رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

لماذا بات معرض الدوحة قبلة الناشرين؟

لم يعد معرض الدوحة للكتاب مجرد فعالية ثقافية تُقام كل عام، بل تحول في العقد الأخير إلى ما يشبه قبلة للناشرين العرب والعالميين، وملتقى سنوي يتجاوز الطابع التجاري إلى فضاء للتفاعل الفكري، والتلاقح الثقافي، والاستشراف الحضاري. ولعل هذا التحول لم يأتِ اعتباطاً، ولا من فراغ، بل هو ثمرة رؤية ثقافية متماسكة تتقاطع فيها السياسة الثقافية لدولة قطر مع دينامية المجتمع العربي في لحظة فارقة من تاريخه المعاصر. وما إن تُذكر كلمة الدوحة في الأوساط الثقافية حتى تُستحضر فوراً الورش والمؤتمرات وساحات النقاش المفتوح، وتوقيعات الكتب، والندوات التي تجمع بين المفكرين والأدباء والإعلاميين من شتى البقاع. السؤال إذًا: ما الذي ميز معرض الدوحة وجعله ظاهرة استثنائية في هذا الزمن المتخم بالاضطرابات؟ أولاً، لا يمكن فهم صعود المعرض من دون إدراك سياسة قطر الثقافية. فالدولة، تبنت رؤية واضحة مفادها أن الثقافة ليست ترفاً، بل مكوّن أصيل من مكونات قوتها الناعمة. فاستثمرت في البنية التحتية، وأنشأت مكتبة وطنية عصرية، ودعمت مؤسسات الترجمة والنشر، وساهمت في تشجيع القراءة عبر المبادرات المجتمعية. وفي هذا السياق، جاء معرض الدوحة للكتاب بوصفه ثمرة هذا التصور ورأس رمحه. ثانياً، تتميز النسخة القطرية من معارض الكتب بطابعها المهني من جهة، والانفتاحي من جهة أخرى. وهنا تكمن المفارقة: في الوقت الذي تتراجع فيه مساحات التعبير والنشر في كثير من الدول، نجد في الدوحة مساحة من الحرية المحسوبة تجعل من التنوع ميزة لا عبئاً، ومن الحوار ضرورة لا تهديداً. ثالثاً، لعب الحضور النوعي للزائرين والمشاركين دوراً مركزياً في جذب الناشرين. فالجمهور في الدوحة ليس جمهوراً استهلاكياً، بل جمهور نوعي وهذا ما يعكسه الإقبال الواسع على الكتب الفكرية والتاريخية والتراثية، وليس فقط على الروايات والكتب الخفيفة. رابعاً، يتميز المعرض بسلاسة تنظيمه ودقته. فالخدمات المقدمة للناشرين والزائرين متكاملة: من تسهيل الدخول والإقامة، إلى التغطية الإعلامية الاحترافية، إلى جدولة دقيقة للفعاليات. وهذه التفاصيل، وإن بدت إدارية بحتة، تشكل فارقاً نوعياً يدركه كل ناشر محترف سبق له المشاركة في معارض أخرى أقل تنظيماً. خامساً، لا يمكن إغفال دور الجغرافيا السياسية للدوحة. فبينما تشهد المشرق والمغرب العربيان اضطرابات أمنية واقتصادية، تبقى الدوحة بيئة مستقرة ومؤهلة لاستضافة الفعاليات الكبرى. كما أنها تشكل نقطة التقاء للشرق والغرب، للعرب وغير العرب، بما يجعلها مؤهلة للقيام بدور الملتقى الثقافي بامتياز. لكن اللافت في تجربة معرض الدوحة، أنه لم يسعَ فقط لجذب دور النشر التقليدية، بل بدأ يفتح أبوابه للناشرين الجدد، ومنصات النشر الإلكتروني، وتطبيقات الكتب الصوتية، وفرق الترجمة والتأليف الجماعي، بل وحتى المؤثرين الرقميين الذين باتوا جزءاً من مشهد القراءة في زمن ما بعد الورق. ومع كل دورة جديدة، لا تكتفي الدوحة بإعادة إنتاج النجاح السابق، بل تضيف إليه بُعداً جديداً: مرة في الشعار، ومرة في تكريم شخصيات عربية رائدة، ومرة في تخصيص جناح للطفل. وهذا ما يجعل من المعرض مناسبة لقراءة الذات الثقافية ومراجعتها، لا مجرد بازار للكتب. معرض الدوحة للكتاب هو أحد أبرز وجوه النهضة الثقافية الحديثة في الخليج والعالم العربي. وهو لا يمثل نجاحاً قطرياً فحسب، بل يشكل نموذجاً يُحتذى به لكل من يريد أن يُعيد للكتاب مكانته، وللمثقفين دورهم، وللأفكار وهجها.

504

| 15 مايو 2025

قراءة في نتاج أكاديمي لقلم نسوي قطري

يعد الكتاب إضافة قيمة للمكتبة الإسلامية خاصة وللدراسات الإنسانية عامة، حيث برعت المؤلفة في صياغة رؤية رشيدة لمعنى العمران وأيقظت المعاني المغيبة من سباتها في فهم العمران والعمارة في ضوء المنهجية القرآنية، وتأثيرها الإيجابي على المجتمع والحضارة. إنه في زمن الحروب والدم وطبول الخراب التي تدق بأيد ملطخة بدماء الأبرياء تشهر الأكاديمية د. مريم حسين علي محمد السادة سيفا في مواجهة الشر والخراب ودعوة إلى إحياء العمران والعمارة وفق دراسة موضوعية للقرآن الكريم (رسالة دكتوراة في الدراسات الإسلامية وقضايا المجتمع المعاصر) قدمت لجامعة محمد الخامس بالرباط ونوقشت في 9/2/2023 ونالت تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف وتوصية بالطبع). تتجلى قيمة البحث وأهميته في العديد من النواحي والتي من أهمها حسب ما ذكرته د. مريم: 1- الناحية الشرعية: ارتباط العمارة بالعمران المعنوي، وعدم انفكاكها عن الآخر؛ العمران المعنوي الذي ينتج من العقيدة السليمة، وأحكام الشريعة، والأخلاق الحميدة، هو الذي يؤدي إلى عمارة قوية تستمر عبر الزمان. الناحية العلمية: معظم الدراسات العلمية التي تطرقت إلى موضوع العمران والعمارة جاء منطلقها بشكل عام، في حين جاء منطلق هذا البحث حول التركيز على منهجية القرآن الكريم في العمران والعمارة دراسة تفسيرية موضوعية، والذي يتم من خلاله إظهار العلاقة بين عمران الوجدان وعمارة البنيان. الناحية الاجتماعية: يعد العمران محور العلاقة المتبادلة بين الإنسان وغيره من الناس؛ فهناك حاجة إلى التركيز على العمران الجماعي وإبراز وظيفته في النهوض بالمجتمع، والتمتع بحياة متوازنة يسودها التعاون، والأمن والأمان. الناحية الحضارية: يعتبرالعمران والعمارة الأساس الذي يقاس عليه مدى تطور الدول، وتقدم والعمارة وبين الحضارة حضارتها؛ فهناك ارتباط وثيق بين العمران الناحية الزمانية: يعتبر موضوع العمران والعمارة من الموضوعات التي يتزايد الاهتمام بها يوماً بعد يوم، لا سيما في المجتمع المعاصر؛ حيث إنها تخدم الماضي والحاضر والمستقبل، ولا يمكن إغفال الضرورة الملحة حول المحافظة على التراث المعماري الإسلامي في ضوء التحديات المعاصرة. الناحية الفنية تعتبر العمارة الإسلامية من خصائص الحضارة الإسلامية التي لها مميزاتها الخاصة، والتي ينبغي الخوض في معالمها وإبراز عناصرها، وتحديد ضوابطها. الناحية البيئية: الحاجة إلى الإبداع في التصميم المعماري ومراعاة الظروف البيئية، والمواقع الجغرافية وفق المنهجية القرآنية في العمارة والبناء. تذكر المؤلفة أن من أسباب اختيار البحث ذاتية موضوعية منها: أهمية الموضوع، والتأكيد على ارتباط العمارة بالعمران الوجداني. توضيح خصائص ومميزات العمران والعمارة في القرآن الكريم، وإبراز الجانب الإبداعي والجمالي فيهما. تحقيق مجتمع قادر على مواكبة التطورات العمرانية عبر مختلف العصور؛ وذلك من خلال تبع المنهجية القرآنية في العمران والعمارة، والتي تراعي الزمان والمكان، وكل ما يكفل مصالح الإنسان. محاولة إبراز علاقة العلوم الإنسانية وكيفية تغلغلها في مختلف العلوم الأخرى، والتي من أهمها العلوم الهندسية والتصدي للعوامل التي تعيق حركة العمران والعمارة من خلال دراسة عوائق العمران والعمارة التي وضحتها منهجية القرآن الكريم، والوقوف على مقومات العمران والعمارة في القرآن الكريم. الرغبة في اختيار موضوع يكون كالسلسلة التي تكمل الموضوع الذي يتم اختياره في مرحلة الماجستير والمتعلق بمنهجية القرآن الكريم في بناء أخلاق الإنسان، ولا تغفل في هذا السياق عن ارتباط الأخلاق بالعمران. من إيجابيات هذا الكتاب إبراز الجانب الإبداعي والجمالي للعمران والعمارة في القرآن الكريم وتميز منهجه في بيان مقومات العمران وتحدياته وحلوله وارتباط هذا المنهاج وشموله للعلوم الاجتماعية كما يقول د. علي القره داغي في مقدمته للكتاب في زمن الحروب والدماء التي تملأ الأرض، وفي وقت تدق فيه طبول الخراب بأيد ملطخة بدماء الأبرياء، تبرز د. مريم حسين علي محمد السادة كأمل يراعي سيفا في مواجهة الدم وتشجع على إحياء العمران والعمارة بوجه موضوعي وعميق للقرآن الكريم. وفي إطار هذا البحث المميز، تطرح د. السادة الأسئلة الشائكة: كيف يمكن للعمارة تعزيز العمران المعنوي؟ وما العلاقة بين عمران الوجدان وعمارة البنيان؟ وما دور العمران الداخلي في تقدم المجتمع وتحسين حياتهم؟ ومن خلال هذا البحث، تحاول الأكاديمية تسليط الضوء على الجوانب المتميزة للعمران والعمارة في القرآن الكريم، وكيف يمكن لها أن تكون عنصرا محوريا في تنمية المجتمع والحفاظ على التراث الإسلامي المعماري في ظل التحديات المعاصرة.

954

| 19 مايو 2024

اعترافات مشارك من ألمانيا في معرض الدوحة للكتاب

منذ أكثر من عقد ونصف وأنا شديد الحرص على مشاركتي في معرض الدوحة للكتاب وقد ودعت معرض الدوحة الدولي للكتاب الدورة ٣٢ | ١٢ - ٢١ يونيو ٢٠٢٣ منذ أيام عائدا إلى بلدي ألمانيا؛ ويأتي هذا المقال في سياق بوح مشارك من أوروبا في معرض للكتاب يقام في بلد عربي. أردت بكلماتي هذه مشاركة الآخرين ما لمسته في معرض الدوحة الدولي للكتاب من فخامة التنظيم وحسن التخطيط والرعاية، ورحابة صدر الدولة في التعامل مع عالم الأفكار، بالإضافة إلى حرية الفكر التي لم أجدها في بعض المعارض الأخرى. وفي كل عام أقول: يا قلبي كن متحفزا للانطلاق إلى دوحة الخير وذر الذين عليهم أن يتخلفوا، وكما يقول طاغور: إن البرعم يتوق إلى الليل والندى؛ غير أن الزهرة المتفتحة تنادي النور ليخلصها فحطم قيودك أيها القلب وانطلق. معرض الدوحة الدولي للكتاب بالنسبة لعشاق المعرفة كنور مصباح يضيء عتمة جو بات أسير الصور المرئية وليس النص المكتوب.. تأملت وجوه بعض من كان يزور المعرض وبدأت جملة من الأسئلة تحوم في رأسي.. من دعا هذه الجموع الغفيرة إلى أرض المعرض على الرغم من سطوة المرئي وحضوره ومنافسته؟ من وراء هذه النسوة وهؤلاء الرجال ومن الذي دفع بأم تمسك أطفالها ويقومون بزيارة لأرض المعارض وكأنهم في نزهة كانت هذه الاستعلامات المخفية تدق عقلي وإذا بجيوش كلمات العقاد تقتحم ذاكرتي عندما علل استفسارا لماذا يهوى القراءة فأجاب: وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيني، ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة. والقراءة دون غيرها هي التي تعطيني أكثر من حياة واحدة في مدى عمر الإنسان الواحد؛ لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق، وإن كانت لا تطيلها بمقادير الحساب … فكرتك أنت فكرة واحدة … شعورك أنت شعور واحد … خيالك أنت خيال فرد إذا قصرته عليك … ولكنك إذا لاقيت بفكرتك فكرة أخرى، أو لاقيت بشعورك شعورًا آخر، أو لاقيت بخيالك خيال غيرك … فليس قصارى الأمر أن الفكرة تصبح فكرتين أو أن الشعور يصبح شعورين، أو أن الخيال يصبح خيالين …كلا … وإنما تصبح الفكرة بهذا التلاقي مئات من الفكر في القوة والعمق والامتداد. نعم كل من يهوى القراءة هو من أصحاب الريادة والحس المرهف… ومن باب المصارحة في كل عام تفاجئنا بعزيمة الجهات المنظمة والمشرفة بمزيد من المحفزات التي تحث على ارتياد المعرض وحث التجاوب معه.. المعرض تبدو فيه همة واضحة من سعادة الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني وزير الثقافة وقد رأيته يجوب المعرض ويقف مع الناشرين ويتجول بصحبة السفراء ويبتسم ويسجل حضورا عفويا بعيدا عن أي تكلف لرجل مسؤول رفيع المستوى.. وكذلك لإدارة المعرض ممثلة بالأستاذ جاسم البوعينين الذي كان حريصا على تسهيل كل ما يدعم الناشرين بل كان يتابع أدق التفاصيل … لقد أبدعت دولة قطر في هذا المعرض حيث تجلى ذلك في فخامة تنظيم المعرض وتقديمه بشكل منسق وحضاري وجذاب، وكان ضيف الشرف لهذا العام المملكة العربية السعودية، كما تم خدمة التعريف بالكتاب والناشر وتقديم الكتب على أنواعها وأشكالها بطريقة جذابة وترتيبها بشكل واضح،مما جعل الزوار يستمتعون بتجربة ممتعة ومثيرة للاهتمام. لقد صوبت حكومة قطر بصرها إلى نور المعرفة وأخذتها بريق العلوم إلى نجومية متفردة حيث لفت انتباهي رحابة صدر الدولة تجاه الثقافات المختلفة والإعلام الحُر، حيث فسحت الكتب من جميع أنحاء العالم، بغض النظرعن الأصل الإثني، مما يشجع على التعاون والحوار الهادف والمفتوح بين المتحرين والقراء. بالإضافة إلى ذلك، فقد تم تقديم الكثير من الفعاليات الثقافية المتنوعة، مما يدعم النشاط الثقافي والإبداعي في البلد ويحسن تقديم الوجه الحضاري لقطر.. من الواضح أن مثل هذه الأحداث والفعاليات الثقافية تعزز الحرية الفكرية وتساهم في تعزيز التواصل والحوار بين الثقافات المختلفة في المجتمع. وقد شعرت أن هذا هو السبب في أن معرض الكتاب بالدوحة يعد أحد أفضل المعارض الثقافية في العالم. ● رئيسLM LehrcenterfürMenschenrechte G رئيس جمعية Damaszener Vein عضو في اللجنة العربية لحقوق الإنسان عضو في رابطة أدباء الشام بريطانيا. عضو سابقا في اتحاد الكتاب العرب بدمشق

1332

| 07 يوليو 2023

دور التراث في صناعة الحضارة

يخضع التراث لطرفين متناقضين ظاهريا؛ لكنهما يجتمعان على غاية واحدة تتجلى في تغريب واغتراب وهجرة الواقع والارتماء خارج الزمان والمكان. الطرف الأول يرى بوجوب شطب التراث، وطرف يرى أن التراث سوار يحيط بالعقل فيحبسه ويعزله، وينادي هذا بهضم ما عند الآخرين، فهو ينقلك من واقعك ومشاكله وخصوصيته وتراثه إلى تراث مغاير وواقع آخر مختلف في تكوينه تماما، كما يصر الطرف الثاني على حمل الواقع المرئي على المسطور المغيب في التراث، فيتجاوز الراهن وإشكالياته ليرميك في غربة واغتراب عن الواقع. وفي مقالنا هذا نستعرض وجهة نظر تنويرية حقيقية لرجل أكاديمي ينطلق من فكرة الانتقال من الاستنساخ الدقيق إلى الاستنتاج العميق، ولا يحنط التراث، ولا يقدسه، ولا يركله، فكنه التراث كما يراه غليون «ذاكرة تاريخية إشارة إلى امتدادنا، أو بالأحرى عمقنا التاريخي على مستوى الرموز والمعاني، تماما كما تمثل جذور الشجرة عمقها الحيوي، الذي من دونه تطيح بها أي عاصفة، ولا يبقى منها أثر». وينطلق غليون من الوعي بمكونات الهوية، فهي «ليست عنصرا واحدا وجوهرا خالصا؛ لكن يمكن تشبيهها بالخزانة، التي تضع فيها الشعوب أغراضها وأرصدتها وثقافاتها الجزئية، وتستعيدها، أو تنهل منها، وتعيد ترتيبها واستخدامها حسب الحاجة»، ويعمق غليون فكرة الغنى الحقيقي للشخصية القومية من خلال «غنى الخزانة التاريخية الثقافية والحضارية يعكس غنى الشخصية القومية، وعمق انزراعها في التاريخ، واتساع عتبة إدراكها وهامش مبادرتها الثقافية»، ويرى غليون أن التراث يسري في فكرنا وليس حيزا منفصلا، حيث لا يمكن النظر إلى التراث على أنه واقع منفصل عنا، وإنما عناصر متشربة في وعينا وثقافتنا وفكرنا الجماعي القائم؛ لكنها قابلة للتجاوز أيضا في كل حقبة. ويتدارك غليون الفشل في ترتيب عناصر هذا الوعي الاجتماعي، فينوه إلى أننا «إذا شعرنا أن هناك قطيعة بيننا وبين التراث، فلأننا لم ننجح في ترتيب عناصر هذا الوعي الاجتماعي التاريخي ذاته. فلا ينبع ذلك من نقص التراث أو ضعفه أو سوئه، وإنما من فشل وعينا الراهن في أن يوحد عناصر هذا التراث/ الثقافة الممتدة عبر التاريخ، وخلطه المستمر بين أولوياتنا وأهدافنا، التي لا يملك غيره مفاتيح تأويل الماضي والحاضر على ضوئها»، ويجيب برهان عن العيش في التراث أو التخلي عنه، فينفي إمكانية ذلك «أننا لا يمكن أن نعيش في التراث بدون أن نحكم على أنفسنا بالموت في الحاضر، كما أننا لا يمكن أن نتخلى عن التراث من دون أن نشوه ذاتنا»، ويقرر غليون أن القطيعة قيد والشواهد حاضرة، وإذا قطعنا أنفسنا عنه اعتقادا بأننا نتحرر بذلك منه، فهو لن يقطع نفسه عنا، ولن يحررنا، وإنما سوف يظل يلاحقنا. ثم دلل على صحة رأيه ببعض الشواهد التاريخية منها ما قام به كمال أتاتورك، ومحمد علي باشا والنظم الشيوعية؛ لكن النتيجة على حد رأي غليون «كانت أزمة هوية دفينة وأزمة ثقافية وأخلاقية شاملة ما لبثت أن عبرت عن نفسها بصورة انتقامية، فعادت الأمة الروسية إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وتركيا إلى الأردوغانية ومصر والأقطار العربية، التي شهدت تفتح أفكار النهضة في القرن الـ19، إلى موجة الحركات الإسلامية». ويرتبط التعامل مع التراث بالنقاط الآتية: التراث جزء حي فينا إما أن نستوعبه في صيغة وعينا الجديد، ونتجاوزه بوعي، أو أن يستوعبنا ويخنقنا. الاعتقاد بأن هناك مخرجا بالقطع مع التراث يساوي الاعتقاد بأن قطع جذور الشجرة يغير من نوع الثمار، التي تنتجها، أو يترك المجال لظهور شجرة أفضل منها، بدل تطعيمها وتلقيحها. بعكس ما يوحي به منطق التفكير الآلي أو الميكانيكي نحن لا نستعيد الماضي لما كان يمثله، وإنما نعيد اختراعه وإنتاجه في واقعنا لتلبية حاجات جديدة ومختلفة، ونشحنه بمعان ودلالات تعبر عن ظرفنا التاريخي وغاياتنا. ولا يصبح هذا الماضي عثرة أمام فهمنا لواقعنا إلا عندما نستخدمه: بديلا للتفكير الحي في هذا الواقع. لغة جاهزة لمواجهة الصعوبات، التي تعترضنا، ويفشل وعينا وثقافتنا في فك رموزها ومواجهتها بوسائل عقلانية. في هذه الحالة لن يصبح التراث أو عناصره المنفلتة من أي وعي جامع وحيٍّ عثرة أمام تفاعلنا مع الواقع الراهن فحسب، وإنما أكثر من ذلك حيث يتحول التراث نفسه في وعينا وأسلوب تعاملنا معه إلى صنم مقدس وموضع عبادة، بمقدار ما يزداد عجزنا عن إنتاج الوعي الجديد والحي بتحديات الوجود الراهن. 1- وما من شك في أن إنتاج هذا الوعي المطابق للواقع والمتفاعل معه لا يتوقف على نوعية التراث، وإنما هو منفصل عنه. فهو الذي يعيد وضع التراث في مكانه، ويتحكم به بدل أن يصبح عبدا له، وهذا يعني أن تخلفنا الثقافي ليس ثمرة ميكانيكية لتخلف التراث، الذي هو ثقافة الأجداد وسجل أفعالهم، وإنما لتخلف ثقافتنا الراهنة، التي تنتج الوعي الجماعي المتأخر والمتناقض والمشوش والعاجز والباحث عن ضمانة أو وصاية يستند إليها من الماضي أو الخارج العالمي والغربي اليوم. 2- وبفضل هذا الترتيب والتوضيب، الذي ذكرت لعناصر الثقافة/الثقافات، التي تمر على الشعوب، أمكن لأمة تكونت من مهاجرين من شتى الأصقاع، وشهدت تاريخا دمويا وعنصريا قاسيا، وكذلك تقدما سياسيا استثنائيا، وأقصد الأمة الأمريكية أن تستوعب ثقافة الإبادة الجماعية منقطعة النظير، التي شكلت التراث القومي لها في مرحلة ولادتها، وتتجاوزها نحو ثقافة جديدة متأثرة بالفكر التنويري والإنساني، الذي انتشر في أوروبا منذ النهضة، وما انطوى عليه من القيم الإنسانية الحديثة. ولم يمنع حرق قرى الهنود الأمريكيين من السكان الأصليين باسم الصليب والمسيح من أن تتحول هذه الأمة القاتلة إلى أول ديمقراطية في العالم، وتلهم شعوب الأرض فيما بعد قيم الحرية الفردية وحكم القانون والمؤسسات، حتى لو أن هذه الثقافة الوحشية ما تزال تشكل في مكان ما عنصرا قويا في وعي هذه الأمة وشخصيتها وهويتها الكلية. وينطبق هذا على أوروبا راعية الحروب الصليبية لما يقارب 4 قرون أيضا. الغريب أن السلطات الأكثر قمعية وإفقارا لشعوبها ترفع رايات التجديد، وكل تجديدها محو وإثبات حسب ما يكرس حالات الضياع المجتمعي وبناء نظريات مهزوزة؛ حيث تكثر الدعوات التجديدية التي تريد في كثير من مسالكها بناء شخصية مسلوبة من أي قيمة شخصية لا تجيد فهم ذاتها، ولا التعاطي مع الراهن. فهل تراثنا الذي هو ديوان للعقل بكل مكوناته وألوانه هو سبب البلاء والتخلف الذي نحن فيه؟ يذهب غليون إلى أن جذر التخلف مرده إلى ضعف الاستثمار الرسمي في الثقافة المدنية أو ضعف التمدن؛ حيث يقول غليون «يكفي أن نمعن النظر في حجم استثمارات دولنا في الثقافة بالمعنى الحقيقي للكلمة، وفي جميع فروعها ومقارنتها بسلوك الدول الأخرى، الأوروبية مثلا منذ 5 قرون أو أكثر، وتمويلها لثورة حقيقية في الفلسفة والعلوم والآداب والفنون. وإن أكثر ما يلفت النظر في مجتمعاتنا العربية اليوم هو ضعف الاستثمار إلى حد العدم في الثقافة، وفي البحث العلمي، وفي تشجيع الإنتاج الثقافي والفني». وعلى النقيض تماما من السرديات المملة، التي تعزو ما نحن فيه من تخلف وتقهقر إلى التراث، يعزو غليون سبب «غياب المدنية أو ضعف التمدن» إلى الرأس السياسي، و»الصناعة التاريخية التي تقوم بها النظم والنخب الممسكة بالسلطة والثروة، وهي صناعة مستمرة يوما بيوم». ثم يضع غليون الحقائق الآتية: أقل أمة تقرأ وتنشر وتناقش وتناظر وتبدع وتفكر. هنا تكمن العلة الحقيقية لتأخرنا الأيديولوجي والثقافي والفني والسياسي، واعتمادنا العقلي والفكري والعاطفي على التراث، وتحنيط هذا التراث أيضا. ما يطبع من كتب التراث اليوم يفوق أضعاف ما يطبع في مطابعنا من كتب البحث والتفكير والتأمل في الحياة الحاضرة وشؤون عصرنا وحضارتنا. لسنا متخلفين اليوم لأن أجدادنا كانوا بدائيين. لسنا متخلفين اليوم لأن أجدادنا لم يتركوا لنا تراثا عقليا أو فنيا أو دينيا مهما بل ربما كان العكس هو الصحيح. ثم يخلص غليون إلى أن التخلف الذي ما زلنا فيه إنما هو «صناعة النخب السائدة للمجتمع الهمجي الذي نحن أبناؤه اليوم»، بسبب: احتقارها للثقافة. إطاحتها بالعقل والفكر. رهانها على منطق القوة والإخضاع والترويع والتطويع للفرد. هذه الصناعة/السياسة هي التي جعلت الماضي منارتنا الأعلى ورصيدنا الثقافي شبه الوحيد، الذي يعتد به حتى الآن. الجزيرة نت

6698

| 02 يناير 2021

alsharq
رواتب لربات البيوت

في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات...

1437

| 18 مايو 2026

alsharq
طافك رمضان؟ تفضل

في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...

1272

| 19 مايو 2026

alsharq
الدوحة تحتفي بالكتاب

​لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...

1065

| 21 مايو 2026

alsharq
لماذا الديستوبيا في الإبداع أكثر ؟

كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...

1014

| 21 مايو 2026

alsharq
العلاقات التركية - الجزائرية من الماضي إلى الحاضر

تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية...

750

| 17 مايو 2026

alsharq
المنازعات الإيجارية

أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...

684

| 20 مايو 2026

alsharq
قطر في قلب اتفاق تجاري خليجي بريطاني جديد

أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...

618

| 20 مايو 2026

alsharq
الصحة والفراغ.. ثروات متاحة

خير استفتاح واستدلال لهذا المقال هو الحديث الشريف...

591

| 18 مايو 2026

alsharq
قطر تعزز الشراكات الدولية

تأتي مشاركة معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن...

576

| 17 مايو 2026

alsharq
توطين الصناعة من قيود الممرات

قد تكون الجغرافيا قدرًا ثابتًا، خاصةً لدول تكتسب...

573

| 17 مايو 2026

alsharq
"الدوحة للكتاب".. منارة لا تنطفئ

يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...

549

| 19 مايو 2026

alsharq
"الأمراض الإدارية" والانهيار الصامت

في قلب الدوحة الآن، حيث يبرز معرض الدوحة...

540

| 19 مايو 2026

أخبار محلية