رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محليات

2908

ليلة تحت القصف.. رائحة الموت والبارود تخيم على غزة وسلاح أهلها "الله أكبر"

15 مايو 2021 , 10:01م
alsharq
قصة/ حنان مطير  – قطاع غزة

أحمد ربي أن الشمس أشرقت عليّ اليوم وأنني ما أزال على قيد الحياة، بعقلي وثباتي وكل أعضاء جسدي، فليلة الأمس كانت أحلك من السّواد، أباد فيها الاحتلال الإسرائيلي ما أباد، ولو كان كل ما يتعرض للقصف ينطق لنَطَق الجَمَاد.

لستُ أدري إن كانت ستصلكم كلماتي أم ينتهي عمري قبل أن أنتهي من كتابتها وإرسالها "للشرق" عبر بريدي، فطائرات الاحتلال تحوم فوق رأسي، وصواريخها لا تنفكّ تخترق مسمعي، أما أي بيتٍ تختار تلك المرة لتقصفه فوق رأس أهله؟  فلا أحد غير الله يدري.

 

بدأت رائحة الموت تقترب من بيتي الواقع شمال قطاع غزّة وقت الظهيرة، حيث ضرب الاحتلال بطائرة "F16" صاروخًا في بيارة البرتقال الملاصقة له، تلك التي أعدّها جنّتي فلطالما طرب قلبي لسماع أصوات البلابل تصدح منها فجر كل يوم، وكم أنعَشَتْ بيتي وفؤادي في فصل الربيع بعبق زهورِها الفوّاح، قبل أن تصبح مرتعًا للخفافيش والأشباح.

ضربةٌ واحدةٌ رعدت فيها السماءُ أصواتًا مفزعة وتأرجح البيتُ وتلونت سماءُ البيارة بدخانٍ أسود كثيف توالَدَ تباعًا في ثوانٍ مع ضربةٍ ثانيةٍ وثالثة، ووسط صراخ أطفالي وهول المفاجأة هرعنا للمطبخ فهو الأبعد عن البيارة والأكثر أمنًا، وإن كان في قطاع غزّة كله لا مكان آمن ما دام المعتدي هو الاحتلال الصهيونيّ الذي لا يراعي قوانينَ دوليةً ولا مُحَرّمات.

بات المطبخ هو غرفة نومنا ومجلسنا ومأكلنا ومشربنا، وباتت القذائف لا تتوقف عن الضرب، حتى حانت ساعة الغروب، وتمعّنت الدبابات بضرب قاذفاتها وحممها النارية باتّجاه الأراضي والشوارع والبيوت على الحدود الشمالية حيث قرية أم النصر، نعم إنها الدبابات، فنحن في قطاع غزّة من صغيرنا لكبيرنا أصبحنا نُميّز بدقةٍ بين أنواع القذائف الصاروخية ونوع الآلة العسكرية التي انطلقتْ منها من خلال صوتها فالاعتداءات المتكررة على القطاع كافية لذلك.

هرع الأهالي جميعًا نازحين وسط تلك القذائف، منهم من نجا بأعجوبة ومنهم من استُشهِد، وكلما اقترب الوقت من منتصف الليل ازداد ضرب الدبابات واقترب، وفاحت رائحة البارود في البيت، لم نكن نحتمي إلا بـترديد كلمة " الله أكبر" مع كل ضربةٍ صاروخية لا يفصل بينها وبين الأخرى ثانية واحدةً أو اثنتين، كانت جدران البيت تتوهّج باللون الأحمر، حتى بلغت قلوبُنا الحناجر، اعتصرنا أطفالنا الثلاثة الصّامتين الصّارخين ذهولًا وذعرًا في ظل انقطاع الكهرباء التي خلفها القصف، وارتمينا على الأرض بجوار الجدار حتى إذا ما سقطت القذيفة فوقنا استُشهِدنا جميعنا دون أن نترك حسرةً لأحدٍ منا، أمضينا قرابة الساعتين ننتظر إما الموت أو الحياة، فاختار الله لنا الحياة ولم تُصِبنا قذيفة.

لم تغفُ لنا عين بعدها فما عايشناها تلك الساعات لا يمكن أن يزيل آثاره النفسية مجرّد توقف القصف وانتهاء العدوان، ولا صبرنا وصبر الأهالي بعد رؤية أشلاء الأطفال الذين كان نصيبهم أن تصيبهم القذائف وتسقط فوق بيوتهم،  تلك الآثار لن يزيلها إلا دحر الاحتلال من كل شبر من أرضنا الفلسطينية المحتلة، لن تمحوها إلا المقاومة الباسلة وتضحياتنا ودعمنا لها.

وما يُعزّينا حقًّا في محنتنا أننا قبلنا بأن نقدّم أرواحَنا رخيصةً فداء للمسجد الأقصى المبارك الذي لم يسلم من تدنيس المحتلّ والمستوطنين، فاقتحامهم للمسجد الأقصى والإفساد فيه وتكرار اعتداءاتهم على المقدسيين وكل الفلسطينيين المرابطين وتهجيرهم واستفزازهم وحرقهم وقمعهم بشتى الطرق الوحشية التي لا يمكن وصفها تطلّب من مقاومتنا الباسلة التحرّك ومنّا الصبر والتّحمُل.

مساحة إعلانية