم يقف القانون هنا بل قام بوضع حوافز مالية للموظف القائم بالعمل الإشرافي وبقيم مالية مشجعة وضحها القانون ووفق درجة التقييم. لقد عمل القائمون على التقييم في بذل كل ما يمكنهم من وضع الخطوات والحوافز للموظفين وبإنشاء نظام تقييم يسعى قدر الإمكان في إنصاف جميع الموظفين، فإذاً لنجاح هذه العملية وجب على الجميع التعاون موظفاً ومسؤولاً في تطبيق الشروط التي حددها القانون للوصول إلى أهداف التقييم وهي في مقامها الأول هدف الارتقاء الوظيفي والتطوير والإبداع في العمل، ويليها الظفر بالمكافآت التي حددها القانون، ولكل مجتهد نصيب. أخيراً لكل مسؤول ولكل موظف عطاؤكم هو أساس لكل نجاح وبهذا النجاح يتحقق الهدف المنشود من كل عمل وبعبارة «لنجعل قطر هي الأفضل».
735
| 20 يناير 2026
في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف وتُباع، تبرز القضية الفلسطينية كمرآةٍ صافية تكشف جوهر الإنسان. ففلسطين اليوم لم تعد قضية الفلسطيني وحده، ولا العربي وحده، ولا المسلم وحده، بل أصبحت قضية إنسانية عالمية، يدافع عنها الأحرار من كل بقاع الأرض، كثيرٌ منهم لم يولدوا عربًا، ولم يعتنقوا الإسلام، وربما لم يكونوا يعرفون موقع فلسطين على الخريطة يومًا، لكنهم عرفوا معنى الظلم واختاروا الوقوف في وجهه. لقد شهد التاريخ الحديث مواقف واضحة لشخصيات عالمية دفعت ثمن انحيازها للحق دون مواربة، وتفضل لديك بعض الأمثلة.. نيلسون مانديلا الزعيم الجنوب أفريقي وأحد أبرز رموز النضال العالمي ضد نظام الفصل العنصري، عبّر صراحة عن دعمه للقضية الفلسطينية، معتبرًا أن حرية شعبه ستبقى ناقصة ما لم ينل الفلسطينيون حريتهم. وإلى جانبه وقف ديزموند توتو الأسقف الجنوب أفريقي الحائز على جائزة نوبل للسلام، وأحد أهم الأصوات الأخلاقية في العالم. شبّه توتو ما يتعرض له الفلسطينيون بنظام الأبارتهايد انطلاقًا من تجربة شخصية عميقة مع التمييز والقهر. ورغم حملات التشويه والضغوط السياسية، لم يتراجع عن موقفه لأن العدالة في نظره لا تُجزّأ ولا تُقاس بالمصالح. ومن داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته خرج إيلان بابِه المؤرخ الإسرائيلي المعروف وأستاذ التاريخ، ليكشف في أبحاثه وكتبه ما تعرّض له الفلسطينيون عام 1948 من تهجير قسري وتطهير عرقي. لم يكن كلامه خطابًا سياسيًا، بل توثيقًا تاريخيًا مدعومًا بالمصادر. نتيجة لذلك تعرّض للتهديد والنبذ الأكاديمي، واضطر إلى مغادرة بلاده، ليصبح شاهدًا على أن قول الحقيقة قد يكون المنفى وليس أي منفى، إنه منفى الشرفاء. وفي الولايات المتحدة برز اسم نورمان فنكلستاين الأكاديمي الأمريكي اليهودي والمتخصص في القانون الدولي وحقوق الإنسان. دافع عن الحقوق الفلسطينية من منطلق قانوني وإنساني، ورفض استخدام المآسي التاريخية لتبرير الاحتلال. هذا الموقف كلّفه مستقبله الأكاديمي حيث حُرم من التثبيت الجامعي وتعرّض لعزل ممنهج، لكنه بقي مصرًّا على أن الدفاع عن فلسطين ليس موقفًا ضد شعب بل ضد الظلم والقهر. وهنا يبرز السؤال الجارح لماذا يقفون مع فلسطين؟ يقفون لأن الضمير لا يحتاج إلى جواز سفر. لأن الإنسان حين يرى طفلًا تحت الأنقاض، أو أمًا تبحث عن أشلاء أبنائها، لا يسأل عن الديانة، هو يُجسد الإنسانية بذاتها. لماذا يقفون؟؟ لأنهم يؤمنون أن الصمت شراكة، وأن الحياد في وجه الظلم ظلمٌ أكبر من الظلم نفسه. يقفون في البرد القارس وتحت المطر وفي حرّ الصيف وهم يعلمون أن الكلمة قد تُكلفهم منصبًا أو سمعة أو أمانًا شخصيًا. ومع ذلك لا يتراجعون. إيمانهم بعدالة القضية لم يُبنَ على هوية بل على مبدأ بسيط.. العدل. وهنا تأتي المقارنة المؤلمة.. إذا كانت فلسطين ليست قضيتي كمسلم، فهؤلاء ليسوا عربًا، ولا مسلمين، ولا تجمعهم بفلسطين رابطة دم أو دين ولا حتى رابطة دم جغرافية ومع ذلك وقفوا بشجاعة. أما نحن فماذا فعلنا؟ ومن يفعل … ماذا يُقال له؟ يُقال له لا ترفع صوتك يُقال له هذه سياسة يُقال له اهتم بنفسك ويُحاصر أحيانًا بالتشكيك أو التخوين أو السخرية القضية الفلسطينية اليوم لا تطلب المعجزات بل تطلب الصدق صدق الكلمة صدق الموقف صدق الإحساس وصدق ألا نكون أقل شجاعة ممن لا يشاركوننا اللغة ولا العقيدة. فلسطين ليست اختبار انتماء بل امتحان إنسانية، ومن فشل فيه لم يفشل لأنه لا يعرف فلسطين بل لأنه لم يعرف نفسه.
714
| 20 يناير 2026