رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

التوطين النوعي.. استثمار في سيادة المعرفة

لم تعد الجامعات في عالم اليوم مؤسسات تمنح الشهادات فحسب، بل أصبحت فضاءات تُصاغ فيها قدرة الدول على المنافسة، ويُبنى من خلالها أمنها المعرفي والفكري. ومن هنا، فإن توطين المهن الأكاديمية لا ينبغي أن يُختزل في أرقام أو نسب، بل يجب أن يُفهم بوصفه مشروعًا وطنيًا لصناعة العقل المنتج للمعرفة، والقادر على الإسهام في صياغة مستقبل الوطن وتعزيز حضوره العلمي والإنساني. غير أن التوطين الحقيقي لا يتحقق بخفض المعايير، لأن المعرفة لا تزدهر إلا في بيئة تقوم على الكفاءة والاستحقاق. فالمعادلة التي نحتاجها اليوم ليست الاختيار بين التوطين والعالمية، بل القدرة على بناء كفاءات وطنية قادرة على المنافسة ضمن أعلى المعايير الأكاديمية والبحثية الدولية، مع الحفاظ على الهوية والأولويات الوطنية، والانفتاح الواعي على التجارب الإنسانية الرائدة. إن بناء الأكاديمي والباحث يبدأ قبل التوظيف بسنوات؛ يبدأ من الاستثمار في الإنسان، وفي قدرته على التفكير والبحث والابتكار، وفي تعميق علاقته بالعلم بوصفه مسؤولية ورسالة. ولذلك، تصبح برامج الابتعاث النوعي، والتدريب البحثي، وبرامج ما بعد الدكتوراه، جزءًا من منظومة أمن وطني معرفي، لا مجرد مسارات تعليمية تقليدية. كما أن الجامعات مطالبة اليوم بأن تتحول من مستهلك للمعرفة إلى شريك في إنتاجها، عبر تمكين الباحثين الوطنيين، وربط البحث العلمي بأولويات التنمية، وتهيئة بيئات أكاديمية تحتضن الإبداع وتحفّز الاكتشاف، وتفتح المجال أمام تراكم الخبرة الوطنية واستدامتها. إن امتلاك الكفاءات الأكاديمية والبحثية الوطنية ليس ترفًا مؤسسيًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة. فالدولة التي لا تمتلك أدوات إنتاج المعرفة، تظل معتمدة على غيرها في تفسير تحدياتها وصياغة حلولها. ولهذا، فإن الاستثمار في الأكاديمي الوطني هو استثمار في سيادة الفكر، وفي استدامة التنمية، وفي قدرة الوطن على أن يصنع مستقبله بعقول أبنائه وثقة مؤسساته. وفي المستقبل، لن تُقاس مكانة الدول بما تملكه من موارد فحسب، بل بما تمتلكه من رصيد وطني من الأكاديميين والباحثين والمبتكرين القادرين على إنتاج المعرفة وصناعة الحلول. فهذه العقول ستكون الثروة الأهم، والضمان الحقيقي لاستدامة التنمية وتعزيز السيادة الفكرية والمعرفية. والدول التي تنجح في بناء مواهبها الوطنية، ورعاية كفاءاتها العلمية، ستكون الأقدر على صناعة مستقبلها بثقة، وترسيخ حضورها في عالم أصبحت فيه المعرفة القوة الأكثر تأثيرًا واستدامة.

297

| 18 مايو 2026

هل يخلق اقتصاد المعرفة وظائف أم إنسانًا جديدًا؟

في العقود الماضية، كان النجاح الاقتصادي يُقاس بحجم الموارد، وعدد المصانع، واتساع الأسواق. أما اليوم، فقد أصبحت المعرفة نفسها موردًا استراتيجيًا، وأصبح الإنسان القادر على إنتاجها وتوظيفها هو المحرك الحقيقي للتنمية. ومن هنا، يبرز سؤال يتجاوز الاقتصاد بمعناه التقليدي: هل يخلق اقتصاد المعرفة وظائف فقط، أم أنه يعيد تشكيل الإنسان نفسه؟ التحولات التي يشهدها العالم اليوم لم تعد تقتصر على أدوات العمل، بل امتدت إلى طبيعة المهارات المطلوبة، ومعنى القيمة الاقتصادية، وحتى مفهوم “الوظيفة” ذاته. فالذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، وتسارع الابتكار، جميعها غيّرت العلاقة بين التعليم وسوق العمل بصورة غير مسبوقة. لم يعد السوق يبحث عن موظف يؤدي مهام متكررة بقدر ما يبحث عن عقل قادر على التكيف، والتعلم المستمر، وإنتاج الحلول. وفي هذا السياق، تبدو الشهادة الأكاديمية — رغم أهميتها — غير كافية وحدها لضمان الجاهزية للمستقبل. فالتحدي الحقيقي لم يعد في الحصول على المؤهل، بل في امتلاك القدرة على إعادة بناء المهارات باستمرار في عالم تتغير فيه الوظائف أسرع من المناهج الدراسية نفسها. اقتصاد المعرفة لا يحتاج فقط إلى خريجين، بل إلى أفراد يمتلكون التفكير النقدي، والقدرة على العمل العابر للتخصصات، وروح المبادرة، والاستعداد للتعلم مدى الحياة. فالقيمة الاقتصادية لم تعد تُنتج داخل الحدود التقليدية للمهنة، بل في المساحات التي يلتقي فيها الابتكار بالتقنية والمعرفة بالمرونة. ومن هنا، فإن الجامعات لم تعد مطالبة بأن تكون مؤسسات تمنح الشهادات فحسب، بل أن تتحول إلى بيئات لصناعة الإنسان القادر على التكيّف مع المستقبل. إن وظيفة التعليم اليوم لا تقتصر على نقل المعرفة، بل تمتد إلى بناء الشخصية المنتجة للمعرفة، القادرة على تحويل الأفكار إلى قيمة اقتصادية ومجتمعية. وفي الحالة الخليجية عمومًا، والقطرية خصوصًا، فإن الرهان على اقتصاد المعرفة لا يمكن أن يتحقق عبر التوسع في التعليم وحده، بل من خلال بناء منظومة متكاملة تربط بين التعليم، والبحث العلمي، وريادة الأعمال، وسوق العمل. فالمعادلة لم تعد: “كيف نوظف الخريجين؟” بل: “كيف نُعدّ إنسانًا قادرًا على خلق الفرص، لا انتظارها فقط؟” كما أن التحول نحو الاقتصاد المعرفي يتطلب إعادة النظر في بعض التصورات التقليدية المرتبطة بالعمل والاستقرار المهني. فالأجيال الجديدة ستعيش في بيئة مهنية أكثر تغيرًا وتنقلًا، حيث تصبح المرونة، والقدرة على التعلم، والتكيف مع التقنيات الجديدة، عناصر أساسية للاستمرار الاقتصادي. ولذلك، فإن الاستثمار الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون في البنية التحتية وحدها، بل في البنية الفكرية والمهارية للإنسان. فالدول التي ستقود المستقبل ليست بالضرورة الأكثر امتلاكًا للموارد، بل الأكثر قدرة على بناء إنسان يعرف كيف يفكر، وكيف يبتكر، وكيف يعيد إنتاج المعرفة في كل مرحلة من مراحل التحول. إن السؤال الحقيقي لم يعد: كم وظيفة سيخلقها اقتصاد المعرفة؟

477

| 11 مايو 2026

منصة التخرج.. بوابة قطر إلى الاقتصاد المعرفي

في كل عام، ومع تزامن حفلات التخرّج من جامعة قطر إلى فروع الجامعات العالمية في مؤسسة قطر يتكرّر مشهد الاحتفاء بالإنجاز الأكاديمي. غير أن القراءة الاقتصادية لهذا الحدث تتجاوز رمزيته الاحتفالية؛ إذ يمثّل التخرّج في جوهره لحظة تحويلٍ نوعي في بنية رأس المال البشري، وانتقالًا من طور التكوين إلى طور الإسهام في اقتصادٍ يتشكّل على أساس المعرفة. من منظور اقتصاديات التعليم العالي، لم يعد التعليم مجرّد خدمة عامة، بل استثمار استراتيجي طويل الأجل، تتحدد جدواه بمدى قدرته على تعزيز الإنتاجية، وتحفيز الابتكار، ورفع كفاءة سوق العمل. وفي الحالة القطرية، فإن التوسّع المدروس في منظومة التعليم العالي يعكس إدراكًا عميقًا بأن تنويع الاقتصاد لا يمكن أن يتحقق دون تنويع في المهارات، ولا يمكن أن يستدام دون تراكم معرفي محلي. لكن التحدي لا يكمن في عدد الخريجين، بل في نوعية المخرجات ودرجة مواءمتها مع اقتصاد المعرفة. فالفجوة بين التعليم وسوق العمل وإن كانت محدودة نسبيًا في قطر مقارنة بغيرها تظلّ اختبارًا حقيقيًا لفعالية السياسات التعليمية. وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم القيمة التعليمية، بحيث لا يُقاس فقط بعدد الشهادات، بل بقدرة الخريج على التفكير النقدي، والعمل العابر للتخصصات، والمساهمة في إنتاج المعرفة لا استهلاكها. كما أن الاقتصاد القائم على المعرفة يفرض تحوّلًا في دور الجامعات نفسها: من مؤسسات مانحة للشهادات إلى منصّات لإنتاج الأفكار، وحاضنات للابتكار، وشركاء فاعلين في التنمية. وهذا التحوّل يتطلب تكاملًا أوثق بين السياسات التعليمية والاقتصادية، بحيث تُبنى البرامج الأكاديمية على احتياجات وطنية مستقبلية، لا على معايير تقليدية جامدة. في هذا السياق، يمكن النظر إلى حفلات التخرّج بوصفها مؤشرًا دوريًا على العائد الاجتماعي للاستثمار في التعليم. فكل خريج هو وحدة إنتاج معرفي محتملة، وكل دفعة تخرّج هي دفعة جديدة في رصيد الدولة من رأس المال البشري. غير أن تعظيم هذا العائد يتطلب بيئة تمكينية تتجاوز التعليم إلى سوق عمل مرن، ومنظومة بحثية نشطة، وثقافة مجتمعية تُقدّر المعرفة بوصفها قيمة عليا. إن الرهان الحقيقي في قطر اليوم ليس على بناء اقتصاد المعرفة فحسب، بل على بناء مجتمع المعرفة. مجتمع يكون فيه التعلم عملية مستمرة، والابتكار ممارسة يومية، والإنسان محور كل سياسات التنمية. وعندها فقط، يصبح التخرّج أكثر من نهاية مرحلة يصبح فعلًا اقتصاديًا بامتياز، واستثمارًا وطنيًا في مستقبل لا يُقاس بما نملك، بل بما نعرف ونُنتج.

327

| 04 مايو 2026

السيادة المعرفية.. حين تتحول المعرفة إلى أصل إستراتيجي

في زمن تتسارع فيه التحولات، لم تعد المعرفة مجرد مورد نُضيفه إلى مسارات التنمية، بل أصبحت الإطار الذي يُعاد من خلاله تعريف القوة ذاتها، ومع ذلك، يبدو أن السؤال لم يعد متعلقاً بامتلاك المعرفة، بقدر ما هو متعلق بطبيعة هذا الامتلاك: هل نكتفي بالوصول إليها، أن نسهم في إنتاجها؟ هذا التساؤل لا ينفصل عن تجربتنا في التعليم، ولا مسارات الاستثمار في الإنسان. فمن واقع الانخراط في حقل التعليم العالي، يتضح أن التحدي لم يعد في وفرة المعرفة، بل في موقعنا منها: هل نحن في موقع المتلقي، أم في موقع الإسهام؟ ومن هنا، يبرز مفهوم السيادة المعرفية، ليس بوصفه طموحاً نظرياً، بل كحاجة عملية تفرضها طبيعة المرحلة، فهي لا تعني الانغلاق أو الاكتفاء الذاتي، بل القدرة على أن نكون جزءاً من حركة إنتاج المعرفة، وأن نشارك في صياغة أسئلتها، لا الاكتفاء بالإجابة عليها. لقد استثمرنا كثيراً في بناء مؤسسات تعليمية متقدمة، وفي استقطاب المعرفة من مصادرها المختلفة، وهو استثمار لا يمكن التقليل من أهميته. لكن ما يفرض نفسه اليوم هو سؤال أكثر عمقاً: كيف ننتقل من اقتناء المعرفة إلى إنتاجها؟ وكيف يصبح هذا الانتقال جزءاً من بنية النظام التعليمي، لا إضافة عليه؟ فالمعرفة التي لا تُنتج في سياقها، تظل مرتبطة بسياقات غيرها، وقد لا تعكس تماماً تعقيد الواقع الذي نحاول فهمه. أما حين تنشأ المعرفة من داخل التجربة، فإنها لا تكتفي بتفسير التحديات، بل تسهم في إعادة تعريفها، وفي بناء حلول تنبع من فهمها. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل السيادة المعرفية عن الاستثمار في رأس المال البشري. فالمعرفة، حين تُفهم ضمن هذا الإطار، لا تُعامل كتكلفة تُستهلك، بل كأصل يُبنى ويُراكم. وما يُصنع في التعليم لا يقف عند حدود التعلم، بل يمتد ليحدد طبيعة الإسهام الذي لا يمكن أن يقدمه الفرد لاحقاً. وهنا يتجاوز دور التعليم نقل المعرفة إلى تشكيل العلاقة معها، كيف يتعلم الفرد أن يسأل؟ كيف يُقارب التعقيد؟ كيف يرى في التحدي فرصة للفهم، لا عائقاً أمامه؟ هذه الأسئلة، وإن بدت بسيطة، فهي التي تحدد ما إذا كنا نبني قدرة على إنتاج المعرفة، أم نكتفي باستهلاكها. إن بناء السيادة المعرفية لا يتحقق بقرارات معزولة، بل عبر بيئة تسمح بتراكم الفهم، وتحتضن المحاولة، وتمنح الوقت للعمق أن يتشكل. وهي بيئة لا تُقاس فقط بسرعة مخرجاتها، بل بقدرتها على إنتاج معرفة تبقى، وتُضاف إليها. كما أن الانفتاح، في هذا السياق، لا يتناقض مع السيادة، بل يعززها. فالمجتمعات التي تسهم في إنتاج المعرفة، تنفتح على العالم من موقع المشاركة، لا التبعية. تأخذ وتُعطي، وتتعلم وتُسهم، دون أن تفقد موقعها في المعادلة. ولعل التحدي الحقيقي لا يكمن في إدراك أهمية هذا المسار، بل في جعله خياراً واعياً ومستمراً. أن نحرص على إنتاج المعرفة، كما نحرص -وربما أكثر- على اقتنائها. وأن نعيد النظر في موقع البحث، لا بوصفه امتداداً للتعليم، بل كجزء من جوهره. في النهاية، لا تُقاس السيادة المعرفية بما نعرفه، بل بما نُضيفه، وفي عالم يُعاد تشكيله بالمعرفة، يصبح السؤال الأهم: هل نحن جزء مما يُصاغ، أم فقط مما ينُقل؟

630

| 27 أبريل 2026

التعليم والصمود.. كيف تتحول المعرفة إلى قدرة؟

إذا كان الحديث عن الصمود قد بدأ كفكرة تُعيد مساءلة دور التعليم، فإن التحدي الحقيقي يبدأ حين نضع هذه الفكرة موضع التطبيق. فالصمود، في جوهره، لا يُدرّس بوصفه معرفة، بل يُبنى بوصفه قدرة. والفرق بين الأمرين هو ما يحدّد ما إذا كان التعليم يستجيب للتحديات، أم يكتفي بوصفها. ومن هنا، لا يكون السؤال: كيف نُدرج الصمود في التعليم؟ بل: كيف نعيد تشكيل التعليم بحيث يُنتج الصمود؟ الإجابة تبدأ من قلب التجربة التعليمية، فالمناهج، في صورتها التقليدية، تفصل بين المعرفة وسياقها، وتقدّم القضايا الكبرى بوصفها موضوعات للدراسة لا مساحات للفعل. أما في تعليم موجّه نحو الصمود، فإن هذه القضايا - كالأمن الغذائي، وأمن المياه، والطاقة، والصحة - تصبح منصّات تعلّم تُبنى حولها المقررات، لا موضوعات تُضاف إليها. بمعنى أدق، يمكن أن يُعاد تصميم المقررات بحيث تنطلق من تحدٍ حقيقي، يعمل عليه الطلبة عبر الفصل الدراسي، مستفيدين من أدوات تخصصاتهم المختلفة. طالب الهندسة يقدّم حلولًا تقنية، وطالب السياسات يدرس الأطر التنظيمية، وطالب العلوم الصحية يقارب الأثر المجتمعي. وهنا، لا يتعلّم كلٌ بمعزل، بل ضمن منظومة أقرب لتعقيد الواقع. ولا يقف الأمر عند حدود القاعة الدراسية، فالتعليم المرتبط بالصمود يقتضي أن تمتد التجربة إلى ما بعدها، عبر ربط المشاريع الطلابية بمختبرات البحث، وبمنصّات الابتكار، بحيث تجد الأفكار مسارًا للتطوير والتجريب. وبهذا، يتحول المشروع الأكاديمي من تمرين ينتهي بالتقييم، إلى فكرة قابلة للنمو والاستمرار. كما أن تقييم التعلّم نفسه يحتاج إلى مراجعة، فبدلًا من قياس قدرة الطالب على استرجاع المعرفة، يصبح التقييم مرتبطًا بقدرته على توظيفها: كيف حلّل المشكلة؟ كيف تعامل مع التعقيد؟ كيف طوّر حلاً قابلًا للتطبيق؟ وهي معايير أقرب إلى الحياة، وأصدق في قياس الجاهزية.وفي موازاة ذلك، تبرز الحاجة إلى مسارات تعليمية مرنة، تسمح للطالب بالانتقال بين التخصصات، وبناء معرفة مركّبة تتناسب مع طبيعة التحديات المعاصرة. فالصمود لا يُبنى داخل حدود تخصص واحد، بل في المساحات التي تلتقي فيها التخصصات. وربما الإشكال ليس في غياب الجهود، بل في عدم إعادة تنظيمها ضمن صورة واحدة واضحة. صورة تجعل من الصمود إطارًا جامعًا، لا مفهومًا متفرقًا بين المبادرات. غير أن كل هذه التحولات تظل محدودة الأثر ما لم تُسند بثقافة تعليمية مختلفة.

735

| 19 أبريل 2026

المدينة التعليمية.. كيف تصبح المعرفة فعلًا للصمود؟

ليست المؤسسات الكبرى تلك التي تكتفي بما أنجزته، بل تلك التي تمتلك الشجاعة لتتأمل ذاتها، وتعيد مساءلة أدوارها كلما تغيّر السياق واتسعت المسؤولية. وفي المدينة التعليمية، لا يبدو هذا التأمل ترفًا فكريًا، بقدر ما هو امتداد طبيعي لفكرة وُلدت على إيمان عميق بأن التعليم ليس غاية، بل فعلٌ مستمر لإعادة تشكيل الإنسان والعالم. وبينما أكتب هذه الكلمات، لا أفعل ذلك من موقع المراقب، بل من موقع الانتماء؛ كطالب علم في مجال التعليم والممارسة والمجتمع، وكأحد أبناء هذه المؤسسة التي لم تكن يومًا مجرد فضاء للدراسة، بل بيئة تُعيد تعريف معنى التعلّم، وتزرع في منتسبيها حسّ المسؤولية تجاه ما يتجاوز ذواتهم. لقد كانت قضايا الأمن الغذائي، وأمن المياه، وأمن الطاقة، والصحة، حاضرة بوضوح في مسيرة المدينة التعليمية، وشكّلت محورًا لجهود بحثية وابتكارية جديرة بالتقدير. غير أن قيمة هذه الجهود لا تقاس فقط بما حققته، بل بما يمكن أن تؤول إليه إذا ما قُرئت ضمن إطار أوسع، يمنحها ترابطًا أوضح، واتجاهًا أكثر تماسكًا. فالتحدي لم يعد في اختيار القضايا، بل في كيفية النظر إليها؛ ليس بوصفها ملفات متجاورة، بل باعتبارها تعبيرًا عن فكرة واحدة: فكرة الصمود. ذلك الصمود الذي لا يُختزل في مواجهة الأزمات، بل يتجلى في القدرة على التعلّم منها، وتحويلها إلى فرص للنمو، وإعادة البناء على أسس أكثر وعيًا واستدامة. ومن هذا المنظور، تبدو المدينة التعليمية مؤهلة لأن تتقدم خطوة أخرى في مسارها، لا بتغيير وجهتها، بل بتعميقها. أن تُرى مكوناتها—من جامعات ومراكز بحث وبيئات ابتكار—كأجزاء في منظومة واحدة، لا يربطها المكان فقط، بل يجمعها معنى. معنى يجعل من المعرفة ممارسة، ومن التعليم تجربةً حية، ومن التحديات مادةً للفهم والإبداع. إن الجامعات، بما تحمله من تنوع، قادرة على أن تجعل من قضايا الصمود جزءًا من نسيجها التعليمي، بحيث لا يتعلّم الطالب عن العالم من مسافة، بل من داخله. كما أن منظومات الابتكار تستطيع أن تجسّد هذا التوجه، حين تلتقط الأسئلة الحقيقية، وتحوّلها إلى حلول قابلة للحياة. أما المسارات التعليمية، فهي التي تملك القدرة على إعادة تشكيل الرحلة كلها، بحيث تخرج إنسانًا لا يكتفي بالمعرفة، بل يحسن توظيفها في موضع الحاجة. ما يُطرح هنا ليس دعوة إلى البدء من جديد، بل إلى النظر بعمقٍ أكبر في ما بدأ بالفعل. فالأفكار، مثلها مثل المدن، لا تبلغ نضجها إلا حين تُعاد قراءتها في ضوء ما حولها. والمدينة التعليمية، بما تحمله من إرث وما تفتحه من آفاق، تقف اليوم أمام فرصة أن تُقدّم نموذجًا لا في ما تفعله فحسب، بل في الكيفية التي تفكّر بها. في النهاية، قد لا يكون الأثر الحقيقي لما نبنيه فيما نراه اليوم، بل فيما نُهيّئ له غدًا. وهنا، يصبح السؤال الأهم: كيف نجعل من المعرفة مسؤولية، ومن التعليم فعلًا مستمرًا للصمود؟

789

| 14 أبريل 2026

alsharq
رواتب لربات البيوت

في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...

1440

| 18 مايو 2026

alsharq
طافك رمضان؟ تفضل

في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...

1284

| 19 مايو 2026

alsharq
الدوحة تحتفي بالكتاب

​لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...

1095

| 21 مايو 2026

alsharq
لماذا الديستوبيا في الإبداع أكثر ؟

كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...

1068

| 21 مايو 2026

alsharq
قراءة في ظاهرة المدير السام

في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...

1062

| 23 مايو 2026

alsharq
العلاقات التركية - الجزائرية من الماضي إلى الحاضر

تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية...

762

| 17 مايو 2026

alsharq
المنازعات الإيجارية

أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...

705

| 20 مايو 2026

alsharq
قطر في قلب اتفاق تجاري خليجي بريطاني جديد

أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...

621

| 20 مايو 2026

alsharq
الصحة والفراغ.. ثروات متاحة

خير استفتاح واستدلال لهذا المقال هو الحديث الشريف...

612

| 18 مايو 2026

alsharq
قطر تعزز الشراكات الدولية

تأتي مشاركة معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن...

576

| 17 مايو 2026

alsharq
توطين الصناعة من قيود الممرات

قد تكون الجغرافيا قدرًا ثابتًا، خاصةً لدول تكتسب...

573

| 17 مايو 2026

alsharq
"الدوحة للكتاب".. منارة لا تنطفئ

يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...

552

| 19 مايو 2026

أخبار محلية