رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محليات

68

وزارة الأوقاف تختتم الموسم الثقافي الرابع من "ندوة الأمة"

08 يوليو 2026 , 06:24م
alsharq
الدوحة - قنا

 استعرضت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، سبل الوراثة الحضارية خلال الندوة الرابعة من مشروعها الثقافي الفكري "ندوة الأمة"، الذي يقام هذا العام تحت شعار "معرفة الوحي"، وذلك بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين والمتخصصين؛ لبحث آفاق معرفة الوحي وأثرها في تحقيق الوراثة الحضارية واستعادة دور الأمة في البناء والإعمار والشهود الحضاري.

وعقدت الندوة التي جاءت تحت عنوان: "معرفة الوحي.. سبيل الوراثة الحضارية"، بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب، بحضور سعادة السيد غانم بن شاهين بن غانم الغانم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، وعدد من العلماء والمفكرين والأكاديميين والمهتمين بالشأنين الديني والثقافي.

وناقشت الندوة ثلاثة محاور رئيسة تناولت العلاقة بين الوحي والوراثة الحضارية، ومتطلبات استحقاقها، وسبل إعادة بناء علاقة الإنسان المسلم بالوحي بوصفها مدخلا للنهوض الحضاري.

وخلال افتتاحه للندوة، أكد الشيخ الدكتور أحمد بن محمد آل ثاني مدير إدارة البحوث والدراسات الإسلامية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أن "ندوة الأمة" تمثل إحدى المبادرات الثقافية والفكرية الرائدة التي تتبناها الوزارة في إطار رسالتها الدعوية والعلمية، وتسعى من خلالها إلى ترسيخ ثقافة المعرفة المتصلة بالوحي ومناقشة القضايا الفكرية والثقافية التي تمس واقع الفرد والمجتمع والأمة.

وأوضح أن الندوة تنظم بصورة دورية كل ثلاثة أشهر، بمشاركة نخبة من أهل الفكر والعلم والرأي؛ بهدف دراسة الإشكالات الثقافية والفكرية المعاصرة، والبحث عن المعالجات الشرعية والمعرفية المناسبة للتحديات الاجتماعية والظواهر السلبية، بما يعزز الوعي المجتمعي ويسهم في بناء الإنسان القادر على التفاعل الإيجابي مع قضايا عصره.

وأضاف أن اختيار موضوع "معرفة الوحي.. سبيل الوراثة الحضارية" يأتي انطلاقا من الإيمان بأن الوراثة الحضارية للأمة الإسلامية لا تنفصل عن وراثة النبوة والكتاب، وأن أي مشروع للنهوض الحضاري يستحيل أن يكتمل بعيدا عن المعرفة الصحيحة بالوحي واستلهام هداياته في فهم الواقع واستشراف المستقبل، مشيرا إلى أن الندوة سعت إلى استكشاف شروط الوراثة الحضارية ومتطلبات النهضة وسبل استرداد دور الوحي في إعادة بناء المشروع الحضاري للأمة.

وبين أن إدارة البحوث والدراسات الإسلامية ماضية في تنفيذ برامجها ومبادراتها العلمية التي تعزز ثقافة البحث والتفكير والحوار المعرفي، وتسهم في ربط القضايا الفكرية المعاصرة بأصولها الشرعية ومقاصدها الحضارية، بما يدعم رسالة الوزارة في نشر الوسطية والاعتدال وترسيخ الوعي الديني الرشيد.

وأوضح مدير إدارة البحوث والدراسات أن الوحي سيظل المصدر الأصيل الذي تستمد منه الأمة أسباب بقائها ونهضتها واستمرار رسالتها الحضارية، وأن استعادة الفاعلية الحضارية للأمة تبدأ من تجديد الصلة به فهما وتدبرا وعملا، وتحويل هداياته إلى مشاريع إصلاحية ومعرفية تسهم في بناء الإنسان وصناعة المستقبل.

وفي المحور الأول من الندوة، قدم السيد حسن عبد الرزاق السيد الباحث القطري بالدراسات العليا، مرحلة الدكتوراه، قراءة معرفية في موضوع "الوراثة الحضارية في ضوء معرفة الوحي"، موضحا أن الوراثة الحضارية لا تقتصر على انتقال المنجزات العمرانية أو المكتسبات المادية بين الأجيال، وإنما تتمثل في انتقال منظومة القيم والأخلاق والمعارف والرؤية الكونية التي تمنح الأمة هويتها وتضمن استمرار رسالتها الحضارية عبر الزمن.

وبين أن الوحي يمثل المصدر المعرفي الحاكم الذي يؤسس للرؤية الوجودية الشاملة، بينما يقوم العقل والحس بدور الأداتين المكملتين في فهم الواقع واكتشاف سننه، مؤكدا أن التوازن بين هذه المصادر الثلاثة هو الأساس الذي تبنى عليه الحضارات القادرة على الاستمرار والتجدد.

واستعرض الباحث القطري نماذج من حضارات قامت على العقل أو القوة المادية دون مرجعية وحيية، مبينا أنها وإن نجحت في بناء منجزات علمية أو مادية، فإنها أخفقت في تحقيق الاستمرارية الحضارية الشاملة؛ بسبب افتقادها للرؤية القيمية الجامعة القادرة على نقل الرسالة الحضارية عبر الأجيال، مؤكدا أن حاكمية الوحي تمثل الضمانة الأساسية لاستدامة القيم والرؤى التي تحفظ للأمة قدرتها على الشهود والإسهام الحضاري.

وفي المحور الثاني، تناول الدكتور حميد قوفي، الأستاذ بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، بجامعة قطر، موضوع "الوراثة الحضارية: متطلبات وشروط"، مؤكدا أن الوراثة الحضارية ليست امتيازا تاريخيا أو حقا يكتسب بمجرد الانتماء، وإنما هي استحقاق تحكمه سنن إلهية وشروط موضوعية تؤهل الأمة للقيام بدورها في القيادة والعمران.

وأوضح أن قوله تعالى: "أن الأرض يرثها عبادي الصالحون" يؤسس لمبدأ الاستحقاق الحضاري القائم على مفهوم الصلاح الشامل الذي يجمع بين الصلاح العقدي والأخلاقي والعمراني، مبينا أن صلاح الأمة لا ينحصر في الجانب التعبدي الفردي، بل يمتد إلى بناء الإنسان القادر على الإسهام في نهضة مجتمعه وتحقيق الإصلاح والإعمار.

وأشار الدكتور حميد، إلى أن من أبرز مقومات الوراثة الحضارية توافر الإرادة الحضارية والفاعلية، وإحياء الوعي التاريخي للأمة، وربط الأجيال بتراثها الحضاري، والتمكن من أدوات المعرفة مع رسوخ المرجعية الشرعية التي تضبط مسارات العلم وتوجهها نحو خدمة الإنسان والمجتمع.

كما تناول معوقات الوراثة الحضارية، مثل الجمود الفكري وثقافة الأفول والاغترار بالانتساب مع غياب العمل والفاعلية، مؤكدا أن تجاوز هذه التحديات يتطلب استعادة روح المبادرة والإنتاج والإصلاح.

وفي سياق حديثه عن "الاستيعاب الحضاري والتفاعل مع الآخر بقيم الوحي"، أكد أن المنهج الإسلامي يقوم على التفاعل الواعي مع منجزات الأمم وخبراتها، والاستفادة من النافع منها وفق ضوابط الشرع، بعيدا عن الاستلاب وفقدان الهوية أو الانغلاق ورفض الآخر، بما يحقق توازنا حضاريا يجمع بين الأصالة والانفتاح.

أما المحور الثالث، فقد خصصه الدكتور علاء الدين إسماعيل الأستاذ بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، لموضوع "إعادة بناء علاقة الفرد المسلم بالوحي في سبيل النهوض الحضاري"، مؤكدا أن الوحي لم ينزل لمجرد إصلاح الجانب التعبدي للفرد، بل جاء لبناء الإنسان الصالح المصلح القادر على الاضطلاع بمهمة الاستخلاف والعمران والشهود الحضاري.

وأوضح أن النهضة الإسلامية الأولى لم تكن سوى ثمرة مباشرة لعلاقة حية وفاعلة بين الإنسان والوحي، تجاوزت المعرفة النظرية إلى صناعة الإنسان القادر على التغيير والإصلاح والتأثير في مجرى التاريخ.

وبين أن التصور القرآني للإنسان يربط بين العبودية لله وعمارة الأرض، ويجعل الوحي مرجعا يحدد للإنسان غاية وجوده ويوجه حركته في الحياة، مؤكدا أن التحول الحضاري يبدأ أولا من داخل الإنسان، عبر بناء وعيه وإرادته ومنظومته القيمية.

وأضاف الدكتور علاء الدين أن أزمة العلاقة المعاصرة مع الوحي لا تتمثل في غيابه أو ضعف حضوره النصي، وإنما في محدودية انعكاسه على الواقع العملي والسلوكي والحضاري، حيث اختزل الدين أحيانا في مظاهر شكلية وشعائر فردية، بعيدا عن أبعاده العمرانية والإصلاحية.

ودعا إلى إعادة بناء علاقة المسلم بالوحي على أساس التدبر والفهم العميق، وتحويل قيم الإيمان إلى طاقة دافعة للعمل والإنجاز والإبداع، من خلال ترسيخ قيم المسؤولية والأمانة والإتقان والعدل والإحسان، بوصفها مرتكزات أساسية في صناعة الإنسان الحضاري.

وتعكس هذه الندوة جانبا من جهود وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ممثلة في إدارة البحوث والدراسات الإسلامية، في تعزيز الوعي الفكري والثقافي الرشيد، وترسيخ المعرفة الشرعية المتصلة بالوحي وتحويلها إلى مشاريع معرفية ومجتمعية تسهم في بناء الإنسان وتنمية المجتمع.

مساحة إعلانية