رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تبدو العلاقة بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني في سباق مع الوقت.فالمفاوضات التي بدأت قبل حوالي السنتين وواكبها وقف للمعارك بينهما لا تزال متواصلة من دون الإفصاح عن حقيقة ما يجري خلف الكواليس.فما يتسرب من معطيات من جانب الدولة التركية ضئيل جدا بل إن رئيس الأركان نجدت أوزيل قال قبل فترة أنه ليس على اطلاع على أي تفاصيل حول الأمر.والمسؤولون في الحكومة التي تقود المفاوضات عبر رئيس الاستخبارات حاقان فيدان يعكسون دائما أجواء إيجابية. يستمر هذا الأمر من سنتين.في المقابل فإن الجانب الكردي يقدم كمّا وافرا من التفاصيل سواء على لسان أوجالان أو ما يصرح به أعضاء الوفد الكردي النيابي من حزب الشعوب الديمقراطي الذي يلتقي أوجالان من وقت لآخر.بعد أيام يدخل العام الجديد 2015.وفي مطلع كل عام جديد تبدأ التحليلات والمواقف بالإشارة إلى أنه عام مصيري وحاسم يتبين خلاله الخيط الأبيض من الخيط الأسود.مؤخرا قدم أوجالان إلى قيادة حزب العمال الكردستاني المتواجدة في جبال قنديل في شمال العراق على حدود المثلث العراقي التركي الإيراني ما وصف بأنه مشروع متكامل لحل المشكلة الكردية في تركيا. وقد ردت قيادة قنديل بعد أيام بأنها موافقة على الخطة وستعمل كل ما بوسعها لجعلها تبصر النور.غير أن الطرف الحكومي لم ينبس بعد ببنت شفة حولها.الصمت الحكومي أثار انزعاج قيادة قنديل كما قيادة حزب الشعوب الديمقراطي الذي يمثل الجناح البرلماني للأكراد المؤيدين لأوجالان والذي يقوم وفد منهم بدور المنسق بين أوجالان و "قنديل" والحكومة أحيانا.جميل بايق رئيس الهيئة القيادية في حزب العمال الكردستاني أطلق تصريحات واضحة لا لبس من أن العام 2015 سيكون عام الحسم إما باتجاه السلم والحل أو باتجاه الحرب بل إنه حدد مواعيد لذلك قبل نهاية الربيع المقبل.حذر بايق من أنه إذا لم تتخذ الحكومة خطوات عملية لحل المشكلة الكردية في الأسابيع المقبلة فإن الحزب سوف يبدأ الحرب قبل موعد إجراء الانتخابات النيابية المقبلة في نهاية الربيع المقبل. وقال إن عشرين يوما مرت على إرسال أوجالان مشروعه وموافقة الحزب عليه ولم تصدر عن الحكومة حتى الآن أي خطوة.وقال إن الحكومة تقول أنها تريد أن تعلن موقفها بعد الانتخابات وهي بذلك تكرر لعبتها في العام 2011.وبذلك فإن حزب العدالة والتنمية يأخذ بعملية الحل إلى الحرب.ولكن إذا مضت عملية الحل بصورة صحيحة فإننا نريد أن نرى أوجالان مشاركا في مؤتمر الحزب الموسع الذي سيعقد في 15 مارس المقبل.ليست إشارة قنديل إلى الانتخابات النيابية المقبلة عرضية.فهي تعتبر مفصلا أو محطة هامة لتقرير مسار عملية الحل.فحزب العدالة والتنمية يبني معظم حساباته في كل القضايا على نتائج الانتخابات.وهو يريد أن يثبت بزعامة أحمد داود أوغلو أنه حزب قوي وعازم على الاستمرار بقيادة البلاد أربع سنوات أخرى وبالنهج نفسه وحتى من دون أن يكون رجب طيب أردوغان رئيسا مباشرا له.ولذلك فإن أي "دعسة ناقصة" سوف تخرب هذه الحسابات ومن هذه الخطوات الحساسة مسألة ما إذا كان سيمضي في عملية حل للمشكلة الكردية حتى النهاية قبل الانتخابات أم لا.والأرجح أنه لن يفعل ذلك قبلها، إذ أن الحزب يريد أن يخطف بضع نقاط من قاعدة حزب الحركة القومية، القومي التركي المتشدد.وهذا لا يمكن أن يحصل باتفاق على حل المشكلة الكردية التي يعارض مسارها حزب الحركة القومية بقيادة دولت باهتشلي.مع ترجيح عدم التوصل إلى اتفاق قبل الانتخابات فإن الأكراد لن يقفوا مكتوفي الأيدي إذ سيرون فيها مماطلة حكومة جديدة كما حصل في العام 2011 أي وعود لما بعد أي انتخابات،ثم لا شيء يطبق.لكن تهديد الأكراد بحرب عسكرية جديدة ضد الدولة في الربيع المقبل يبدو أيضاً كما لو أنه مجرد تهديد غير قابل للصرف.إذ أن الكلمة الفصل في حزب العمال الكردستاني لا تزال كما يبدو من كل مسار هذه القضية في السنتين الأخيرتين في قبضة عبدالله أوجالان المعتقل في قبضة الدولة التركية.ولا يزال أوجالان يراهن على الوقت وعلى حاجة الأتراك للاستقرار في مرحلة مضطربة من التطورات في الشرق الأوسط ليحصل من الحكومة التركية، حتى بعد الانتخابات، على أكبر قدر من التنازلات لصالح الأكراد وفي رأسها الحكم الذاتي والتعلم باللغة الكردية الأم.
785
| 27 ديسمبر 2014
ارتبط مسار التحديث في تركيا بالإصلاحات التي كان بدأ السلاطين العثمانيون بها في نهاية القرن الثامن عشر، وعرفت ذروة لها فيما عرف بالتنظيمات العثمانية في العام 1839 ومن ثم ما تلاها من إصلاحات أخرى آخرها إقرار الدستور العثماني في العام 1876. غير أن إقرار الدستور لم يدم أكثر من سنتين، حيث انقلب عليه السلطان عبد الحميد الثاني إلى أن قامت الثورة عليه عام 1908 ومن ثم عام 1909.الانقلاب على عبد الحميد كان إيذانا ببدء حكم الاتحاد والترقي، الجمعية التي استلمت السلطة حتى انهيار الدولة العثمانية في العام 1918.شعارات الحرية والعدالة والمساواة المأخوذة في الثورة الفرنسية لعام 1789 طبعت محاولات الإصلاح لإنقاذ الدولة من التراجع الذي كان بدأ مع نهاية القرن السابع عشر وشهد هزائم متتالية فقد من بعدها العثمانيون حس التوسع والتمدد.لم تنفع محاولات الإصلاح في إنقاذ الدولة من الانهيار المريع بسبب الحرب العالمية الأولى. وعندما انتهت الحرب وطويت الصفحة العثمانية من تاريخ تركيا الحديث كان الأتراك على موعد مع تجربة جديدة واختبار جديد.كان السؤال دائما هو نفسه الذي كان مطروحا في العالم الإسلامي، أي كيف نحقق التقدم تجاه التحدي الذي يمثله الغرب.الرجل الذي قاد حرب التحرير الوطنية وأعاد تحرير تركيا وتوحيدها ولو في حدودها الأناضولية الحالية مع بعض من القارة الأوروبية، هو نفسه الذي خاض معارك شرسة لتغيير هوية تركيا أو على الأقل وجهها. لم يكن مصطفى كمال أتاتورك قائدا عسكريا فذا فقط، بل كان يحمل مشروعا سياسيا وفكريا جذريا يأمل من خلاله وضع تركيا في مصاف الدول المتقدمة.وغالبا ما اكتسب أتاتورك صفة العدو للدين. ومع أن ذلك لم يكن دقيقا، غير أن إصلاحاته مست بالمظاهر الإسلامية لتركيا، من إلغاء الخلافة والسلطنة وإغلاق الزوايا والتكايا والتعليم الديني واعتماد القانون المدني السويسري، وصولا إلى إقرار العلمنة في النظام بعيدا عن الأحكام الشرعية والدينية.في سياق المشروع التغريبي لأتاتورك جاءت خطوات قد تبدو شكلية لكنها كانت تمس صميم الهوية الثقافية للمجتمع، إذ أقر تغيير الأبجدية العثمانية المعتمدة بأبجدية لاتينية. الأبجدية السابقة كانت العربية مضافا إليها بعض الأحرف الفارسية وقلة من الحرف التركية الأصلية، أما الأبجدية اللاتينية الجديدة فهي الفرنسية أساسا مضافا إليها بعض الحروف الألمانية.استغرق التغيير بضع سنوات، وكانت الحجة أو الذريعة الأساسية لأتاتورك أن اللغة العثمانية صعبة ولا تلبي الحاجة لإزالة الأمية المنتشرة في صفوف الشعب. وهكذا حصل ما حصل ولا تزال الأبجدية اللاتينية هي المعتمدة حتى الآن في اللغة التركية.لم يكن تغيير الأبجدية مجرد تغيير في الشكل، إذ بالتغيير فقد الأتراك القدرة المعرفية على التواصل مع كل تراثهم المكتوب بالأبجدية العربية والفارسية.آلاف المخطوطات والكتب وملايين الوثائق، فضلا عن النقوش والكتابات المتناثرة في كل مكان في المقابر والجوامع والقلاع وغيرها، باتت عصية على فهم الجيل الذي تعلم اللغة بالأبجدية الحديثة. وهو ما جعل هذا الجيل منقطعا عن الشجرة التي تدلى منها.دعوة رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان إلى العودة إلى اللغة العثمانية كلغة ثانية في المدارس أتت في سياق عودة الفرد التركي إلى ماضيه.أردوغان يقترح تدريس اللغة ساعتين أو ثلاث ساعات يوميا للطلاب في المدارس.هذا أمر معقول ومطلوب، ذلك أن الحداثة في جوهرها ليست في تغيير الأبجدية. فها هم اليابانيون أو الصينيون أو حتى اليهود أو الهنود لم يغيروا في أبجديتهم وكلها أبجديات غاية في الصعوبة ومع ذلك كانت اليابان عنوانا للتقدم، وكذا أصبحت الصين.لكن ما يجب ألا ننساه أن تغيير اللغة في عهد أتاتورك كان في سياق مشروع سياسي وثقافي ويخدم أهداف هذا المشروع.واليوم مع العودة إلى تعليم اللغة العثمانية ولو كلغة ثانية إنما أيضاً في سياق المشروع المضاد الذي يقوده أردوغان في الداخل والخارج وليس مجرد خطوة منعزلة قائمة بحد ذاتها.
1656
| 13 ديسمبر 2014
جو بايدين يعود خالي الوفاض من أنقرة، هذا ما خلصت إليه وكالات الأنباء بعد انتهاء زيارة نائب الرئيس الأمريكي إلى تركيا والتقى فيها بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء أحمد داود أوغلو.طرحت الزيارة العديد من علامات الاستفهام حول طبيعة العلاقات بين البلدين في هذه المرحلة من تاريخ الشرق الأوسط والعالم.إذ إن العلاقات التركية- الأمريكية تعرف بأنها إستراتيجية وصلبة وثابتة لا تتبدل بتبدل الحكومات والسلطات في البلدين وتعرف حدا معينا من الانسجام مهما تباينت الرؤى إلى القضايا أو المشكلات الثنائية أو الدولية.وكان الانطباع الأقرب إلى الحقيقة أن تركيا على امتداد عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية بما في ذلك سنوات التسعينيات، كانت تلعب دور "المريد" الذي لا يخرج عن طاعة "الشيخ" في القضايا الأساسية. وكان الدافع الذي يحدد مواقف تركيا هو علاقاتها العدائية مع محيطها من البلقان إلى القوقاز وصولا إلى إيران والشرق الأوسط عموما، ولعل انقسام العالم بين قطبين وخوف تركيا من القطب الشيوعي كان في أساس الارتماء التركي في أحضان أمريكا والالتزام بما ترسمه أو تمليه، ولم يغير انتهاء الحرب الباردة من استمرار التبعية التركية الكاملة لواشنطن.ولقد استوى في ذلك العلمانيون المتشددون أو اليمينيون وبالتأكيد المؤسسة العسكرية التي كانت الوكيل المعتمد لهذه السياسات.وارتبطت تركيا بإسرائيل وباتت صورتها لدى العرب تلك المتحالفة مع العدو الإسرائيلي ولدى المسلمين ذلك البلد العلماني المتشدد المعادي للدين والذي يمنع المحجبات من دخول الجامعات أو المؤسسات الرسمية العامة.لم يكن وصول حزب العدالة والتنمية ليغير كثيرا من هذه الصورة الخارجية لتركيا. إذ إن حكومة عبدالله غول وكان الحزب برئاسة رجب طيب أردوغان كانت تريد المشاركة في حرب العراق عام 2003 إلى جانب واشنطن غير أن تمرد بعض النواب إضافة إلى نواب الأحزاب المعارضة أدى إلى سقوط مذكرة الحكومة في البرلمان وكان هذا حدثا تاريخيا هزّ بقوة العلاقات بين البلدين. ومع أن أردوغان- وغول وقفا على مسافة واحدة من الفلسطينيين والإسرائيليين وحاولا التوسط بينهما غير أن التوتر ساد العلاقات بين تركيا وإسرائيل وصل إلى ذروته في حادثة أسطول الحرية عام 2010.في المحصلة واصلت العلاقات بين تركيا وأمريكا تحت مظلة مفتوحة على الشكوك المتبادلة.كان يمكن للعلاقات أن تتواصل كما كانت قبل العام 2002، لكن المتغير الأساسي أن حزب العدالة والتنمية كان يحمل لدى وصوله إلى السلطة مشروعا ورؤية إلى تركيا جديدة ومختلفة عن السابق، تركيا لها دورها الفاعل والمؤثر في كل الأقاليم التي تحيط بها.لكن تركيا حزب العدالة والتنمية استثارت في رؤيتها الجديدة التاريخ والماضي والنزعة القومية والمشاعر الدينية وكلها سابقة بقرون على ظهور الولايات المتحدة بل حتى على اكتشاف أمريكا من قبل كريستوف كولومبوس. وعملت تركيا في الوقت نفسه على الاستفادة من علاقاتها بالمنظومات التي تنتمي إليها من حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. هذه التركيا التي نما اقتصادها كثيرا وتقدمت إلى مصاف الاقتصادات السريعة التطور، لم تعد لقمة سائغة في الفم الأمريكي ولا الأوروبي، لذا كان لدى القيادة التركية الجرأة لكي تعترض هنا وتوافق هناك بل تعمل أحيانا على خطوط إفشال السياسات الأمريكية في أكثر من قضية.من هنا عندما طلب بايدن من أردوغان أن يفتح قاعدة اينجيرليك أمام الطائرات الأمريكية لضرب تنظيم "داعش" في سوريا والعراق اشترط عليه أردوغان إقامة منطقة عازلة داخل سوريا والعمل على إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد وليس فقط محاربة داعش.بات لدى أنقرة "أجندا" خاصة بها قد تلتقي أو تفترق عن واشنطن، غير أن هذا الشعور بإمكانية "ابتزاز" الإدارة الأمريكية إلى ما لا نهاية يحمل، في ظل توتر علاقات تركيا مع معظم دول المنطقة، مخاطر كبيرة خصوصا أن الخاصرة التركية رخوة في أكثر من قضية ومشكلة.
337
| 29 نوفمبر 2014
آخر زيارة لرئيس حكومة تركي إلى بغداد كانت في نهاية العام 2011.. أي يكون مر عليها حتى الآن ثلاث سنوات كاملة. لم يكن هذا ما اعتادته الدبلوماسية التركية منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في العام 2002 حيث اتبعت سياسة القوة الناعمة وقامت بأدوار الوساطة وانتهجت سياسة "صفر مشكلات"، وكل هذا كان يتطلب دبلوماسية نشطة وحيوية وفاعلة وأفكارا خلاقة.غير أن تطورات "الربيع العربي" التي بدأت نهاية العام 2010 فرضت متغيرات لم تكن بالحسبان وتداخلت عوامل كثيرة حوّلت المنطقة العربية إلى بركان متفجر ومرجل يغلي فاضطربت الأوضاع في كثير من البلدان العربية.. ومن لم تصلها نيران الحريق العربي وقعت تحت ضغوط شديدة.وإذا كانت سوريا المثال الأبرز والأول على اختلاط العوامل واضطراب الأوضاع وتلقائيا الامتحان الأول والأصعب أمام تركيا فإن العراق مثل النموذج الثاني الذي أصاب السياسة الخارجية التركية.فالسياسات التي اتبعتها حكومة نوري المالكي في دعم النظام السوري أثارت استياء أنقرة، كما أن محاولات أنقرة أن تكون جزءا من التوازنات الداخلية العراقية ولاسيَّما دعم الفريق المعارض لحكومة المالكي كما في إقامة علاقات مع إقليم كردستان بمعزل عن الحكومة المركزية في بغداد خصوصا في ما يتعلق بملف النفط، كانت من أبرز العوامل التي أفضت إلى توتر العلاقات بين بغداد وأنقرة.وانطلاقا من المثل القائل "رب ضارة نافعة" فقد شكلت غزوة داعش للعراق في شهر يونيو الماضي بداية تحولات في المشهد الميداني ترك لاحقا آثارا على التوازنات والتحالفات الإقليمية.ومن أبرز نتائج سيطرة "داعش" على مناطق واسعة في العراق سقوط حكومة نوري المالكي وتكليف حيدر العبادي بتشكيل حكومة جديدة كانت الدول الخليجية ولاسيَّما السعودية من أبرز المرحبين بها.ولم تتأخر تركيا عن اللحاق بركب المرحبين إذ اعتبرت أن سقوط المالكي هو طي لصفحة سلبية معها.. ومع تشكيل الحكومة العراقية الجديدة تولى إبراهيم الجعفري وزارة الخارجية، وكانت من أوائل زياراته إلى الخارج، إلى تركيا نفسها، فاتحا بذلك صفحة جديدة من العلاقات مع أنقرة.ولم تنقض أيام على هذه الزيارة حتى أعلن عن زيارة سيقوم بها رئيس الحكومة التركية الجديد أحمد داود أوغلو إلى بغداد فأربيل وقد حصلت فعلا يومي 20 و21 نوفمبر الجاري.وهذه الزيارة لا شك تطوي مبدئيا صفحة قاتمة من تاريخ العلاقات بين البلدين وتفترض أن تعيد من جديد بناء ثقة تهاوت خلال الأعوام القليلة الماضية.ولعل من أهم العوامل المساعدة على تحقيق الزيارة الاتفاق النفطي بين بغداد وأربيل وبالتالي توضيح طبيعة التعامل مع أي طرف ثالث ولاسيَّما أنقرة في ما خص الملف النفطي.غير أن الأهم برأيي هنا أن الواقعية تغلبت على طريقة تعامل بغداد وأنقرة مع بعضهما البعض.. فبغداد بعد "هزة داعش" باتت تشعر بالحاجة إلى اتباع سياسات داخلية جديدة تجاه كل مكونات الشعب العراقي تفضي إلى المزيد من التصالح واللحمة الداخلية وهذا ينعكس بالضرورة على العلاقة مع دول جارة.. إذ أن العوامل الداخلية تتداخل مع التأثيرات الخارجية.ومع ذلك، فإن مجرد زيارة داود أوغلو إلى بغداد ومن ثم إلى أربيل لا يعني بالضرورة انفراجا تلقائيا في العلاقات.. فالملفات المحلية والإقليمية مثقلة بالتعقيدات وبالشكوك المتبادلة.. كما أن الظروف غير مفتوحة على أفق حلول قريبة خصوصا مع إعلان أكثر من طرف على أن المعركة في المنطقة طويلة المدى وفي ظل استمرار تأجج اللهب على الجبهتين السورية والعراقية.. وإذا كان العراق ساحة للتقاتل والتنافس الإقليمي والدولي فإن تركيا هي من اللاعبين الذين يقومون بأدوار معينة تزيد أو تخفض من التوتر هنا وهناك وتتصرف وفقا لمصالح تركية يؤمل أن تأخذ في الاعتبار أن للآخرين أيضا مصالح وهواجس مشروعة.
798
| 22 نوفمبر 2014
قبل أسبوع التقى في القاهرة رؤساء مصر واليونان وجمهورية قبرص، التي يختصرها القسم الجنوبي اليوناني من الجزيرة والمعترف به على أنه الممثل الشرعي الوحيد لكل الجزيرة.نورد هذا التعريف لموقع قبرص القانوني نظرا لارتباطه بمجريات التطورات المتصلة بمنطقة شرق المتوسط والعلاقات بين هذه الدول وتركيا.لكل من هذه الدول الثلاث مشكلات مع تركيا..مصر هي آخر الدول الثلاث التي دخلت في علاقات توتر مع تركيا، وفي العصر الحديث خلال القرن العشرين ولاسيَّما بعد الحرب العالمية الثانية. كانت علاقات مصر ولاسيَّما خلال فترة جمال عبدالناصر في غاية التوتر مع أنقرة التي كانت عضوا فاعلا في الأحلاف الغربية التي أنشئت في المنطقة لمواجهة حركات التحرر الوطني ووقف تقدم المد القومي العربي. وكان دور تركيا سلبيا جدا. ومع بدء "الربيع العربي" كانت تركيا من أوائل الدول وعلى لسان رئيس الحكومة حينها رجب طيب أردوغان التي دعت إلى تنحي الرئيس المصري حسني مبارك. غير أن التوتر الأبرز والأخطر جاء بعد الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين بعد 30 يونيو ومن ثم انتخاب عبدالفتاح السيسي رئيسا جديدا لمصر بعد اعتقال الرئيس محمد مرسي. وقد رفضت تركيا الاعتراف بشرعية الرئيس الجديد معتبرة أنه جاء بانقلاب عسكري ولم يوفر أردوغان منبر الأمم المتحدة الشهر الماضي لكي يشن حملة شعواء على السيسي، بل إن الحملات على السيسي في الداخل التركي من قبل الصحف المؤيدة لحزب العدالة والتنمية عكست التطورات في مصر كما لو أنها شأن داخلي تركي. ووصلت بذلك العلاقات بين أنقرة والقاهرة إلى مستوى من السوء لم تعرفه من قبل في أي مرحلة.أما العلاقة بين تركيا واليونان فهي علاقات يختلط فيها العداء التاريخي بالديني بالقومي وبالتنازع على الجغرافيا برا وبحرا وجوا. وهي نموذج لعلاقات مخضبة بالدم منذ الاحتلال العثماني لليونان وصولا إلى الخلافات اليوم على عدد كبير من العناوين. ومع أن العلاقات شهدت انفراجات في عهد حزب العدالة والتنمية غير أنها لم تعرف تقدما نوعيا في أي من الموضوعات الخلافية الأساسية بين الطرفين.وفي حالة قبرص فقد باتت امتدادا للصراع التركي- اليوناني حيث تنازعت الغالبية اليونانية في الجزيرة مع الأقلية التركية وانتهى الأمر إلى احتلال تركيا للجزء التركي في العام 1974 في عهد حكومة بولنت اجاويد ونجم الدين أربكان، أي في عهد رمزي العلمانية والإسلام في تركيا ما يعكس توجها قوميا تركيا واحدا وموحدا في الموقف من التطورات في قبرص. ومنذ ذلك الحين والجزيرة مقسمة لكن العالم والأمم المتحدة لا يعترفون بالقسم الشمالي على أنه جمهورية مستقلة (لا تعترف بها سوى تركيا). ومن هنا فإن النزاع على الواقع القانوني للجزيرة هو الخلاف الأبرز بين أثينا وأنقرة.غير أن بدء اكتشاف كميات ضخمة من الغاز في شرق المتوسط في الحدود المائية لكل من قبرص واليونان وإسرائيل وسوريا ولبنان نقل العلاقات والتوازنات بين هذه الدول والقوى إلى مرحلة جديدة من التعاون والتنافس في الوقت نفسه. وإذا كان أبرز خلاف هنا هو بين إسرائيل ولبنان حول المناطق المتجاورة بينهما في البحر، فإن الخلاف الأكثر قابلية للاشتعال هو مضي قبرص اليونانية في التنقيب عن النفط والغاز في كامل الحدود البحرية للمياه القبرصية بما في ذلك المياه التابعة للقسم الشمالي التركي في الجزيرة وهو ما اعترضت عليه تركيا معتبرة أن السيادة القبرصية الجنوبية تخص فقط القسم الجنوبي وليس الشمالي ونجحت تركيا في منع قبرص اليونانية من المس بالحدود الإقليمية البحرية لقبرص التركية. وهنا بدأت أزمة عنوانها السيادة ولكن مضمونها الصراع على النفوذ في شرق المتوسط بين كل من اليونان وقبرص وإسرائيل من جهة وتركيا من جهة أخرى خصوصا بعدما وقعت قبرص كما اليونان اتفاقيات مع إسرائيل عسكرية ونفطية تقضي بحماية عسكرية وأمنية إسرائيلية لحقول النفط القبرصية المكتشفة وهو ما يعني تصدي البحرية الإسرائيلية لأي محاولة تركيا لمنع قبرص اليونانية من التنقيب عن النفط والغاز.الجديد اليوم هو انضمام مصر لهذا التحالف من خلال مؤتمر القمة الذي عقد الأسبوع الفائت بين مصر واليونان وقبرص اليونانية على مستوى رئاسي وهو ما له دلالاته والذي انتقد تركيا على تدخلاتها في الشأن القبرصي. ينقل هذا التحالف الجديد بين الدول الثلاث، برأينا، الصراع مع تركيا إلى مستوى جديد ينذر بمرحلة جديدة صعبة على تركيا التي يتناقص أصدقاؤها وحلفاؤها في شرق المتوسط والمنطقة ككل، ناهيك عن التوتر المفتوح مع واشنطن بشأن عين العرب/كوباني. وهو ما يوجب على حكومة أحمد داود أوغلو والرئيس التركي أيضاً أن يعيدوا النظر في العديد من جوانب سياستهم الخارجية التي تمضي نحو عزلة شبه كاملة ترضي عدوا لكنها لا تسر صديقا.
1236
| 15 نوفمبر 2014
أعرب العديد من نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا عن مخاوفهم من التطورات السلبية التي تجري في جنوب شرق تركيا أي في المناطق التي تقطنها غالبية كردية.يقول هؤلاء في المؤتمر التشاوري للحزب الذي انعقد على مدى أيام في أنقرة أن كل واحد هناك يسعى للتسلح، وسعر القطعة من السلاح(الكلاشينكوف مثلا) ارتفع من 250 دولارا إلى ألفين وخمسمائة دولار. ولعل أبلغ ما ورد على لسان النواب تحذيرهم أعضاء الحزب المشاركين في المؤتمر من أن يتسرب هذا الكلام إلى وسائل الإعلام والتمني الشديد على أن يبقى داخل المؤتمر.قبل ذلك ورد على لسان أحد الوزراء من حكومة حزب العدالة والتنمية أن الحكومة كانت تعرف أن المقاتلين التابعين لحزب العمال الكردستاني لم ينسحبوا من داخل تركيا إلى شمال العراق إلا بنسبة قليلة جدا، وخلافا لما كان يجب أن يتم.تطرح هذه الإشكاليات شكوكا ومخاوف وأسئلة حول مسار ما يسمى بـ "عملية الحل" للمسألة الكردية في تركيا والذي بدأ منذ سنتين بالضبط مع بدء مفاوضات مباشرة بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني عبر زعيمه المعتقل في السجن في تركيا عبدالله أوجالان.منذ سنتين وعملية الحل تشهد إيجابية وحيدة وهي وقف النار وتلافي سقوط قتلى من الجانبين، غير أن هذه العملية تأخرت كثيرا في الوصول إلى نتائج عملية والبدء بالعد العكسي لمشكلة مزمنة عمرها على الأقل تسعون عاما أي من عمر الجمهورية التي تأسست عام 1923 على قاعد إنكار الهوية الكردية ولا تزال هذه الذهنية قائمة إلى حد كبير.تخشى النخب التي توالت على الحكم في تركيا سواء بشقها العلماني أو الإسلامي، كسر جدار إنكار الهوية الكردية ووجود 12 مليون كردي لهم الحق في لغتهم ومطبعتهم ومدرستهم وجامعتهم وتقرير مصيرهم بأنفسهم ولو في الحد الأدنى المتمثل في الحكم الذاتي. ولقد أغدقت أنقرة الوعود الكثيرة منذ الثمانينيات ولكنها لم تترجم هذه الوعود في خطة عملية وتطبيقية.الوقت لا يعمل لصالح أنقرة، وما كان يمكن أن يكون مقبولا في السابق ربما ما عاد ممكنا القبول به الآن، ويسري ذلك تحديدا على الشق الخارجي من المسألة قبل أن ينطبق على الظروف الداخلية في تركيا، ذلك أن جانبا أساسيا من ظهور المشكلة الكردية في تركيا متصل ببعد خارجي يؤثر سلبا أو إيجابا على مسار المشكلة في الداخل.وإذا كان ظهور فيدرالية كردية في شمال العراق أقرب إلى دولة مستقلة منها إلى فيدرالية تابعة للجمهورية العراقية هو الحدث الأبرز والذي عقّد مسارات حل المشكلة في تركيا، على قاعدة أن الفيدرالية الكردية في العراق تحولت إلى نموذج يتطلع إليه أكراد تركيا ولو بعد حين، فإن تطورات الحرب في سوريا والعراق وظهور تنظيم "داعش" وتمدده في العراق أولا ومن ثم ظهور معركة عين العرب"كوباني" قد عقّدت أكثر احتمال الوصول إلى حل للمشكلة الكردية في تركيا.إذ إن محاولة "داعش" احتلال اربيل والمنطقة الكردية في شمال العراق قد وطد اللحمة القومية بين أكراد العراق وتركيا حيث شارك مقاتلو حزب العمال الكردستاني بفعالية في الدفاع عن أربيل وبرز الحزب على أنه قوة تحررية من جهة وله دور مؤثر خارج الأراضي التركية من جهة ثانية وهو ما يثير حساسية أنقرة ويزيد من مخاوفها من منح أي صيغة لحكم ذاتي لأكرادها في ظل قيادة كردية لا تعرف طموحاتها سقفا.أما مسألة عين العرب"كوباني" فقد أضافت تعقيدا آخر اسمه الحماية أو الوصاية الأمريكية على المسألة الكردية في سوريا وتركيا. إذ إن رفض تركيا مساعدة أكراد كوباني وإصرار واشنطن على الدعم خلافا لإرادة تركيا، أوقع الورقة الكردية في سوريا، كما في تركيا نظرا لأن المدافعين عن كوباني هم في خندق واحد مع حزب العمال الكردستاني، بيد الولايات المتحدة الأمريكية في وقت كان يمكن لتركيا أن تكون السباقة والمبادرة ومن دون ضغوط داخلية ولا خارجية إلى التعامل مع شريحة واسعة من شعوبها بعين الحق والعدل والمساواة ويكونون حماة أشداء لوحدة تركيا وركيزة لمضاعفة تأثيرها الإقليمي والدولي. لكن هذا لم يحصل، ولا غرو أن يشعر الأكراد بالإحباط فيزيدوا من تسلحهم حتى على المستوى الشعبي وليس الحزبي فقط، ولتظهر بالتالي صرخة نواب حزب العدالة والتنمية المحذرة من واقع خطير لا يمكن تجاوزه ومنع انفجاره سوى بالتخلي عن ذهنيات مزمنة والإقدام بشجاعة على ولوج الحل من بابه السليم وهو الاعتراف بالهوية الكردية كاملة وبناء دولة حداثة على قاعدة صلبة من الحريات والديمقراطية، وخلاف ذلك فإن سكين التقسيم والتفتيت تمعن في الجسم العربي والإسلامي على امتداد الجغرافيا الإسلامية وليس من قوة قادرة على إيقافها أقله حتى الآن.
721
| 08 نوفمبر 2014
في حوار مع البي بي سي البريطانية اعتبر رئيس الحكومة التركية أحمد داود أوغلو أن هناك ثلاثة أعداء لتركيا هم تنظيم "داعش" والنظام في سوريا وحزب العمال الكردستاني.ورأى داود أوغلو أن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا الذي يدافع مقاتلوه عن مدينة عين العرب (كوباني) تعاون مع النظام السوري في الحرب ضد الشعب وتعايش مع تنظيم داعش وبالتالي من غير المفهوم أن يطلب من تركيا مساعدته ضد داعش فالاثنان أعداء لتركيا.موقف داود أوغلو هذا كان قد حسمه رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان عندما اعتبر حزب الاتحاد الديمقراطي بأنه إرهابي مثله مثل حزب العمال الكردستاني.في إطار هذه النظرة فإن تركيا لا تجد نفسها معنية بالحرب الدائرة في كوباني إلا من زاوية عدم امتدادها إلى تركيا.غير أن أنقرة وجدت نفسها في وضع في غاية الحرج والارتباك سواء في السلوك العملي تجاه كوباني أو لجهة علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية.مشهد قوات البشمركة الكردية التابعة لحكومة إقليم كردستان العراق وهم يعبرون الأراضي التركية ليدخلوا بعدها إلى كوباني كان سورياليا بكل المقاييس.قوات كردية تعبر تركيا لتساعد أعداء تركيا.وهذه القوات في النهاية، أي البشمركة، ليست حليفة لتركيا بل هي بمعنى ما عدوة أيضا.. فتركيا رفضت طلب المساعدة من إقليم كردستان للدفاع عن أربيل ضد "داعش" في الصيف الماضي. وحزب الاتحاد الديمقراطي السوري هو جزء من التحالف الكردي الذي وقع في دهوك وعرف باتفاقية دهوك في الأسبوع الماضي.كانت تركيا ولاسيما أردوغان يردد عبارة أثيرة على قلبه وهي أن تركيا لا يجب أن تجلس على مقاعد المتفرجين بل أن تكون لاعبا على أرض الملعب، وهو ما حاولت أن تفعله مع بدء الأزمة في سوريا وفي دول ما يسمى بـ "الربيع العربي" ولاسيما في مصر، غير أن نتائج هذه الانخراط المباشر في الأحداث انقلب وبالا على تركيا فعجزت عن تحقيق أهدافها في سوريا والعراق وشهدت أسوأ خساراتها في مصر بعد الإطاحة بالإخوان المسلمين هناك وتوترت علاقاتها إلى حد القطيعة مع دول الخليج باستثناء قطر.وبعد انفجار ظاهرة "داعش" وغزوها العراق وتبدل موازين القوى رأسا على عقب عادت السياسة الخارجية التركية لتحرك عجلتها خصوصا بعدما بادر "داعش" للهجوم على المناطق الكردية في شمال سوريا وفي منطقة كوباني بالتحديد فنال من كل القرى الكردية هناك وحاصر مدينة كوباني وكاد يسقطها نهائيا.وهنا حدثت المفاجأة التي لم يحسب لها الأتراك حسابا وهي تدخل واشنطن واعتبار كوباني خطا أحمر يجب ألا يسقط وإن كان ذلك دونه صعوبات ميدانية كثيرة يتوجب تجاوزها.هنا كانت التطورات تأخذ منحى جديدا على خط أنقرة - واشنطن.بدا الكباش السياسي بين الطرفين كما لو أنه صراع إرادات، تركيا مصرة على عدم فتح باب المساعدة لكوباني وتركها لمصيرها المحتوم وهو السقوط لأنها محاصرة من ثلاث جهات من "داعش" فيما الجهة الرابعة مع تركيا مغلقة بشكل كامل فمن أين لكوباني أن تنقذ من نهايتها المحتومة؟لكن كان لواشنطن رأي آخر وهو إرسال المساعدات العسكرية من الجو وهو ما حصل، ولم يكن أمام تركيا لتفعل أي شيء فالتحرك العسكري الأمريكي كان فوق أراض غير تركية.. لكن واشنطن المنزعجة جدا من عدم انضمام تركيا إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب ومن النتائج الكارثية لسقوط كوباني على الاستقرار في المنطقة ولاسيما العلاقة بين الأكراد في كل المنطقة وبين تركيا لم تستسغ الموقف التركي السلبي وكان الضغط غير المسبوق لكي تفتح تركيا على أراضيها ممرا لمرور قوات كردية من شمال العراق إلى كوباني، وهو ما حدث فعلا.وبمعزل عن عدد هذه القوات ومدى قدرتها على تغيير موازين القوى العسكرية في كوباني فإن دلالات التطورات المتصلة بكوباني كانت كبيرة جدا، وإذا كانت إدارة الرئيس باراك أوباما قد حققت انتصارا ميدانيا ودبلوماسيا وسياسيا فيما يتصل بكوباني، فإن الأمر يحتاج إلى أكثر من مراجعة للسياسات التي تتبعها أنقرة سواء تجاه الأكراد أو في علاقاتها مع واشنطن، إذ أظهرت أحداث كوباني أن اللاعب التركي لا يزال على مقاعد الاحتياط في انتظار أن يتيح له المدرب (الأمريكي) الفرصة للمشاركة في اللعبة.
793
| 01 نوفمبر 2014
تدخل المنطقة العربية والشرق أوسطية في مرحلة جديدة من الفوضى العارمة. لم يسبق للمنطقة المقدسة وقلب العالم أن عرف مثل هذا الاضطراب الكبير. نسوق هذا الكلام بعدما دخلت على الخط منظمة أقامت "دولة" وتحدّت كل الدول الإقليمية والدولية، هي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام المعروفة اختصارا باسم "داعش"، وبعدما تشكل في جدة تحالف دولي ضد الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. قبل أعوام لم يكن يتوقع أحد أن يدخل لاعب جديد بقوة على ساحة الشرق الأوسط وهو اللاعب الكردي، وقبل سنة فقط لم يكن أحد يتوقع أن يظهر تنظيم بهذه القوة يعصف بالحدود ويطيح بالجيوش وهو مجرد تنظيم لا دولة ولا تحالف بين دول، ليتحول إلى اللاعب الإقليمي الثاني بعد الأكراد. لاعبان جديدان ما كان لأحد أن يتخيل أنهما الآن هما محور الصراع الإقليمي والدولي ومركز الحراك العسكري والمناورات السياسية والأمنية بين الدول. غزا "داعش" وسيطر على أكثر من محافظة مهددا حتى العاصمة بغداد. وكاد يتمدد حتى الحدود السعودية والكويتية وصولا من الجهة الأخرى الشمالية إلى أبواب أربيل. وفي المقلب السوري كان "داعش" يفاجئ الجميع عندما خرج من قمقم الضربات الجوية التي شنها التحالف ليوجه جحافله إلى كانتون عين العرب/كوباني في المنطقة الوسطى الشمالية على الحدود مع تركيا ويحتل عشرات القرى الكردية وصولا إلى محاصرة ومن ثم اقتحام مدينة كوباني حيث لا تزال المعارك كرا وفرا بين مقاتلي داعش ومقاتلي حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي المؤيد لحزب العمال الكردستاني في تركيا. منذ تشكيل التحالف الدولي ضد الإرهاب أعلنت واشنطن أن العمليات ستقتصر على الضربات الجوية ولن تكون برية. من الواضح أن هذا لن يحسم المعارك ولن يؤدي إلى هزيمة داعش، بالطبع لا تقف القوى المؤثرة في المنطقة متفرجة على مجرد غارات جوية، وكل منها يلعب لعبته وفقا لقدرته وتكتيكاته وهامش المناورة أمامه. غير أن ما ظهر حتى الآن هو أن واشنطن تمارس اللعبة الأكثر ذكاء لجهة مصالحها ولجهة رسم حدود نفوذ جديدة للدول والقوى والتنظيمات على حد سواء. ولقد كان الخط الممتد من أربيل إلى كوباني مرتكز اللعبة الأمريكية الجديدة. الأكراد الذين لم يكن لهم إلى الأمس القريب حتى مجرد كيان باتوا الحصان الأسود والوحيد والمركزي الذي يعتمد عليه الأمريكيون ويسيّرونه أمام عربة مصالحهم. دفع الأمريكيون قوات إقليم كردستان العراق المعروفين بالبشمركة ليكونوا أبطال التصدي الأول لداعش. دفعوا الخطر عن اربيل وتقدموا لتحرير سد الموصل ومن ثم معبر ربيعة إلى سوريا. بدا الأكراد على أنهم القوة الوحيدة التي استطاعت أن تهزم داعش ويمكن لها أن تهزمها لاحقا. ونجحت واشنطن في تثبيت هذه الصورة عن مقاتلين لم يكونوا يملكون سوى بعض الأسلحة الفردية والمتوسطة!. ومن كوباني بالذات استكملت الولايات المتحدة لعبتها الجديدة. وقف الرئيس الأميركي باراك أوباك متحديا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس حكومته أحمد داود أوغلو معلنا أنه يجب دعم المدافعين الأكراد عنها بالسلاح وقائلا إنهم ليسوا إرهابيين وذلك بعد يوم واحد فقط من وصف أردوغان لهم بالإرهابيين. بل أكثر من ذلك أرغم أوباما تركيا على فتح ممر لمساعدة كوباني بالمقاتلين. وأكثر من ذلك فإن هؤلاء المقاتلين سيكونون من البشمركة تحديدا. وبذلك يكرس أوباما معادلتين: الأولى أن تركيا لا يمكن لها أن تعترض إلى ما لانهاية على القرارات الأمريكية وهذه تعتبر ضربة لكل الطروحات التركية تجاه المسألة الكردية ويفتح أمام مرحلة جديدة من التواصل بين واشنطن وحزب العمال الكردستاني تحديدا الأخ الأكبر لمقاتلي كوباني من الأكراد. أما المعادلة الثانية فهو تثبيت واشنطن للمرة الثانية بعد أربيل، قاعدة أن القوات البرية التي ستعتمدها في الحرب ضد داعش هي البشمركة تحديدا. وكما جلس الثنائي البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج بيكو ذات يوم من العام 1916 ورسما خرائط المنطقة وحدودها هاهو باراك أوباما يرسم الخرائط الجديدة للمنطقة مثبتا اللاعب الكردي دولة جديدة على امتداد العراق وسوريا حتى اليوم وتركيا غدا، في انتظار ظهور معالم الدولة الجديدة الثانية التي قد تكون دولة داعش ولو بتسميات أخرى. وحبل الدول الجديدة على الجرار من العراق وسوريا إلى ليبيا واليمن وكل أرض العرب والمسلمين الذين يعيشون أسوأ أيامهم منذ أن عدّوا "خير أمة أخرجت للناس"!.
769
| 25 أكتوبر 2014
تفرض الأحداث في كوباني /عين العرب، وحصار "داعش" لها والعمل على إسقاطها، نفسها بندا أول في جدول الاهتمامات والانشغالات التركية في المرحلة الحالية وإلى وقت طويل.وتضع هذه التطورات من جديد ملف العلاقة التركية مع الأكراد في الداخل وفي سوريا والمنطقة عموما على طاولة البحث الجدي بعدما كثرت علامات التصدع في مسار هذه العلاقة والذي فتح على احتمالات مختلفة.ولا شك أن المسار الذي تتخذه العلاقة بين تركيا والأكراد بسبب أحداث كوباني ترك حفرا عميقا وندوبا ليس من السهولة إزالتها.فأكراد سوريا يشعرون أنهم ضحايا لمؤامرة تستهدف وجودهم من جانب داعش ومن جانب تركيا، إذ إن الشروط التي طرحها مسؤولون أتراك على صالح مسلم رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا والذي يمثل غالبية الكتلة الكردية هناك والتي تخوض معركة كوباني لا تضع مجالا للشك في أن المقاربة التركية للمسألة الكردية لا تزال تقع في المربع الأول الذي كانت عليه قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة.ومن أبرز هذه الشروط التخلي عن فكرة الحكم الذاتي في المناطق الكردية في سوريا. وهو طلب غريب عموما، خصوصا أنه يطال شؤونا داخلية لدولة أخرى.ولكن الأهم والأخطر في الوقت نفسه أنه يطال كل النظرة التركية للقضية الكردية في كل منطقة الشرق الأوسط، فتركيا لم تسع في العام 2003 لدخول الحرب مع أمريكا ضد نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، إلا لأن حكومة عبد الله جول حينها وبرعاية مباشرة من رئيس حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان كانت تريد أن تكون شريكا في تقرير مصير العراق ومستقبله بعد الإطاحة بالرئيس العراقي الأسبق صدام حسين وفي أساس هذه الشراكة العمل على منع إقامة فيدرالية كردية في شمال العراق كانت تركيا ترى فيها تهديدا لوحدة تركيا على أساس أن أكراد تركيا سيتشجعون ويحاولون محاكاة التجربة العراقية في تركيا.غير أن الرياح لم تجر كما تشتهي سفن جول - أردوغان وسقطت مذكرة الحكومة في البرلمان، وانتهى مسار العملية السياسية هناك إلى إنشاء فيدرالية منصوص عليها في الدستور.لا تريد تركيا أن تكرر التجربة العراقية في أراضيها، ولكن الأحداث المستمرة في سوريا منذ ثلاث سنوات ونصف السنة فتحت بوجه تركيا بابا غير متوقع، تمثل باستغلال الأكراد السوريين للفوضى القائمة في البلاد لكي يسيطروا أولا عسكريا على معظم المناطق الكردية في شمال سوريا في مطلع صيف العام 2012 وثانيا لإعلان الحكم الذاتي في ثلاث كانتونات: عفرين في الغرب شمال حلب، والجزيرة في الشرق على الحدود السورية- العراقية، والكانتون الثالث في الوسط وهو كوباني، حيث تدور المعارك الطاحنة لإسقاط بلدة كوباني (بالكردية) أو عين العرب بالعربية. إعلان الحكم الذاتي داهم أنقرة، فعملت ليل نهار من أجل قطع دابر هذا التهديد الجديد لها، خصوصا أن بين أكراد سوريا وتركيا من علاقات القربى والتواصل ما ليس موجودا مع أكراد العراق.وتتأثر بالتالي تفاعليا التطورات الكبيرة والصغيرة التي يمكن أن تحصل على جانبي الحدود. ولم يتأخر الأكراد في محاولة حماية هويتهم في سوريا، خصوصا أن هذا الترابط بين أي نجاح أو خسارة لأكراد سوريا هو نجاح أو خسارة لأكراد تركيا.انكسرت علاقات أنقرة مع أكرادها مرة أولى عندما رفضت السماح لأكراد تركيا بمساعدة أشقائهم في كوباني.وانكسرت مرة ثانية عندما ساوى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بين "إرهاب داعش وإرهاب حزب العمال الكردستاني" وانكسرت مرة ثالثة عندما أطلقت قوات الشرطة والجيش التركي النار على المتظاهرين الأكراد في جنوب شرق تركيا فسقط ما لا يقل عن 41 قتيلا في حدث هو الأول منذ التسعينيات.عملية السلام مهددة فعلا وهي كما قال رئيس حزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين ديميرطاش تعرضت لتخريب كبير ولانكسار عميق في الثقة بين الجانبين. لكن هل يعني هذا أن حزب العمال الكردستاني سيلجأ إلى الخيار العسكري هذه المرة مع الدولة التركية بدلا من المفاوضات التي تدور في حلقة مفرغة؟من الصعب الجزم بما ستكون عليه طبيعة هذا المسار في المرحلة المقبلة، دمويا أو سلميا، إذ إن حسم التوجهات مرتبط بالتطورات الجارية في المنطقة. لكن أي خيار عسكري لن يخسّر الأكراد شيئا، فجعبتهم في الأساس خالية الوفاض وبعض الضحايا الإضافيين لن يؤثروا في واقعهم العدمي. غير أن تركيا ستكون المتضرر الأكبر، إذ ستعود إلى حالة الاستنفار العسكرية وما يعنيه ذلك من تهديد لموسم السياحة ومن عودة لنفوذ عسكري وأيضا ما سينتج عن ذلك من اضطراب داخلي وعدم استقرار أمني وسياسي واجتماعي. ولاشك أن مسؤولية عدم الوصول إلى نقطة الانفجار مسؤولية تركيا أولا وأخيرا.
1016
| 18 أكتوبر 2014
أحرقت عين العرب (كوباني) تركيا من قبل أن يدخل جندي تركي واحد إلى الأراضي السورية. التفرج على سقوط العاصمة الوسطى للأكراد السوريين من جانب تركيا ومن جانب الغرب وخصوصا الولايات المتحدة أمر مثير للخوف مما يرسم لمنطقة الشرق الأوسط ولتركيا بالذات من سيناريوهات ومؤامرات وخطط تجعل تركيا ايضا جزءا من المستنقع الشرق أوسطي الدامي.تقاعس الغرب وتقاعست تركيا عن نجدة كوباني وبالطبع لكل أسبابه التي لا تصب في مصلحة لا تركيا ولا سوريا ولا العراق ولا العرب ولا الأكراد ولا أي من مكونات هذه المنطقة التي ابتليت في السنوات الأخيرة بحروب أين منها حرب البسوس وحرب داحس والغبراء بل غزوات هولاكو وجنكيز خان وكل انكشاريات الغزاة الخارجيين.أولا: ليس من جديد القول إن تركيا مصابة منذ وقت طويل برهاب اسمه "الفوبيا الكردية".لقد تعرضت تركيا لأكثر من اشتباك مع سوريا خلال السنوات الأخيرة ومع ذلك لم تهدد بتدخل عسكري مباشر في سوريا إلا في تموز/يوليو 2014 عندما نجح مقاتلو حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي بزعامة صالح مسلم المؤيدون لحزب العمال الكردستاني بزعامة عبدالله أوجالان المعتقل في تركيا بالسيطرة على معظم المناطق الكردي في سوريا في مطلع صيف ذلك العام.وقبل ذلك كانت تركيا تعتبر أن أي ظهور لأي كيان كردي في شمال العراق سوف يكون سببا للحرب. وتعاملت مع زعماء الأكراد مثل جلال الطالباني ومسعود البرزاني على انهم مجرد زعماء عشائر.وفي الداخل التركي لم تنظر أنقرة منذ أكثر ثلاثة عقود إلى حزب العمال الكردستاني إلا على أنه مجرد تنظيم إرهابي انفصالي لا يمكن التعامل معه إلا بالعنف والقمع متجاهلة أنه يمثل الشريحة العظمى من أكراد تركيا وهو ما تؤكده نتائج الانتخابات البلدية والنيابية حيث كان يحصل المرشحون الموالون لأوجالان وإن بتسميات حزبية أخرى أو كمستقلين ما لا يقل عن ثلثي الأصوات وفي أسوأ الأحوال على أكثر من نصف الناخبين هناك.ولكن ما الذي جرى؟في العراق كانت النتيجة أن تركيا بقيت خارج المعادلة العراقية عندما لم تشارك بغزو العراق ونال الأكراد فدرالية أقرب في الممارسة العملية إلى أن تكون دولة مستقلة. وهذا بالطبع أجبر أنقرة بعد تردد إلى التعامل معها بواقعية. ولكن تأثيرات الفدرالية انتشر إلى سوريا وتركيا حيث كان إعلان أكراد سوريا الحكم الذاتي قبل أشهر انعكاسا مباشرا للتجربة الكردية في العراق. أما في تركيا فإن من بين مطالب الأكراد الرئيسية الحكم الذاتي والاعتراف بالهوية الكردية في الدستور والقوانين والتعلم باللغة الأم وما إلى ذلك. غير أن الحكومات التركية المتعاقبة من العسكريين والعلمانيين والاسلاميين رفضوا هذه المطالب لأنهم يتخوفون من تكرار التجربة العراقية علما أن عدد أكراد تركيا يعادل ضعف أكراد العراق على الأقل.وانطلاقا من هذه المقاربة التركية جاء صالح مسلم إلى تركيا قبل أيام وأبلغه مسؤولو الاستخبارات ان تركيا مستعدة لمنع سقوط كوباني إذا تخلوا عن إعلان الحكم الذاتي. وبالطبع رفض مسلم الشرط التركي لأن هذا يدخل في باب حق تقرير المصير للأكراد في سوريا التي ليست جزءا من تركيا. وكانت النتيجة ترك كوباني لمصيرها الآيل الى السقوط. لكن حتى قبل أن تسقط كوباني كان عشرات القتلى يسقطون في شوارع المدن التركية ولا سيما في المناطق الكردية احتجاجا على امكانية سقوط كوباني. ولم تتردد نائبة كردية في البرلمان التركي قبل ذلك من رشق الجنود الأتراك الحجارة على المنطقة المقابلة لمدينة كوباني في مشهد يختصر العلاقة المتوترة بين الأتراك والأكراد. تركيا تدفع ثمن "الفوبيا الكردية" التي تتملكها حتى قبل سقوط كوباني. وهو ثمن لن يتوقف هنا اذ الآمال التي علقت على عملية المفاوضات بين الدولة التركية وأوجالان لحل المشكلة الكردية قد تلقت ضربة قاضية قد يعقبها استئناف العمل المسلح من جانب الأكراد على قاعدة ان لا فائدة من تضييع الوقت مع حكومة أحمد داود اوغلو إذ أنه إذا كانت انقرة تعارض الحكم الذاتي لأكراد سوريا فكيف يمكن لها ان تقبل مثل هذا الحكم في الداخل التركي وبالتالي فإن المفاوضات محكومة بالفشل وهي عمليا باتت من الماضي.ثانيا: أما مسؤولية أمريكا تحديدا فهي أنها تلعب بالجميع من عرب وأتراك وأكراد. فالهم الأمريكي الأساسي لها ولإسرائيل هي الإمعان في إحداث أسباب الفرقة والفتنة بين مكونات هذا الشرق الأوسط ليواصلوا سيطرتهم على أمة متنازعة ومفككة يذبح فيها الأخ أخاه وتدمر المدن والقرى والبنى التحتية كرمى لأمن إسرائيل ومصالح شركات النفط والسلاح الغربية ولاحقا شركات إعادة الإعمار في عملية احتلال اقتصادية وسياسية وحتى عسكرية غير مسبوقة. ومن أجل ذلك لا بأس أن تسقط كوباني لينتقل الدم في سوريا والعراق واليمن ومصر وليبيا وتونس والجزائر والبحرين إلى تركيا. وبين الفوبيا الكردية غير المبررة لدى أنقرة وبين مؤامرات الغرب وإسرائيل تنزلق تركيا خطوة خطوة إلى المستنقع الدموي في الشرق الأوسط.
857
| 11 أكتوبر 2014
عندما يُسأل رئيس الحكومة التركية أحمد داود أوغلو عن سبب تغير سياسات تركيا إزاء العديد من القضايا الخارجية ولاسيَّما في الشرق الأوسط يجيب بأن تركيا لم تتغير بل الآخرون الذين تغيروا. في خطابه الأخير أمام المنتدى الاقتصادي الذي عقد في اسطنبول قبل أيام لم يجد داود أوغلو من بين ما تحدث عنه لإعطاء مثل على سياسة تركيا الخارجية الجيدة مع دول أخرى سوى تلك الاتفاقيات التي عقدها مع اليونان. ولم يقدم أمثلة أخرى مع دول أخرى، علما أن العلاقات مع اليونان رغم تحسنها تبقى الأكثر تجذرا في العداوة التاريخية والجغرافية والحضارية والمسألة القبرصية نموذج لها. نسوق هذا الكلام مع ما تصفه وسائل الإعلام الموالية لحزب العدالة والتنمية في تركيا من تغيير جذري في سياسة تركيا تجاه المنطقة ولاسيَّما سوريا والعراق. وهو كلام يأتي في مناسبة طلب الحكومة من البرلمان تفويضها إرسال قوات عسكرية إلى خارج تركيا في سوريا والعراق كما الموافقة على تمركز قوات أجنبية على الأراضي التركية. ومبعث التغيير هنا هو أن تركيا قررت للمرة الأولى أن تتدخل عسكريا في سوريا وربما العراق لمواجهة التهديدات المحيقة بها. وهذا ليس بموجب قرار دولي أو حتى بالتنسيق مع قوات التحالف الدولي ضد الإرهاب بل التدخل بمفردها. إذن، تركيا تنتقل من حيز الاعتماد على "القوة الناعمة" إلى استخدام "القوة الخشنة" أي السلاح والجيش والقوة لتغير أوضاع قائمة. أطلقت تركيا مصطلح القوة الناعمة في إطار سياسة "صفر مشكلات" التي اتبعتها بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في العام 2002. وكان الغزو الأمريكي للعراق التحدي الأول الذي واجه هذه السياسة. وطورت تركيا هذه الإستراتيجية لاحقا لتقيم علاقات عميقة مع معظم الدول الإقليمية المحيطة بها أو متوسطة البعد وجعلت أحد أهدافها إزالة الحدود بينها وبين جيرانها ليس من طريق القوة والغزو بل إزالة تأشيرات الدخول وإقامة مناطق تكامل اقتصادي. نجحت تركيا في ذلك على امتداد سنوات قليلة بين عامي 2003 و2010 وما عاد لتركيا من عدو في المنطقة بل كانت النموذج الذي يشار إليه في كيفية حل المشكلات عبر الدبلوماسية الناعمة. غير أن ما سمي بـ "الربيع العربي" كان نقطة تحول في هذه الإستراتيجية التي واجهت تحديات أهمها كيفية التوفيق بين الشعارات وبين احترام سيادة الدول الأخرى كما في الحفاظ على علاقات جيدة ومتوازنة بين متناقضين. ومع مرور الوقت وتغير مسارات الأحداث في الدول العربية المضطربة، وكما عصفت التدخلات الخارجية بأحلام الشعوب المنتفضة عصفت كذلك وأطاحت بكل العناوين التي رفعتها تركيا في المرحلة السابقة. فما عادت العلاقات التركية مع جيرانها إستراتيجية ولا في نقطة"صفر مشكلات" وتراجعت التجارة وسادت الحساسية والحدة في الخطاب السياسي. واكتمل طوق العلاقات المقطوعة أو المتوترة مع الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في مصر وتوتر العلاقات مع مصر ومعظم الدول الخليجية. لكن تطور الأوضاع في سوريا والعراق وظهور تنظيم"داعش" وتمدده فيهما، ومن ثم تشكل تحالف دولي ضد الإرهاب أفضى إلى تغير دراماتيكي في المقاربة التركية للأحداث. إذ إن ظهور العامل الكردي في مقاومة تنظيم داعش في شمال العراق استدعى ردا تركيا تمثل في السعي للتخلص من تحكم حزب العمال الكردستاني في المناطق الكردية في شمال سوريا. وإذا كان الأكراد يواجهون ضغوطا قاتلة من "داعش" فإن الأتراك لم ينتظروا نتائج هذه المعارك بل عمدوا إلى استصدار تفويض من البرلمان للتدخل العسكري في سوريا تحديدا وإقامة منطقة عازلة تحقق أكثر من هدف. وتعكس المعلومات أن تركيا ستمضي في إنشاء هذه المنطقة داخل سوريا حتى لو كان ذلك بمفردها ومن دون أي مشاركة من دول أخرى. لا شك أن هذا القرار بإنشاء منطقة عازلة بل التدخل العسكري لتغيير الوقائع على الأرض ليس بالنزهة السهلة بل له تداعياته ومخاطره التي لا يمكن التنبؤ بها منذ الآن خصوصا في منطقة مضطربة وهائجة. غير أن عنوان هذا التحول أن تركيا لم يعد ذلك البلد الذي يرفع شعار "القوة الناعمة" التي باتت من الماضي وهو ما يعني أن تركيا دخلت هذه المرة بالفعل في المستنقع الشرق أوسطي الذي كما دلت تجربة السنوات الأربع الماضية، لا يخرج أحد منه سالماً.
540
| 04 أكتوبر 2014
شنت طائرات التحالف الدولي ضد الإرهاب أولى غاراته داخل سوريا ضد مواقع لتنظيم "داعش" الهدف الأساسي من الحرب ضد الإرهاب.الغارات نفذتها طائرات الولايات المتحدة الأمريكية بمشاركة طائرات من دول عربية خليجية والأردن، ما أراده الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن يكون التحالف الدولي متشكلا من دول عربية وإسلامية سنية بالتحديد، كان الغائب الأكبر عنه هو تركيا الدولة الإسلامية السنية بل أيضاً الأطلسية.وهذا بدا غير مألوف رغم أن له سوابق عندما رفضت تركيا المشاركة في الحرب ضد العراق عام 2003 فبقيت وحدها خارج التحالف الدولي حينذاك.رفضت تركيا المشاركة الآن في الحرب ضد الإرهاب لأنها ترى أن إنهاء داعش لا يتم فقط بالغارات الجوية بل أيضاً من البر وهذا غير مطروح على جدول أعمال التحالف الدولي.وأيضا لأن تركيا ترى أن أي تحالف دولي لا يستهدف إسقاط النظام السوري لن ينهي "داعش" ولن يحقق الاستقرار.بدأت الغارات ولم تكن تركيا بين المشاركين فيها، ولكن التطورات المتسارعة ولاسيَّما إصدار مجلس الأمن الدولي قرارا آخر غير القرار 2170 لمكافحة إرهاب "داعش" ومنها معاقبة أي دولة تسمح بتجنيد مقاتلين وإرسالهم للالتحاق بداعش، أشعر تركيا أنها في موقع بات يضيق عليها خياراتها في ظل الاتهامات الأمريكية التي لم تتوقف بأنها تحولت إلى ممر لمقاتلي داعش في طريقهم إلى سوريا والعراق.تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أثناء وجوده في الأمم المتحدة حول إمكانية مشاركة تركيا في العمليات العسكرية في سوريا يعتبر نظريا على الأقل تحولا في الموقف التركي.إضافة إلى الحرج الذي تجد تركيا نفسها فيه فإن إطلاق سراح الرهائن الـ 49 الأتراك الذي كانت تحتجزهم "داعش" أزال سببا رئيسا في رفض تركيا المشاركة في التحالف الدولي.مع ذلك لا يبدو أن تركيا جدية في إعلانها المشاركة في الحرب ضد الإرهاب، فالأمر يتعدى مسألة الرهائن الـ 49 وهذا كررناه مرارا قبل إطلاق سراح الرهائن.الاشتباكات التي دارت بين تنظيم "داعش" وبين المقاتلين الأكراد في المنطقة الكردية في سوريا والتي يطلق عليها الأكراد تسمية روجافا واحتلال داعش لعشرات القرى الكردية ومحاصرتها عاصمة المنطقة أي مدينة تل العرب (كوباني باللغة الكردية) ربما يفسر جانبا مهما من عدم رغبة تركيا المشاركة الجدية في محاربة "داعش". إذ إن تركيا كانت تتوجس من نشوء كيان كردي في شمال سوريا منذ أكثر من سنتين عندما سيطر المقاتلون الأكراد التابعون لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا والموالون لحزب العمال الكردستاني على تلك المنطقة في يوليو 2012 وهو ما استدعى أن تعلن تركيا أنها قد تكون مستعدة للتدخل العسكري هناك لمنع نشوء ما يمنع واقع كردي يسيطر عليه حزب العمال الكردستاني العدو اللدود لتركيا رغم وجود مفاوضات غير مباشرة معه لحل المشكلة الكردية.ترى تركيا أن الفرصة سانحة لاستئصال النزعة الانفصالية في سوريا لأن أي كيان كردي في سوريا سيكون تحت سيطرة حزب العمال الكردستاني وتركيا ليست قادرة قانونيا التحكم به كونه لا يقع داخل تركيا بخلاف ما هو الأمر مع المناطق الكردية في الداخل التركي.وهجمات "داعش" على روجافا تتقاطع مع هدف استراتيجي لتركيا في تلك المنطقة.ورغم أن العلاقات بين أنقرة وأربيل كانت ممتازة اقتصاديا وسياسيا غير أن الحرب ضد داعش أوجدت صدعا كبيرا في هذه العلاقات حيث تمنعت أنقرة عن نجدة أربيل حين كانت تتعرض لخطر "داعش" وهو ما عبر عنه صراحة المسؤولون الأكراد في أربيل.وفي ظل هذه اللوحة الكردية في العين التركية فإن أهم تطور نوعي حصل من جراء التطورات الأخيرة في العراق وسوريا والحراك الدولي هو انكسار خط العلاقة بين أنقرة من جهة وكل أكراد المنطقة في سوريا والعراق وتركيا من جهة أخرى وهو ما سينعكس سلبا على جهود حل المشكلة الكردية في تركيا وما قد يفتح على تداعيات أمنية قد تتمثل في استئناف حزب العمال الكردستاني عملياته العسكرية ضد الدولة التركية.والكل يذكر بالنتائج السلبية على بقاء تركيا خارج المعادلة العراقية بعد العام 2003، والمشهد اليوم لا يبدو أنه يختلف كثيرا عما كان عليه آنذاك إن لم تبادر تركيا إلى المشاركة ولو في الحد الأدنى من عمليات التحالف ضد الإرهاب حتى لا تقع في المخاطر والنتائج السابقة نفسها.
824
| 27 سبتمبر 2014
مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...
1443
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...
1284
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...
1098
| 21 مايو 2026
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...
1089
| 23 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...
1071
| 21 مايو 2026
تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية...
762
| 17 مايو 2026
أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...
705
| 20 مايو 2026
أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...
621
| 20 مايو 2026
خير استفتاح واستدلال لهذا المقال هو الحديث الشريف...
612
| 18 مايو 2026
تأتي مشاركة معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن...
576
| 17 مايو 2026
قد تكون الجغرافيا قدرًا ثابتًا، خاصةً لدول تكتسب...
573
| 17 مايو 2026
يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...
552
| 19 مايو 2026
مساحة إعلانية