رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
دخلت الأستاذة هدى غرفة المعلمات وهي مغضبة ألقت التحية على زميلاتها ثم جلست على الكرسي وهي مثقلة بعبء بدا كبيرا وضعت رأسها على الطاولة بعد أن شبكت بين يديها وشردت بنظراتها إلى البعيد!!
انتبهت زميلتها نورة لتغير حالها فاقتربت منها وبهدوء قالت لها: ما بك يا عزيزتي، ما الذي يسيئك، أنت لست على طبيعتك اليوم فما الأمر؟
رفعت الأستاذة هدى رأسها وقالت: بل قولي ما الذي يحبطك إلى هذا الحد؟!
الأستاذة نورة: خيرا ولم الإحباط يا عزيزتي وأنت القدوة والنموذج لكل المعلمات ليس فقط في مدرستنا هذه بل أنت أنموذج على مستوى المجتمع التعليمي بأكمله فمثلك يا عزيزتي نادر، أنت ملهمتي وملهمة المئات من المعلمات فإياك والإحباط!!
الأستاذة هدى: يسعدني هذا الثناء والتقدير، لكن ما الفائدة إذا كان من يقيمون أدائي من المشرفين مصممون على أن أتحول لمعلمة روبوت تكرر ما في المنهاج الدراسي كل يوم؟
نورة: كلنا يا عزيزتي مطالبون بالالتزام الحرفي بالمنهاج الدراسي، فما الجديد ولم كل هذا الحزن اليوم؟
هدى: لأنه من غير الممكن ولا من المعقول أن يتم تقييم أداء المعلمة وفق كفاءتها في تلقين الطالبات، إن هذه الملاحقة والإصرار على تقييم قدرتنا في تلقين طالباتنا كل عنصر وجزء في المنهاج المدرسي تجعلنا ملقنين وليس معلمات ومعلمين!!
شيء أشبه بالآلات الطابعة التي يضغط عليها بحرف معين فتطبعه دون زيادة أو نقصان!!
نورة: أو روبوتات تكرر، وتعيد محتوى معين غذيت به فلا تعرف غيره!!
هدى: نعم كل هذه المتابعة المستمرة والمساءلة اليومية عن كل مفردة في المنهاج لا يدع لي مجالا لممارسة دوري في توجيه طالباتي لمسارات تعليمية وآفاق علمية أرحب أتمنى أن أنقلهن إليها.
نورة: لقد أثرت شجوني بنقدك الموضوعي والدقيق.
هدى: مع استمرار حالة المتابعة والمساءلة والتحري عن كل جزئية في المنهاج تضعف طاقتنا الإيجابية ويضعف عزمنا عن تحقيق نقلة نوعية في أدائنا التدريسي.
نورة: أتفق معك تماما!!
هدى: انظري للمعلمات وحواراتهن اليومية لن تسمعي سوى الحديث عن الامتحانات الأسبوعية والشهرية والتقاويم والدرجات.
نورة: صحيح!!
هدى: انظري كيف صار الفرح كله مختزلا لدينا نحن المعلمات في الحصول على تقدير امتياز لجهودنا الحثيثة في تلقين الطالبات للمنهاج وتمكينهن من تحقيق أعلى المعدلات الدراسية في المواد التي نجحنا نحن بتلقينهن إياها!!
لقد تحولنا يا صديقتي لجابيات للدرجات بدلا من أن نكون نوافذ للمعرفة بل مصادر للمعرفة كما كان علماء الإسلام الذين قدموا أروع النماذج في العطاء والإبحار في دروب العلم.
نورة: لقد أثرت شجوني أتخيل لو أن الإمام مالك أو الشافعي أو الإمام أحمد أو أبو حنيفة كان كل واحد منهم يقيم أداء طلابه بالدرجات والتقاويم هل كانوا سيتركون خلفهم ذلك العلم الذي كان غيثا سقى العقول من ظمأ ورواها من عطش؟!
هدى: الحمد لله أنهم طلبوا العلم لوجه الله ولم يصطنعوا عوائق تحول دون تدفق علمهم ما أدى لإقبال طلاب العلم عليهم من كل حدب وصوب بهمة ذاتية وشغف حقيقي للتعلم دون انتظار درجات وتقاويم.
نورة: نعم، أتخيل الآن العالم وكيع بن الجراح الذي كان عمره لا يتجاوز التسعة أعوام حين كان يطوف مجالس العلم بهمة ونشاط دون كلل أو ملل يستمع للأحاديث ثم إذا عاد إلى بيته أخذ يكتبها.
هدى: تخيلي لو أن معلميه وأساتذته كانوا يطاردونه بالامتحانات والدراجات هل كان سيمتلك الوقت الكافي ليتنقل بين حلق العلم ويطوف بين بساتين العلماء؟!
نورة: حاله وحال غيره ممن بدأ العلم وهو في سن الطفولة أتذكر العالم المحدث سفيان بن عيينة رحمه الله وهو يحدث أصحابه عن بداية طلبه للعلم صغيرا حيث قال:
لو رأيتموني ولي عشر سنين، طولي خمسة أشبار، ووجهي كالدينار، وأنا كشعلة نار، ثيابي صغار، وأكمامي قصار، وذيلي بمقدار ونعلي كآذان الفار، أختلف إلى علماء الأمصار كالزهري، وعمرو بن دينار، أجلس بينهم كالمسمار، محبرتي كالجوزة، ومقلمتي كالموزة، وقلمي كاللوزة، فإذا أتيت قالوا: أوسعوا للشيخ الصغير.
هدى: جزاك الله خيرا لقد فرجت عني، وذكرتني بالعالم ابن الجوزي الذي كان عمره لا يتجاوز التسعة أعوام حين كان يغذ السير نحو العلماء وكان يضع في جيبه كسرة خبر يابسة لا يملك غيرها من شدة الفقر وكان يصل إلى نهر عيسى في بغداد يضع كسرة الخبز في الماء ليطريها ثم كان يأكلها وكانت حسب قوله ألذ في فمه من الشهد!!
نورة: الله، الله، يا لها من بيئة تعليمية محفزة للنهل من بحور العلم وروافده، يا له من زمن كانت فيه النفوس ترى صلاحها بمقدار رسوخها في العلم والمعرفة، يا لهم من علماء شقوا دروبهم نحو المجد بالصبر والتصبر والمواصلة يا لها من صور مضيئة ويا له من تاريخ عظيم! هدى: صدقت إن الصور الرائعة لأطفال أقبلوا في سن مبكرة على التعلم بشغف وهمة عالية صادفت أساتذة وعلماء ومربون استقبلوا بحب عارم واهتمام بالغ تلك البراعم المتفتحة فأقبلوا يعلمونهم ويغدقون عليهم من أنواع المعرفة ما أسهمت في نقل العلم جيلا بعد جيل بل قرونا تلتها قرون.
نورة: لقد كان حديثا ممتعا وشيقا خفف عني يا هدى وأنا التي ظننت أنني بحديثي سأخفف عنك، كم أنت رائعة أيتها الصديقة.
هدى: أشكرك، إن ممارستنا للنقد الموضوعي لأنظمتنا التعليمية هو بداية لا بد منها لتحقيق نقلة حقيقية في مخرجات التعليم، والجمود والتحجر وعدم ممارسة النقد لن يحقق لنا التقدم الذي نريد.
نورة: صدقت لا بد لنا من أحاديث جادة وعميقة نقرأ فيها واقعنا التعليمي لتكون لتلك الأحاديث أصداؤها ونتائجها الحقيقية طالما أن المعلمين والمعلمات هم في موقف المسؤولية العلمية والأخلاقية التي يتطلبها دورهم الكبير.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5586
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2751
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2400
| 02 يونيو 2026