رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ذكرنا في المقال الماضي أهمية اتحاد المسلمين مع بعضهم بعضا وضرورة اتصافهم بالعدل دون التركيز على القسم الثاني الذي – كما هو معروف – قد أمر الله – تعالى- به في كتابه، حيث يقول: (إن الله يأمر بالعدل...) النحل :90.
وقد قال العلماء: لو لم تنزل في العدل إلا هذه الآية لكفت، لأنها أمر من عالم السر وأخفى. وقد قال القلعي من علماء الشافعية: العدل ميزان الله في أرضه، فمن عارضه فقد عرّض دولته للزوال وعزه للذل, وفي مجمع الزوائد للهيثمي الجزء الخامس رقم 8714 كتاب الخلافة بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من والي ثلاثة إلا لقي الله مغلولة يمينه, فكَّه عدله أو غلّه جوره". هذا وقد قسم ابن الأزرق الأندلسي العدل والظلم إلى قسمين، فيه فوائد أخروية, وفوائد دنيوية, ففي الأخروية يكفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خرجه الترمذي برقم 1344 عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه: "إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا إمام عادل, وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم منه مجلسا إمام جائر"، ويكفي أيضا حديث صحيح البخاري عن أبي هريرة – رضي الله عنه – برقم 6421: "سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل..."، وكذلك فدعوته تستجاب ولا ترد كما في سنن الترمذي برقم 3668.
أما فوائده الدنيوية فأهمها:
أ- وجود العدل عند الحاكم دليل رجحان العقل.
ب- إتمام النعمة وكمالها إنما يكون بالعدل.
ج – دوام الملك بالعدل كما في المثل: "من جعل العدل عدّه طالت به المدة".
ح – ملك سرائر الرعية بالعدل كما في بدائع السلك في آداب الملك لابن الأزرق الأندلسي 1/232.
أما عن مفاسد الظلم الأخروية، فمن أهمها: الحرمان من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، لحديث الطبراني في الكبير: 2/213 عن معقل بن يسار- رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أمتي لن تنالهم شفاعتي, إمام ظلوم غشوم, وكل غالٍ مارق".... – شدة العذاب يوم القيامة: لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الطبراني في الأوسط عنه عن أبي سعيد 2/166 "أشد الناس يوم القيامة عذابا إمام جائر".
وأما عن مفاسده الدنيوية : - فناء الكرامة بسبب الظلم – ذهاب الرزق والاقتصاد - بشؤمه - برا وبحرا، قال ابن الجوزي- رحمه الله- في كتابه مواعظ الملوك والخلفاء: "الولاية إذا لم يعم جوانبها عدل عزل صاحبها لا محالة". وفي سراج الملوك للطرطوشي 1/222: "إن السلطان الكافر الحافظ لشرائط السياسة الإصلاحية أبقى وأقوى من المؤمن العدل في نفسه المضيّع للسياسة الإصلاحية"، وكذا نقله ابن تيمية – رحمه الله - في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ص: 42: "إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة... فقد يبقى الملك مع الكفر ولكنه لا يبقى مع الظلم"، فهذه هي سنة الله الإلهية في التعامل مع الأسباب والمسببات وبيان أن الظلم من أشنع الذنوب وهو هادم للشعوب ومهلكها بالأخذ, والتدمير, والقصم, والابتلاءات فلا هلاك إلا مع فساد. وإن أهم صور الظلم الاستكبار والطغيان على أن ذلك قد يقع من الحاكم الظالم وقد يقع من العالم (المنسوب إلى العلم) وهو المنافق المداهن للحاكم، حتى قال عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد: "وكم من عالم انحاز إلى سلطان ظالم فجرّ على الأمة أعظم الويلات"، ومن نظر في واقع بلادنا اليوم من الظلم والطغيان على عباد الله بشتى أطيافهم وأجناسهم وجد أنه قد انتشر كالنار في الهشيم ولذا قام الربيع العربي - بغض النظر عن كونه تلقائيا أو مرتّبا – وأنا أميل إلى أن معظمه قد جاء عفويا لعظم الاحتقان الذي بناه اليهود الصهاينة الأسياد عن طريق بعض الحكام العرب والمسلمين في الشعوب, ولكن هؤلاء الصهاينة أصحاب الأخوة الزائفة لإخضاع البشرية لها، يختبئون خلف كل صغيرة وكبيرة وهم الموجهون الحقيقيون لبعض العبيد من طغاتنا الذين لا يمكن أن يجلسوا أسبوعا واحدا على العرش لو رُفعَ الغطاءُ عنهم، كما أكد عضو مجلس الشيوخ الأمريكي "جاك تنّي" في كتابه "الأخوة الزائفة"، ترجمة أحمد اليازوري ط مؤسسة الرسالة، حيث قضى ثمانية عشر عاما في تصنيفه بكل توثيق فريد وأدلة دامغة ونقل من خطاب جون ف . هننج وكيل وزراء العمل كما في صحيفة "لوس أنجلوس تايمز " 18/8/1965: "يجب أن ينبع القانون من صهيون، كما ذكر توثيق نقل "الأمم المتحدة" اليوم على أنقاض "عصبة الأمم" - والتي تخضع لها أمريكا كاملا- كيف أن القضية الفلسطينية سترفع إليها ولابد لليهود أن يسيّروها لتقف إلى جانبهم وهو ما حدث ويحدث فعلا، انظر ص: 148 من الكتاب.
فإذا أمعنت التأمل في الوضع السوري اليوم أو من عهد الأسد الأب وجدت أن بينهما وبين العدل ما بين السماء والأرض من بعد ومسافة, ورأيت العذابات الجهنمية للعهدين بما لا وصف له أبدا وخصوصا مجزرة مدينة حماة 1982 ومجزرة سجن تدمر 1980، حيث سالت الدماء أنهارا من السياسيين والنساء المعتقلات وخصوصا من له مساس بالإسلام السياسي المتحرك، بل أصاب كثيرا من غيرهم لذلك. وهذا ما وجد في مصر وتفاقم في عهد مبارك فقامت الثورة للتصحيح فهبت الصهيونية العالمية لتحرس مصر وسوريا بأسلحة الظلم والطغيان وتآمر الجميع عبر الأسد الصغير والسيسي العبد أمام أسيادهما للانقلاب على الشعب والشرعية وسجن الرئيس الشرعي د. محمد مرسي, وجعل القضاء مسيسا وأداة للظلم. وكذا ما حدث في العراق، حيث كان المالكي لمن بعده قدوة بفرض ديمقراطية القتل والتشريد والاغتصاب, وكذا ما يحدث اليوم في اليمن من تمكين الحوثيين وصالح خدمة للأجندة الصهيونية والغرب المتآمر، جزما على هذا البلاد ودفع الشيعة الأغبياء والخونة، كالعلقمي السابق وسائل بيد هؤلاء, ووضع إيران عرّابة مخلصة لباطلهم وباطلها في هذا السيناريو، بلا شك، قبل عاصفة الحزم بسنين وكم كنا ننصح ولكن لا حياة لمن تنادي.
وعسى أن تكون عاصفة حزم سورية ترجع الحق إلى نصابه وتدفن تصريحات "قاسم سليماني" رئيس الحرس الثوري الإيراني - وأضرابه من العملاء وأصحاب الخطاب الطائفي "كحسن نصر الله" أيضا إلى غير رجعة، فلابد من إعادة حالة التوازن بين العرب والمسلمين وبين إيران وإلا فنحن في حروب لا نهاية لها, وإن روسيا لمرتاحة أي ارتياح لذلك ولهذا فإنها تعمل جاهدة على التفتيت والتفكيك لصالحها وصالح الصهاينة اليهود الذين قال بوتين عنهم في زيارته الأخيرة إلى إسرائيل: "إن علائقنا مع اليهود لا يستطيع أحد في العالم أن يقطعها"، فهل من معتبر وموقن أنهم إنما يفتحون باب الديمقراطية إلى بلادهم في الغرب فقط ويغلقونها أمامنا، لأنه سيكون فيها حتفهم.
ولا منقذ لنا إلا الاعتماد على الله بالأخوة الإيمانية والوطنية وبالوعي والفهم الواسعين في أنفسنا والتخطيط الدقيق وحساب المآلات في السلم والحرب للحفاظ على الأنفس، فإن فيها حفاظا على الدين نفسه، كما يقول العز بن عبد السلام في كتابه "فتاوى الأنام": وذلك إذا أرادوا استنزافنا وإهلاكنا, وإلا فالتضحية - على الدوام – هي شعار العرب والمسلمين عبر التاريخ.
لَيْلةُ القدْر
ليلةُ القدْرِ في زمانِ الأَضاحيغرِقتْ بالدَّماءِ والأتراحِفالشّآمُ الذَّبيح رهنُ سيوفًٌوَالعِراقُ الجريحُ رهنُ رِماحٍوبلِيبيا الشقاقُ ثم بمصرٍويَمانٍ مباضع الجَرّاحِطال... اقرأ المزيد
489
| 02 يوليو 2016
ذكِّرونا
ذكِّرونا مَواقِفَ السابقيناوَدَعُونا مِن خِدْعَةِ القاعِدينافالنُّفوسُ الكِبارُ تَهْوَى السَّجاياوَهْيَ تَأْبى مَصائِرَ المُرْجِفيناالثباتَ الثباتَ فهو كَلَيْثٍيَبعثُ الحَزْمَ والبطولة فيناوالمُنى... اقرأ المزيد
604
| 01 يوليو 2016
أنا حُرٌّ
ذوَّبَتْني حتى غدَوْتُ خيالا فاجِعاتُ السَّلامِ حالاً فحالا أنا حُرٌّ والذلُّ عندِيَ كفرٌ فَهَبوني عَيْشَ الجهادِ مَجالا وَخُذوني... اقرأ المزيد
411
| 30 يونيو 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9402
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2223
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1125
| 06 أكتوبر 2026