رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عربي ودولي

2047

رجاء انتظرت أحمد عريسًا فزُفّ إليها شهيدًا.. قصة صاروخ صهيوني قتل حُلم المخطوبَيْن في غزة

03 يونيو 2021 , 11:38ص
alsharq
غزة/ حنان مطير

على رمال شاطئ بحر غزّة كانت تقضي رجاء المصري -22عامًا- سهرةً مليئة بالحب والأمل برفقة خطيبها أحمد المصري -21 عامًا- أما الجبل المُسمّى "جبل العشاق" الأخضر ببلدة بيت حانون القريب من مكان سكنهما فكان أكثر مكانٍ قضيا فيه وقتًا جميلًا، لم تكن "رجاء"  تُرهِق أحمد ماديًا وهي تعلم أن ظروفه الاقتصادية صعبة، فتكتفي بالجلوس برفقته في هذين المكانين البسيطين وتخبره أنها لا تريد من الدنيا غير أن يبقى بجانبها.

وعدها أحمد بذلك وأخبرها أنه لن يتركها للأبد، وأنه سيبحث لها عن كل مصادر السعادة لتعيش برفقته زوجةً مُكرّمة هانئة، لكن صاروخًا صهيونيًا منع أحمد من أن يفيَ بوعدِه وحرم رجاء من تحقيق حلمها ببقائه بجانبها للأبد، لقد استُشهدٍ قبل زفافه بيومين فقط.

"الشرق" التقت برجاء التي أذبَلت الدموع عينيها وأكل الحزن من قلبِها، لتروي حكايتها:" لم أتصوّر للحظةٍ أن يُزفّ أحمد شهيدًا بدلًا من أن نُزفّ زوجان ونبدأ حياتنا الجديدة التي انتظرناها ستة شهور، فقد كان الصاروخ الصهيوني أقرب إلى قلب محمد مني".

وتقول:" منذ ذلك الصباح وأنا أجهزّ نفسي لاستقباله، فقد وعدني أنه سيحضر لي المبلغ الخاص بحجز فستان الزفاف الأبيض والإكسسوارات الخاصة في أواخر شهر رمضان، وكنت على أحرّ من الجمر لذلك اللقاء فهو مختلف كوني سأحصل على البدلة التي أحببتها ولأن ذلك اللقاء هو الأخير قبل الزفاف الذي سيتم ثاني أيام العيد أي بعد يومين فقط  ".

وتضيف:" انتهيت من تجهيز نفسي، ونظرت للمرآة بفرح قبل أن أسمع صوتَ ضربةٍ عنيفةٍ تخترق المكان، وتوقعني أرضًا، لملمتُ نفسي وخرجتُ فإذ بالوجوه حزينة باكية والكل يهمس ويهمهم، حتى وصلني الخبر بأن أحمد استُشهِد فالكل يتابع الأخبار العاجلة أولًا بأول".

رجاء ذات القلب الحنون لم تصدّق الخبر لشدة صعوبته، حتى جاء والدُها من الخارج وأخبرها بالحقيقة، وما تزال تُكذب كل ما يقال، حتى قطعت الشكّ باليقين بذهابها للمستشفى.

تتبع:" رأيته في الثلاجة ممدّدًا، نعم إنه هو وقد صدّقتُ حينها فقط أنه استُشهِد، لكن روحي ما تزال معلقةً بروحِه، بكيت كما لم أبكِ من قبل، فكيف يحدث ذلك، البيت كله بات مجهزّا لتنظيم حفلٍ سعيد في شارع بيتِنا، والعائلة كلها صغيرها وكبيرها جهّز ملابس العرس لمشاركتي فرحتي، كيف ينتهي فرحنا وحلمنا بغمضة عين؟".

صاروخ مباشر

وكان أحمد الذي يسكن قرب الحدود إلى الشرق من بيت حانون يعمل بأي عملٍ يمكن أن يوفر له دخلًا، خاصة في الزراعة، قد جمع الكثير من التبن من نفس المنطقة طوال شهر رمضان من أجل بيعه وتوفير مبلغ يقدمه لرجاء قبل الزفاف ببضعة أيام.

 وحين أصبح التبن جبلًا عاليًا وبدأ يعبئه في أكياس تمام الساعة السادسة قبل الغروب وجاء المشتري لأخذه وتسليم المبلغ، قصف الاحتلال الصهيوني صاروخًا في المكان بشكل مباشر، أحرق التبن وأسقط  أحمد إثرَه شهيدًا على الفور وكذلك المشتري وخمسة من الأطفال الصغار أقارب أحمد كانوا يتجمعون حوله، وكانت تلك الضربة الأولى التي انطلق منها العدوان الأخير على قطاع غزّة.

وتحكي رجاء:" كنت وعدتُ نفسي أن أكون له زوجةً وأختًا وأمًا فهو الذي حُرِم من والدته بعمر السابعة حين غَدر بها الاحتلال في فترة الهدنة في العدوان على غزّة عام 2008، كانت تحمل الفِراش فوق رأسها عائدةً لبيتها بأمان قبل أن يقذفها الاحتلال بصاروخٍ تشهد على جُرمِه أشلاؤها التي تناثرت في كل مكان".

بعد رؤية رجاء لجثة خطيبها الشهيد عادت لبيتِها تتأمل كِسوتَها التي ملأت الغرفة، وملابسَ أحمد وأغراضه الكثيرة التي اشترتها له مُؤثِرةً إياه على نفسِها، قبّلتها وبلَّلتها بدموعها الحارّة، حتى غفت بجوارِها لكثرة ما أنهكها البكاء، وحلمت بأحمد يزورها ويفكّ ربطة شعرها ليُسدِله على كتفيها كعادته كلما كان يزورها، وحين استيقظت تمنّت لو أنها لا تفيق إلا بجواره.

وتروي وقد عادت الابتسامة لشفتيها وكأنها تعيش لحظات لقائه:" كلما كان يزورني كان يدق الباب دقّة خاصة، ويقول أنا أحمد افتحي يا رجاء، فأسابق الريح فرحًا بقدومِه، أما اليوم فأنا لا أحتمل أن أسمع صوت الباب يطرق".

وتكمل:" كان حنونًا يحبه كل من في البيت ويفرح لقدومه حتى الأطفال، وكان كثيرًا ما يغني لي ويضع اسمي بين كلمات الأغنية ونحن في الطريق، فأخبره أن يخفض صوته حتى لا يسمعه أحد فيضحك ولا يكترث".

تلك الضحكات انتهت بقرارٍ من صاروخ صهيوني حاقد، فأعادت والدة رجاء إصبع النقش والحناء التي جهّزتها لحفلة "الحِنّة" الخاصة بالعروس والتي تسبق العرس بيوم واحد، وألغت رجاء حجز البدلة والإكسسوارات، وتوقّفت عن التّدرّب على الرقصة الثنائية التي تعلّمتها برفقة أحمد، لقد أُلغِيَ العُرسُ الذي كان يفترض أن يقام في شارع منزل رجاء والذي دكّ الاحتلالُ بيوتَه دكًا بصواريخه وقذائف مدفعياته ليبوح الشارعُ والجدرانُ كلها بحزنِها وعزائها.

مساحة إعلانية