رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المخدرات والمؤثرات العقلية أخطر آفة تهدد المجتمعات وتدمر أفرادها، لذلك ينبغي عدم التساهل مع طرق انتشارها، والوقوف في وجه كل الوسائل التي يمكن أن يتم ترويجها من خلالها إذا أراد المجتمع تأسيس بيئة سليمة بأفراد كاملي الوعي. ولا شك أن المشرع القطري يتبنى هذا الطرح ويتخذ موقفا واضحا من المدمرات العقلية بهدف التصدي لانتشارها. فما هي السياسة التي ينهجها من أجل تحقيق ذلك؟ وهل قانون مكافحة المخدرات في قطر كفيل بحماية المجتمع من ترويجها وسهولة تعاطيها؟ يعد القانون رقم 9 لسنة 1987 بشأن مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية الخطرة وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، الإطار القانوني الذي يواجه به المشرع القطري هذه المواد المحظورة، والذي يحدد من خلاله الممارسات التي تعتبر جرائم ومختلف أشكالها، والعقوبات المقررة لها أو الطرق البديلة للعقاب، كما يحدد أيضا الاستثناءات التي يسمح من خلالها باستعمال بعض هذه المواد، والرقابة اللازمة لذلك. ويعتبر هذا القانون الذي دخل حيز التطبيق منذ حوالي 40 سنة ملائما للتطور المستمر الذي تعرفه جرائم المخدرات، ومنسجما مع الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها دولة قطر بهذا الصدد. ولأجل ذلك جرم المشرع تعاطي المواد المخدرة وحيازتها والترويج لها والاتجار فيها. كما وضع عقوبات صارمة قد تصل إلى الإعدام في حالات العود والاتجار الدولي. ويعطي هذا القانون أهمية خاصة لحماية المجتمع من فئة المروجين والتجار الذين لا يكتفون بالإضرار بأنفسهم فقط، بل ينشرون السموم القاتلة في أوساط المجتمع، مستهدفين الفئات الهشة من الشباب والمراهقين. ولذلك نجده قد شدد العقوبات على من يتاجر أو يروج المخدرات، خصوصا إذا تم ارتكاب ذلك في محيط المدارس أو عبر وسائل الاتصال الحديثة. وتعد هذه المقاربة تعبيرا عن وعي تشريعي بأهمية عدم التساهل مع من يشكلون خطرا محدقا على أفراد المجتمع. والملفت في سياسة هذا القانون، أنه لم يقتصر على الردع وحده، بل اتخذ من الوقاية والإصلاح مسارا تكميليا للنظام العقابي، فالمتعاطي الذي يلجأ طوعا إلى طلب العلاج قبل ضبطه، يعفيه القانون من المسؤولية الجنائية، وهو توجه يؤكد على البعد الإصلاحي والإنساني، وبالإضافة لذلك منح القانون المحكمة سلطة تقديرية لاستبدال العقوبة بالنسبة للمتعاطي بالإيداع في أحد المراكز المخصصة للعلاج في حال توفر مؤشرات حقيقية على رغبة المتهم في التعافي، وهو ما يعكس رؤية متوازنة ترى في المدمن مريضا يمكن إنقاذه، وليس مجرما بالضرورة. ودعما لذلك انتهجت الدولة برامج للتوعية موجهة لطلاب المدارس والجامعات، وحملات تثقيف بهذه الآفة تنفذها وزارة الداخلية، لأن هذه المبادرات تعتبر ركيزة هامة في التصدي لانتشار المؤثرات العقلية. كما يمكن للأسر التي يتهدد أحد أفرادها إدمان المخدرات التبليغ أو طلب الاستشارة القانونية أو النفسية دون الشعور بالخوف من الملاحقة أو الإيذاء. وهنا يبرز دور المحامي ورجل القانون كفاعل اجتماعي وقانوني في صلب هذه المنظومة، لأنه يتحمل مسؤولية تثقيف الأفراد بحقوقهم وواجباتهم القانونية، وتوجيه المتعاطين أو ذويهم نحو المسارات العلاجية المتاحة، والمشاركة في المبادرات المجتمعية التي تعزز ثقافة الحد من انتشار المخدرات. وفي مقابل هذه المنظومة المتكاملة، تبرز تحديات حقيقية في التطبيق، أهمها الحفاظ على التوازن بين النظام العام والحقوق الفردية، لا سيما في قضايا الحيازة البسيطة أو التعاطي. فالدولة مدعوة إلى تأمين ضمانات المحاكمة العادلة، وتسريع الإجراءات دون المساس بحقوق الدفاع، خصوصا في ظل تطور جرائم الترويج عبر الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة. كما تبرز الحاجة إلى تحديث مستمر للقوانين بصورة تحافظ على خصوصية بيانات المتعاطين المتعافين، وتضمن إعادة إدماجهم في المجتمع بعد اجتيازهم برامج العلاج. إن المشرع القطري وهو يواجه ظاهرة انتشار المخدرات، قدم مقاربة تستند إلى الردع المنطقي والحزم المقترن بالرأفة، لأن القوانين لا ينبغي أن تكون فقط وسيلة عقاب، بل أداة لإعادة الأفراد المنحرفين إلى طريق الصواب وانخراطهم في المجتمع بما يعود نفعا على كل مكونات الدولة.
690
| 02 يونيو 2025
بعض الأسر في مجتمعاتنا تتداخل عواطفها مع الأحكام الشرعية في لحظات اتخاذ القرارات المصيرية، خصوصا فيما يتعلق بتدبير أمورهم المستقبلية ومآل ما يمتلكونه في الحياة بعد وفاتهم. فكثيرًا ما نسمع عن أب أو أم قررا أن يكرما أحد أولادهما على حساب البقية، إما لكونه الأقرب لهما، أو لأنه تولى رعايتهما في الكبر، أو في نظرهما هو الأحوج إلى الدعم من إخوانه. ففي هذه الحالات يقوم البعض بالتوصية قيد حياته بجزء كبير من أمواله أو كل ما يمتلكه لصالح هذا الولد، متناسيا أو متجاهلا حقوق البقية. والسؤال القانوني الذي يطرح عندئذ، هل يحق للشخص أن يوصي بكل ماله لأحد أولاده؟ وهل تعتبر هذه الوصية صحيحة حسب ديننا الإسلامي وفي منظور المشرع القطري؟ الإجابة تبدأ من ضرورة فهم المجتمع لطبيعة الوصية، وضوابطها في القانون انطلاقا من أحكام الشريعة الإسلامية. فالوصية تصرف إرادي من الشخص قيد حياته بتخصيص جزء فقط من ماله للغير، يستفيد منه الموصى له بعد وفاة الموصي، وهي تختلف بطبيعتها عن التركة التي تعتبر شرعا وقانونا توزيعا إلزاميا لمال المتوفى إلى الأشخاص المستحقين له. وبالتالي لا يجوز أن تكون الوصية وسيلة للتحايل على نظام التركات، وحرمان الورثة من حقهم الشرعي. وقد نظم المشرع القطري أحكام الوصية في الباب الثاني ضمن الكتاب الرابع من قانون الأسرة، وأكد في المادة 209 منه على مبدأ أساسي يمنع الشخص أن يوصي بماله لأحد من ورثته إلا إذا أجاز ذلك باقي الورثة. فإذا أوصى رجل بقدر من ممتلكاته لأحد أولاده الذي يعتبر وارثا شرعيا فإن الوصية باطلة، ما لم يجزها الورثة الآخرون إجماعا بينهم. أما إذا وافق البعض منهم يتم تنفيذ الوصية في حدود حصص الورثة الموافقين فقط. ويختلف الأمر إذا تعلق بالوصية للغير، في هذه الحالة يكون سوء النية غير مفترض من الموصي بشأن حرمان أحد الورثة من حقه، فالقانون هنا يسمح للشخص أن يخصص الثلث من ماله لأحد من الأغيار، ولا تكون هنالك حاجة لموافقة الورثة. ويسمى ذلك في فقه الشريعة الإسلامية «حد الوصية الجائزة». فإذا كانت مثلا تركة المتوفى تبلغ 9 ملايين ريال قطري، وكانت وصيته تخصيص مبلغ 3 ملايين ريال قطري لشخص أجنبي، يصبح هذا المبلغ مستحقا له بمجرد حدوث الوفاة، وقبل توزيع التركة دون أن يحق لأحد من الورثة الاعتراض على ذلك، بشرط استيفاء الوصية للشروط الشكلية والموضوعية المطلوبة. لكن إن زادت عن ثلث التركة، فإن تنفيذها متوقف على إجازة الورثة وذلك حسب المادة 209 من قانون الأسرة، وعلى سبيل المثال إذا كتب رجل قيد حياته وصية لأقرب أصدقائه بنسبة 40% من تركته، فإنها لا تصبح جائزة إلا بعد موافقة الورثة الراشدين، وإذا رفضوا إجازتها تنفذ في حدود الثلث فقط. وبالاطلاع على هذه القيود الواردة على أحكام الوصية، قد يرى البعض أنها تحد من إرادة الشخص في توزيع ماله إلى ما بعد وفاته. وقد يكون الأمر فعلا كذلك، لكن المشرع لم يتبن هذا المبدأ عبثا، بل استند في ذلك إلى مقاصد الشريعة في الحفاظ على استقرار علاقات الأسر بعد وفاة أحد أفرادها، وتجنب العديد من النزاعات العائلية التي قد تهدد وحدة المجتمع، فلو تم فتح باب الوصية على مصراعيه، فسوف يتم السماح لسلوكيات شاذة أن تنخر مجتمعاتنا مثل الطمع واستحواذ أحد أفراد الأسرة على التركة وهضم حقوق إخوته، أمه، أرملة والده، وغالبا ما سيؤدي ذلك إلى خصومات قضائية وعداوات تدوم لسنوات عديدة. لذلك، فالقانون المنظم للوصية جاء ليكرس أحكام الدين الإسلامي ويحمي العلاقات الأسرة حتى بعد وفاة المعيل. لذلك ودرءا لكل لبس قد يحدث عند توزيع التركات، وكان الشخص قيد حياته يرغب في تخصيص جزء من ماله لأحد ما، ينبغي عليه أن يكتب وصيته بحسب الإجراءات الشكلية والموضوعية اللازمة، حيث يجب بداية تحديد الشخص المستفيد بدقة، واستيعاب صفته القانونية إن كان وارثا أم لا، والحرص على ألا تتجاوز الوصية في جميع الأحوال ثلث التركة، مع تجنب الوصية للوارث إذا كان الموصي يعلم قيد حياته أن باقي الورثة غير موافقين، وأن في ذلك فتحا لباب العداوات بين أفراد أسرته. وضمانا لتوافر هذه الشروط في الوصية، يفضل أثناء كتابتها الاستعانة بمحام مختص في صياغة العقود، لإفراغها في القالب الشكلي المتطلب وتسجيلها بالطرق المقررة قانونا إذا استدعى الأمر ذلك. وعموما، الوصية شرعا وقانونا ليست بابا مفتوحا للتصرف المطلق في المال ما بعد الوفاة، بل هي أمانة يجب أن تمارس بوعي ومسؤولية، ولا يجوز أن تصبح أداة للتمييز أو تصفية الحسابات العائلية، لأن مال التركة قد يصرف ويتلاشى، لكن العلاقات الأسرية أقوى وأولى بالحماية.
1164
| 26 مايو 2025
لم تعد عمليات الشراء الإلكتروني خيار رفاهية في قطر أو أمرا عرضيا بين الفترة والأخرى، بل أصبح واقعا يوميا يلامس احتياجات الأفراد من جميع فئات المجتمع. ومن سنوات قليلة فقط، كان التسوق الإلكتروني تجربة جديدة نسبيا للمستهلك القطري، لكنه سرعان ما تحول لأسلوب حياة، فاليوم اعتاد الأفراد مثلا على طلب وجبة في دقائق معدودة من خلال تطبيقات التوصيل، شراء الهواتف الذكية والملابس الجاهزة من مواقع دولية، بل أصبح أحيانا تخليص بعض المعاملات الإدارية يتطلب الدفع عبر الوسائط الإلكترونية. لكن هذا التطور السريع ترافقه تحديات قانونية قد تضر بالمستهلكين إذا لم تكن هناك آليات واضحة لحمايتهم. فقد يترتب عن هذه العمليات غش تجاري أو عدم وصول السلع كما هي معلنة، أو صعوبة استرجاع الأموال عند حدوث مشاكل في المنتج. وهو ما يثير تساؤلات حول مدى فعالية القوانين المحلية في مواجهة تلك التحديات؟ و هل يحظى المستهلك القطري بالحماية الكافية عند الشراء عبر الإنترنت؟ ينظم قانون حماية المستهلك رقم 8 لسنة 2008 العلاقة بين البائع والمستهلكين، ويؤكد في المادة 2 منه على ضرورة حمايتهم من كافة الممارسات الضارة بمصالحهم، وخاصة الغش التجاري، والتدليس، والإعلانات المضللة. وتتعلق هذه الحماية حتما بالمعاملات التي تتم عبر الإنترنت وإن لم يذكرها المشرع بصريح العبارة، لأن البائع في هذه الحالة يقدم سلعة أو خدمة داخل دولة قطر ويتعامل مع مستهلك بداخل البلاد. ولا يكتفي قانون حماية المستهلك بهذا القدر من الحقوق فقط، بل يلزم تنوير المشترين بشأن الحق في المعرفة، والحق في مطابقة المواصفات، والضمان والاسترجاع وغيرها من الحقوق. ويضمن كل ذلك بآليات حقيقية للحماية مثل تيسير إمكانية تقديم الشكوى للإدارة المعنية والبت فيها بالطرق التي تكفل استعادة الأطراف لحقوقهم. لكن الإشكال الحقيقي يقع عندما يتم الشراء عبر الإنترنت من جهة أو موقع إلكتروني دولي ليست لديه تمثيلية أو فرع قانوني في قطر، ففي هذه الحالة يصبح وضع المستهلك القطري أكثر هشاشة، بحيث لا يعرف إن كانت هنالك إمكانية تطبيق التشريع الوطني من عدمه، وهل تلك الجهة مرخصة أو هي أصلا كيان فعلي وليس مجرد أطراف يمارسون عمليات النصب. إلا أنه مع ذلك يمكن توفير حماية للمستهلك من خلال تقديم شكوى في حق الوسيط المحلي أو أي طرف داخل البلاد تم الوصول من خلاله لذلك البائع الأجنبي أو المجهول، كما قد يساعد في الوصول إلى بيانات هؤلاء أن يكون الدفع المالي قد تم بواسطة بطاقات بنكية محلية، مما يعطي نوعا من الاختصاص القانوني في هذه الحالة للتشريع القطري. ومن الأمور التي تزيد المسألة تعقيدا هو غياب وعي لدى العديد من المستهلكين بحقوقهم الكاملة بشأن هذا النوع من العمليات الشرائية، فالمستهلك إذا واجه إخلالا بالقانون أو الشروط التعاقدية من الجهة البائعة عبر الإنترنت سواء عند القيام بالعملية أو خلال التسليم، بل حتى بعد استلام السلعة، مثل اقتطاع مبلغ أكثر من المعلن عنه قبل الدفع، أو عدم تسليم المنتج في الوقت المحدد، أو استلام منتج مختلف أو أقل جودة، أو صعوبة استرجاع المبلغ المدفوع أو ضعف خدمة العملاء.. يمكنه عندئذ رفع شكوى رسمية لا تتطلب إجراءات معقدة أو مسارا تنازعيا مطولا، حيث تشرف وزارة التجارة والصناعة عبر قنواتها المتخصصة على ضمان الحماية والشفافية بهذا الشأن. وهنا يأتي دور الإعلام القانوني والمؤسسات التوعوية، في نشر ثقافة حقوق المستهلك عند الشراء عبر الإنترنت، وتوضيح خطوات تقديم الشكاوى والمقترحات عبر الوسائل المخولة لذلك. ورغم أن قانون حماية المستهلك القطري قد نجح في معالجة أهم القضايا المرتبطة بالمعاملات المالية التقليدية وحماية المستهلك بخصوصها، ورغم أن المشرع عزز هذه الحماية لتشمل المعاملات الإلكترونية وفقا للمرسوم بقانون رقم 16 لسنة 2010 بإصدار قانون المعاملات والتجارة الإلكترونية، إلا أن التطور المتسارع في التجارة الرقمية والدفع عبر الإنترنت فاقت وتيرته نصوص القوانين، خصوصا مع ظهور أشكال جديدة من المعاملات الإلكترونية وزيادة حجمها، بالإضافة للتهديدات التي يطرحها البائع الأجنبي الإلكتروني، والتي تجعل هذه القوانين رغم صرامتها غير قادرة على ضبط جميع العمليات التي تتم عبر الوسائل الإلكترونية. لذلك يفترض من المستهلك القطري وبعد التقيد بنصوص القانون، أن يفعل مبدأ الوقاية الشخصية، وألا يقدم على أي عملية شراء رقمية، إلا بعد التأكد من مدى الثقة التي يمكن أن يضعها في الجهة البائعة، وهل توضحت لديه مواصفات وشروط العملية دون أي التباس، وكذلك التعرف الشامل على الأحكام والسياسات التي تطبق على علاقته بذلك البائع، لكي يتمكن من اتخاذ الإجراء المناسب في حال حدوث نزاع.
450
| 20 مايو 2025
في زمن لم يعد فيه الهاتف مجرد وسيلة اتصال، بل حقيبة تجمع كل تفاصيل الحياة، تبرز تساؤلات عديدة حول مدى احترام الخصوصية، وبالنظر لبرنامج المراسلات «الواتس آب» الذي صنع ثورة على المكالمات الهاتفية والرسائل النصية التقليدية، تنعكس مجموعة من المخاوف والضبابية حول مدى حماية القانون لخصوصيتنا في العالم الرقمي. فهل ما نكتبه أو نقوله ونشاركه عبر هذا البرنامج يتمتع فعلا بالحماية واحترام الحياة الخاصة؟ وهل يجد المرء نفسه في جو من الأمان والطمأنينة أمام النصوص القانونية المنظمة لهذا المجال؟ وكيف ينظر القضاء لمحادثات «الواتس آب « عند البت في النزاعات المعروضة عليه؟ معلوم أن برنامج الاتصالات «الواتس آب « تجاوز الحدود الجغرافية والتشريعات الوطنية، لكن مع ذلك يعمل تحت إطار نصوص قانونية وتنظيمية خاصة به، فهو يعتمد على نظام التشفير من الطرف إلى الطرف الآخر، ومبدئيا يبعث هذا الأمر على الشعور باحترام الخصوصية، لأن التشفير يفترض منع أي طرف ثالث من مشاركة المحادثة التي دارت بين أطراف بعينهم، ويفترض كذلك أن الشركة نفسها ليس لديها حق الاطلاع على مضمون أي محادثة أو مكالمة غير أن هذه الحماية التقنية وإن كانت متقدمة وتؤيدها القوانين الدولية المتعلقة بمجال الاتصالات، لا تعني أن محتوى المحادثات محصن قانونا من الإفشاء، أو أنه لا يمكن استخدامه في سياق قضائي إذا ما قام أحد الطرفين بمشاركته مع طرف ثالث. أما بالنسبة للمشرع القطري، وإن لم يكن قد تناول برنامج «الواتس آب» بالتنظيم مباشرة، إلا أنه أحاط الحق في الخصوصية بسياج تشريعي حصين، إذ يعتبر هذا الحق من المبادئ الدستورية الراسخة في النظام، حيث تنص المادة 37 من الدستور الدائم للبلاد على أن حرمة الحياة الخاصة للأشخاص مصونة، ولا يجوز إفشاء الأسرار أو التعرض لها أو التدخل فيها، إلا وفقاً لأحكام القانون. وهذا النص لا يقتصر على الحماية التقليدية لمساكن الأفراد أو أسرارهم الورقية فقط، بل يتجاوز ذلك ليشمل كل أشكال الحياة الرقمية بما في ذلك البيانات الشخصية والمراسلات، ومنها ما يتم تداوله عبر برامج رقمية مثل «الواتس آب». وقد عزز قانون العقوبات هذه الحماية من خلال المادة 333 التي تجرم الأفعال التي تنال من مبدأ الخصوصية. وينطبق هذا الأمر على الأسرار التي يتم تداولها عبر برنامج واتس آب، متى كانت ذات طابع خاص أو شخصي أو مهني. ومن جهة أخرى، يعاقب قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية رقم 14 لسنة 2014 على أفعال مثل التنصت على المحادثات، أو تسجيل المكالمات، أو اعتراض الرسائل النصية أو الصوتية أو المصورة، أو نشرها دون إذن مسبق من صاحب العلاقة. ويعتبرها جرائم ماسة بالحريات الشخصية تقتضي العقوبة سواء تمت عبر الوسائل التقنية الحديثة أو عبر الوسائل التقليدية. ولا يكتفي القانون بتجريم هذه الأفعال فحسب، بل يعاقب أيضا على مجرد محاولة القيام ببعضها، وهو ما يعكس حرص المشرع على التوسيع في الحماية الوقائية من هذا المنطلق. من جانب آخر يعتبر أكبر تهديد للخصوصية هو موضوع التسجيلات والمكالمات عبر «الواتس آب» لاستخدامها دليلا ضد الآخر. وكما هو الحال في كثير من التشريعات، فإن المشرع القطري كرس مبدأ شرعية الحصول على أي دليل، ومناط ذلك أنه من غير المقبول تسجيل محتوى دار بين أطراف معينة ومشاركته دون إذن مسبق تحت طائلة المساءلة الجنائية. لكن هذه القاعدة في زمن برنامج «الواتس آب «، تخضع لتقدير القاضي بحسب ظروف كل قضية، ومدى توافر المصلحة المشروعة، وغياب الوسائل الأخرى للإثبات، وعلى سبيل المثال، في بعض القضايا المتعلقة بالأسرة مثل دعاوى الطلاق أو النفقة قد يسمح القاضي على سبيل الاستئناس بقبول تسجيل صوتي، إذا رآه ضروريا لإظهار الحقيقة، خاصة إذا لم يكن التسجيل قد تم بنوايا سيئة مسبقة من الطرف الآخر، بل يقدم للمحكمة بهدف إثبات حصول واقعة معينة من عدمه. أما في الدعاوى الجنائية، فالأمر أكثر تقنيا، حيث يشترط لاعتبار التسجيل دليلا أن يكون قد تم الحصول عليه بإذن مسبق، وبما لا يتعارض مع حرمة الحياة الخاصة أو الحريات المكفولة للأشخاص بموجب الدستور. أما في المنازعات التجارية والاستثمارية، وبما أن التقاضي في هذه المجالات يقوم على مبدأ حرية الإثبات، قد يتعامل القضاء أحيانا بمرونة في قبول المحادثات الصوتية أو النصية عبر هذا البرنامج، ويعتبرها قرائن على الوقائع المعروضة أمامه قابلة لإثبات عكسها، بشرط أن تتوافر فيها شروط السلامة والأمن اللازمة مثل وضوحها وعدم التلاعب بها بالتعديل أو الحذف. لكن يبقى السؤال المطروح هل تسجيل مكالمة دون علم الطرف الآخر يعد انتهاكا لخصوصيته أم دفاعا عن حق مشروع؟ والجواب عليه يتوقف على وجود توازن دقيق بين الحق في الخصوصية والحق في الدفاع عن النفس. ومن هنا، يبرز دور القضاء في ترجيح المصلحة الأكثر حاجة للحماية حسب كل حالة معروضة. لكن الأهم من كل ذلك هو نشر الوعي القانوني بين الأفراد بشأن الاستخدام الآمن لبرنامج «الواتس آب»، لأن كثيرا من الأفراد يعتقدون أن مجرد وجود زر بهواتفهم يسمح بتسجيل مكالمة، أو التقاط صورة لمحادثة، أو إرسالها لطرف ثالث، يمنحهم الحق لفعل ذلك. لكن القانون ليس بالضرورة أن يوافق على كل زر أو خاصية تقنية تسمح بها الهواتف. فالتسجيل دون علم الطرف الآخر، حتى لو كان بغرض إثبات واقعة أو تحصين حق، قد يعد في أحيان كثيرة جريمة جنائية، خاصة إذا نتج عن ذلك مساس بالحياة الخاصة أو النيل من السمعة. من هذا الباب وفي ظل التطورات المتسارعة لعالم التقنيات والاتصالات، تبدو الحاجة واضحة إلى مراجعة تشريعية وطنية دقيقة ومستمرة لضمان ملاءمة النصوص القانونية للواقع الرقمي الجديد، فالتشريع القطري ينبغي أن يساير هذه التغيرات للفصل بشكل بمباشر في الإشكالية المجتمعية، لتحديد متى تكون المحادثة الإلكترونية دليلا يجوز استخدامه، وما الشروط الواجب توافرها في التسجيلات والمراسلات لقبولها دليلا قضائيا يمكن بناء حكم قضائي معلل بالاستناد إليه.
1251
| 14 مايو 2025
لا شك أن الحقوق المتبادلة بين الناس والديون المرتبة على ذممهم تجاه بعضهم تكون مستحقة وواجبة السداد في جميع الأحوال وبكل الطرق المتاحة قانوناً، بل حتى وإن لم يتم الوفاء بها في الدنيا، ففي الحياة الآخرة يجتمع الخصوم وكل يوفي بدينه، لأن الله سبحانه في كتابه الحكيم أمر بالوفاء بالديون مصداقا لقوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود» (سورة المائدة: الآية1)، وبالتالي فإن عنصر الزمن لا يلعب دورا في التأكيد على أحقية الدائن في استلام ما يطالب به من عدمها. والتشريعات الوضعية المطبقة بالمجتمعات، ومن بينها المشرع القطري لم تعارض مبدأ أحقية الدائنين في الوفاء لهم بديونهم، لكنها جعلت من مسألة الزمن معيارا مقيدا للمطالبة بتلك الديون من خلال إقرار مبدأ التقادم المسقط، والمقصود بهذا المبدأ مرور مدة معينة يحددها القانون حسب طبيعة الدين وحسب القانون المنظم لكل مجال يصبح معها الدائن غير محق في سماع دعواه المتعلقة بذلك الدين. وقد تم إقرار مسألة التقادم المسقط للديون في القانون إعمالا لمبدأ استقرار المعاملات داخل المجتمع، بمعنى أنه ليس الهدف من تقادم الدين أن يتم الإجهاز على حق الدائن والإضرار بمصالحه المالية لحساب المدين، بل الهدف من هذا المبدأ حث الدائنين على القيام بجميع الإجراءات اللازمة من أجل الحصول على حقوقهم في مواجهة مدينيهم خلال أجل معين من الزمن، وعدم التماطل في ذلك لغاية مضي مدة طويلة من الزمن قد تحول عائقا دون ذلك بسبب حدوث أي عامل من عوامل التغيير الزمنية، مثل تلف المستند الذي يثبت المديونية، أو وفاة المدين إذا كان شخصا طبيعيا، أو تغيير الشكل القانوني للمدين إذا كان شخصا اعتباريا مع حيلولة ذلك التغيير عائقا في المطالبة بقيمة الدين. ولقد نص المشرع القطري على نظام التقادم المسقط في المواد من 403 إلى 418 من القانون المدني، وقد حدد هذا القانون مرور خمس عشرة سنة باعتبارها المدة التي تتقادم فيها دعوى المطالبة بالدين كمبدأ، وأورد عنه استثناءات مثل مدة تقادم دعاوى الأطباء ودعاوى التجار فيما يتعلق بديونهم المتبادلة، والتي تتقادم بمدد أقل، كما أن بعض الديون الأخرى تنظم مدد التقادم المسقط لدعاواها قوانينها الخاصة. لكن القانون مع ذلك قيد مدة التقادم المسقط بمجموعة من الشروط، منها احتسابها ابتداء من الساعة التي تم فيها الالتزام بالدين وليس مجرد اليوم، كما وضع مجموعة من الاستثناءات التي ينقطع بها التقادم المسقط، كما أن القانون لم يعتبر التقادم من النظام العام، بمعنى أن القاضي إذا عرض عليه نزاع وتوافرت فيه جميع الشروط التي يتحقق معها التقادم المسقط للدين، فإنه لا يجوز له مع ذلك يجب أن يحكم للدائن باستحقاق دينه، ولا يجوز له إثارته من تلقاء نفسه، بل يلزم أن يتمسك به من كان ذلك التقادم لمصلحته.
819
| 05 مايو 2025
تعتبر المنازعات التي تنشأ بشأن المعاشات والتقاعد وغير ذلك من الأمور الناتجة عن تطبيق قانون التأمينات الاجتماعية منازعات ذات طبيعة خاصة، لطالما أفرد لها المشرع قضاء متخصصا لنظرها، تفهما منه لخصوصيتها التي تفرض تحقق شروط عديدة مثل الاستعجال في البت، الذي لا يتوفر دائما في المحاكم العادية. وهكذا في سنة 2007 صدر قرار مجلس الوزراء بتشكيل لجنة فحص المنازعات الناشئة عن تطبيق أحكام قانون التقاعد والمعاشات ونظام عملها، والتي كانت تبت في جميع النزاعات المرتبة عن تطبيق قانون التقاعد والمعاشات، لكن بعد إلغاء هذا القانون وإصدار القانون رقم 1 لسنة 2022 المتعلق بالتأمينات الاجتماعية أصبح هذا النوع من المنازعات من صميم اختصاص جهة محدثة بموجب القانون الجديد وهي «لجنة فض المنازعات»، فما هي صلاحياتها؟ وهل حقا تختلف طبيعتها والإجراءات المتبعة أمامها عن اللجنة السابقة أم أنها نفس اللجنة بتسمية معدلة؟ ورد التنظيم القانوني للجنة فض المنازعات في الفصل الثامن من قانون التأمينات الاجتماعية، وجاء قرار مجلس الوزراء رقم 10 لسنة 2024 بإصدار تشكيلها وتحديد اختصاصاتها وطريقة عملها والإجراءات المتبعة أمامها. وعليه فقد نصت المادة 70 من القانون على إنشاء لجنة واحدة أو أكثر بالهيئة العامة للتقاعد والتأمينات الاجتماعية تتشكل كل واحدة من رئيس بدرجة رئيس بالمحكمة الابتدائية ونائب له بدرجة قاض بنفس المحكمة، بالإضافة إلى أعضاء حددت عددهم المادة 1 من القرار في 5 ممثلين عن 5 مؤسسات حكومية وهي وزارة الدفاع، وزارة العمل، الهيئة العامة للتقاعد والتأمينات الاجتماعية، ديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي وقطر للطاقة، على خلاف اللجنة الملغاة التي كانت تقتصر على 4 أعضاء فقط لم يكن من بينهم ممثل عن الهيئة العامة للتقاعد والتأمينات الاجتماعية، ولا ممثل لوزارة العمل و ديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، على عكس اللجنة المحدثة، التي أعطت تمثيلا عضويا لكل من الوزارة والديوان، وفي اعتقادنا أنه تعديل قانوني في محله، نظرا لكون أغلب المنازعات التي تختص بنظرها اللجنة تدخل في صميم عملهما، كما أن الهيئة سابقا كان لديها حضور شرفي باللجنة، فقد كان دورها مقتصرا على حضور الاجتماعات وابداء الرأي، أما عضويتها في اللجنة حاليا تتمثل في المشاركة في اتخاذ القرار. وتختص اللجنة حصرا بالنظر في المنازعات التي تقوم بين الأطراف التي يشملها قانون التأمينات الاجتماعية بالتطبيق، مثل الخلافات التي قد تنشأ بين الموظفين وجهة عملهم أو الهيئة نفسها حول مبالغ الاشتراكات والمعاشات والمكافآت وغيرها. ويتم ذلك من خلال رفع طلب شارح لموضوع المنازعة إلى اللجنة من طرف ذوي الشأن، يكون مرفقا بالمستندات المؤيدة له، وذلك خلال مدة أقصاها 60 يوما من تاريخ العلم بالقرار موضوع النزاع، تحت طائلة سقوط الحق في المطالبة بنفس الحق أمام القضاء، وذلك وفقا لما نصت عليه المادة 71 من قانون التأمينات الاجتماعية، والتي أكدت على عدم قبول المحاكم نظر هذا النوع من النزاعات إلا بعد رفعها أمام اللجنة وإصدارها قرارا بشأنها. وتمارس لجنة فض المنازعات مهامها بصفة شبه قضائية، فهي تنظر في الطلبات المقدمة إليها من خلال عقد اجتماعات دورية، ويحضر أمامها الأطراف المعنية، ويمكنها الاستماع إلى أقوالهم، وطلب مذكرات منهم لشرح طلباتهم، والاستعانة بخبراء لإنجاز مهامها، كما يمكنها إجراء تسوية للنزاع بين الأطراف. لكنها بحسب المادة 9 من قرار مجلس الوزراء 10 لسنة 2024 ليست مقيدة بالإجراءات والمواعيد المنصوص عليها ضمن قانون المرافعات المدنية والتجارية، وهو ما يجعلنا نؤكد على أن طبيعة عملها شبه قضائية. ويعتبر المستجد التشريعي الذي جاء به إحداث لجنة فض المنازعات هو إضفاء الطابع الاستعجالي على الطلبات المعروضة عليها، ومعنى ذلك أنها ملزمة بالسرعة في إصدار قراراتها نظرا لطبيعة النزاعات التي تتطلب ذلك، وهي مقيدة بميعاد قانوني للبت في الطلبات حدده قرار مجلس الوزراء رقم 10 لسنة 2024 في مدة 60 يوما من تاريخ تقديم الطلب، ويمكن تمديدها لفترات إضافية لا يتجاوز مجموعها مدة 6 أشهر. ويترتب على إضفاء الطابع الاستعجالي على عمل لجنة فض المنازعات، أن يكون لقراراتها قوة السند التنفيذي، وذلك ما أكدته المادة 72 من قانون التأمينات الاجتماعية. وعلى إثر ذلك يجوز لذوي الشأن فور استصدار قرار من لجنة فض المنازعات أن يرفعوا دعوى تنفيذ له بالطرق المقررة قانونا، ولا يمنعهم عن ذلك أي طعن أو دعوى قضائية مقدمة بشأن ذلك القرار، إلا إذا صدر حكم قضائي بوقف تنفيذه. ويتم إعلان ذوي الشأن بالقرار خلال مدة 7 أيام من تاريخ صدوره بالطرق المقررة قانونا للإعلان، ويجوز عندئذ لمن لم يرض بقرار اللجنة الطعن فيه بواسطة دعوى قضائية ترفع أمام الدائرة المختصة بمحكمة الاستئناف خلال مدة 60 يوما من تاريخ صدور القرار إذا كان حضوريا، أو خلال اليوم الموالي للإعلان به إذا صدر غيابيا، ولا يترتب على هذا الطعن وقف تنفيذ القرار إلا اذا قضت محكمة الاستئناف بوقف تنفيذه. كما تكون المحكمة ملزمة بالبت في الطعن على وجه السرعة في مدة أقصاها 45 يوما يبدأ احتسابها من تاريخ أول جلسة. وعموما، يتبين أن إحداث لجنة فض المنازعات جاء تأكيدا على خصوصية طبيعة النزاعات التي قد تتولد عن تطبيق قانون التأمينات الاجتماعية، والتي غالبا لا يسعف القضاء العادي في حلها وفقا للإجراءات والمواعيد المعمول بها، ويتبين كذلك من خلال قرار مجلس الوزراء الذي ينظم عمل اللجنة أنها بالمقارنة مع لجنة فحص المنازعات الملغاة، أصبح تشكيلها يضمن تمثيلية عضوية للأطراف الذين يشملهم قانون التأمينات الاجتماعية بالتطبيق، وتم إضفاء الطابع الاستعجالي على النزاعات المعروضة عليها، والهدف من كل ذلك هو ضمان التطبيق السليم لمقتضيات قانون التأمينات الاجتماعية وجميع القرارات واللوائح التنفيذية الصادرة بشأنه.
849
| 30 أبريل 2025
عند وقوع الطلاق بين الزوجين لا يحصل الاتفاق بينهما غالبا على كيفية تنظيم الأمور المشتركة بعد حالة الانفصال، خصوصا فيما يتعلق باستيفاء حقوقهما المتبادلة وحقوق الأبناء في حال وجودهم، وهو ما يضطرهما إلى اللجوء لمحكمة الأسرة من أجل استصدار أحكام قضائية تحدد لكل طرف ما يستحقه بعد إنهاء هذه العلاقة. ولكن في حالات أخرى يسعى الطرفان إلى تسوية الأمور بينهما بطريقة ودية حتى لو حصل الطلاق، دون رغبة الدخول في نزاعات قضائية طويلة ومعقدة. ويتم ذلك من خلال إبرام اتفاقات صلح بشكل ودي خارج أروقة المحاكم. ويشترط في الاتفاق لكي ينعقد صحيحا ومنتجا لكافة آثاره القانونية، أن تتم صياغته في وثيقة مكتوبة تتضمن بوضوح تحديد الحقوق والواجبات المترتبة على كل طرف، وأن يعبر كل منهما في الاتفاق عن فهمه وقبوله بإرادته الواعية الحرة كل ما هو مدون، مع التأكيد على ذلك بتوقيعه الخطي على سند الاتفاق، بالإضافة لذلك يشترط في اتفاق الصلح ألا يكون مخالفا للنظام العام أو متجاوزا لما يحق للأطراف الاتفاق بشأنه. فإذا أبرم الاتفاق وفق الشروط المذكورة أصبح حجة في مواجهة الطرف الآخر، ويمكنه الاحتجاج به إذا اقتضى الأمر، لكن رغم ذلك لا يعتبر هذا الاتفاق سندا تنفيذيا يمكن فتح دعوى تنفيذ بشأنه إلا بعد أن يتم توثيقه، ويتم التوثيق بحسب الطريقة التي تفرضها طبيعة كل اتفاق، فإذا أبرم الزوجان مثلا اتفاق صلح أمام المحكمة بشأن دعوى قضائية منظورة، فإن التوثيق المطلوب في هذه الحالة هو إشهاد المحكمة على وقوع الصلح في محضر جلسة، أما في حال إبرام الاتفاق خارج إطار المحكمة فيجب توثيق العقد لدى الجهة الإدارية المعنية في الدولة بالتصديق على صحة التوقيعات. وعندئذ فقط تعطى لاتفاق الصلح قوة السند التنفيذي ويمكن لكل طرف المطالبة بحقوقه بالاستناد إليه من خلال رفع دعوى لدى محكمة التنفيذ ومتابعة إجراءاتها، مع إلزام كل طرف ببنود الاتفاق في حال عدم الرغبة في التنفيذ وديا. وخلاصة القول، يعد اتفاق الزوجين على التصالح بشأن الأمور المشتركة بينهما بعد الطلاق من نفقات ومستحقات مالية وحقوق متعلقة بالأبناء، دليلا على وعيهما بسنة الحياة وطبيعة العلاقات الإنسانية التي لا تتطلب دائما البقاء في حالة خصام لمجرد استحالة الاستمرار في المعاشرة. كما أن هذا النوع من الاتفاقات يختصر على الطرفين جهدا ووقتا من التنازع أمام القضاء، وانتظار صدور حكم محكمة الذي في غالب الأحيان لا يرضي أي طرف سواء المحكوم له أو المحكوم ضده.
585
| 21 أبريل 2025
تقوم العقود والاتفاقات التي يوقعها الطرفان على مبدأ لا اختلاف حوله أن إرادتهما توجهت نحو إحداث أثر قانوني معين، والتقيد بالتزامات متبادلة مقابل الحصول على حقوق ينص عليها وعلى كيفية تنفيذها ذلك الاتفاق الذي يعد بمثابة الشريعة بالنسبة لهما، لكن يحدث أن يكون الطرفان قد وقعا العقد المتفق عليه بنية تحقيق نتائج قانونية معينة، لكن بعد التوقيع تبرز إلى الأفق أمور لم يكن يرغب أي منهما في حدوثها وتؤثر على إرادتهما في تنفيذ بنود العقد، أو كانت تلك الأمور محققة وقت التعاقد لكن لو علم بوجودها أي منهما ما كان ليوقع ذلك العقد ويلزم نفسه بمضمونه. ومن القواعد المستقر عليها، والتي لا يمكن الاتفاق على خلافها، أن المتعاقدين إذا وقعا اتفاقا وهما بكامل إرادتهما الواعية المتبصرة، ثم تراجعا بعد التوقيع لسبب كانا يعلمان بوجوده منذ البداية، فإن ذلك يرتب على المتعاقد الذي يرغب في التراجع جزاء في مواجهة الطرف الآخر، ويعد ذلك بمثابة فسخ يوجب التعويض المناسب حسب الاتفاق والقانون، لكن في الحالة التي يكتشف فيها بعد التعاقد أن أمرا حدث كان يجهله أحد الأطراف ويعلمه الطرف الآخر، ولو كان الاثنان أثناء التوقيع يعلمانه لما أقدم الطرف الجاهل به على التوقيع، كان من حق هذا الأخير أن يتمسك بما يسمى في قواعد القانون المدني «الإبطال»، أما إذا كان من الأصل المتعاقدان أو أحدهما لا يتوفر فيه أو موضوع التعاقد صفة أو ركن أساسي في العقد كان هذا الاتفاق من الأصل باطلا ولو وافق الاثنان على نفاذه، ويترتب عليه حكم «البطلان». الإبطال بصفة عامة حق يستطيع التمسك به كل متعاقد أقدم على توقيع اتفاق بإرادته الواعية المتبصرة لكنه كان يجهل أمرا جوهريا يؤثر على موافقته الالتزام بالعقد، ويكون للطرف الآخر يد في دفعه على التعاقد ويكون كذلك عالما بأن الطرف الآخر يجهل ذلك الأمر الخفي، بمعنى أن جزاء الإبطال يترتب إذا اختل شرط من الشروط الواجب توافرها في إرادة المتعاقد، أي أن إرادة الأطراف إذا اقترن بها عيب من عيوب الرضا جاز التمسك بالإبطال، ومن عيوب الرضا التي توجب إبطال التصرف هنالك عيب التدليس أو الإكراه أو الغلط، ومن الأمثلة الشائعة لإبطال التصرفات هو مرض الموت، فالشخص الذي يكون طريح فراش الموت ويكون مدركا أنه حسب الشائع وحسب تحليل الأطباء المختصين أن المرض الذي أصابه يؤدي للموت في العادة، ثم يقدم على إبرام عقود بنية تصفية تركته قبل وفاته، ثم تصيبه الوفاة بسبب ذلك المرض، يعد التصرف أو الاتفاق الذي وقعه آنذاك غير قانوني، وبالتالي يحق لكل ذي مصلحة أن يدفع بشأنه بالإبطال. أما البطلان فهو أمر مختلف، فإذا كان المقصود من الإبطال إيقاف الأثر القانوني للعقد في المستقبل وإعادة المتعاقدين للحالة التي كانا عليها قبله، فإن البطلان يعتبر ذلك الاتفاق كأنه لم يكن منذ توقيعه، فتنتقل آثاره إلى المستقبل والحاضر والماضي كذلك، فالعقد يكون قد نشأ في الأصل وهو مختل الأركان التي تخول وجوده من الأساس، لأن البطلان لا يعني وجود عيب في الإرادة فقط، بل يتجاوز ذلك إلى انعدام الشروط الأساسية المخولة لتكوينه، مثل عدم وجود محل التعاقد أو سببه أو انعدام الرضا من الأصل، مثل الحالة التي يتعاقد بشأنها طرفان من أجل شراء عقار معين، ويكون في الواقع ذلك العقار ليس له وجود في الأساس، ففي هذه الحالة لا يجوز التمسك بالإبطال، بل يجب الدفع بالبطلان لغياب محل التعاقد من الأصل.
453
| 14 أبريل 2025
ليس كافياً مجرد الشعور بوجود اختلال في المصالح بين الأطراف، أو مجرد المساس بحقوق مكتسبة للجوء إلى القضاء ورفع دعوى من أجل إعادة التوازن للمصالح المتقابلة، فالقضاء لا يسأل أولا عن الحق المتنازع فيه أو طبيعة موضوع النزاع القضائي، بل إن أول ما يتم الاستفسار عنه هو هل للأطراف المتخاصمة مصلحة في الاختصام لدى المحكمة أم لا؟. من المبادئ المستقر عليها في العمل القضائي أن تكون للخصوم مصلحة مقررة في القضية المنظورة أمام المحكمة، فلا يتم سماع دعوى ولا دفاع من قبل أي طرف إلا إذا أرفق دعواه بما يثبت أن مصلحة قائمة في القضية المرفوعة، سواء تعلق الأمر بالطرف رافع الخصومة، أو الخصم الذي تتم مقاضاته. وهذا المبدأ يعتبر من أبجديات التقاضي، بدليل أن أول مادة من قانون المرافعات المدنية نصت عليه، وأكدت أنه لا يقبل أي طلب أو دفع ليس لصاحبه مصلحة قائمة يقرها القانون. المصلحة في الدعوى ركن من أركان قبول الدعوى وجواز نظرها من قبل المحكمة، بمعنى أنه من اللازم قيام علاقة بين رافع الدعوى وبين الحق المتنازع بشأنه، وأن الحكم القضائي المفترض صدوره في هذا النزاع سوف يتناول مصلحة من مصالحه، أما إذا انتفت هذه الرابطة أصبح صدور الحكم لا جدوى منه بالنسبة للطرفين لأن مصلحتهما غير متوقفة على الفصل في ذلك النزاع من عدمه. والمصلحة ليست بالضرورة أن تكون محققة وحالة حين رفع الدعوى بل يجوز أن تكون مصلحة محتملة من المتوقع حدوثها، فإذا كان الأصل أن المصلحة يجب أن تكون قائمة فإن الاستثناء أن تكون المصلحة محتملة، ومن الضروري لتجنب الإضرار بها رفع دعوى قضائية استباقية، وعلى سبيل المثال تكون المصلحة في الدعوى قائمة في حال قدمت الزوجة دعوى تطالب فيها الزوج بالإنفاق عليها، لأن مصلحتها كزوجة تم الإضرار بها عند توقف الزوج عن الإنفاق عليها. في حين تكون المصلحة محتملة مثلا عندما ترفع الزوجة عريضة إلى قاضي الأمور الوقتية تطلب فيها الأمر بإسناد حضانة الأبناء إليها مؤقتا لحين البت في دعوى الطلاق للضرر والشقاق، ففي هذه الحالة الزوجة ليست مطلقة وحضانة الأبناء مفترض أنها مشتركة بين الزوج والزوجة، لكن بحكم أن هذه الأخيرة أقامت دعوى تطلب فيها الطلاق فمن المحتمل أن يتم التفريق بينها وبين الزوج، لكن مصلحتها ومصلحة أبنائها يحتمل أن تتضرر إذا لم تطلب إسناد الحضانة إليها مؤقتا خلال الفترة بين تداول الدعوى أمام المحكمة وبين تاريخ صدور حكم نهائي بالتطليق. وهنا تظهر أهمية المصلحة في الدعوى، لأنها هي حجر الأساس في تحديد جدية الطلبات المقدمة إلى الهيئة القضائية من أجل الفصل فيها حسب القناعة التي يتم تكوينها بعد دراسة جميع جوانب القضية.
561
| 07 أبريل 2025
إن تعيين الموظف في منصب بجهة حكومة أو أي هيئة معتبرة في حكمها، واكتسابه الحقوق المترتبة على ذلك من راتب ومزايا أخرى، لا يعني ثباته على وضعه، وعدم سعيه لتطوير أدائه. كما لا يعني ذلك أنه سوف يظل الشخص المناسب للمنصب الوظيفي الذي يشغله. ومن هذا المنطلق تم إقرار نظام تقييم أداء الموظفين الإداريين بدولة قطر لضمان تحقيق كفاءتهم وقياس قيمة المهام التي يقومون بها في سبيل ضمان أهداف جهة عملهم، وكذلك من أجل استيعاب القدرات التي يتميز بها كل موظف من أجل تسكينه في المنصب الوظيفي الذي يستطيع العطاء فيه على أكمل وجه. فهل ينجح نظام تقييم أداء الموظفين الحكوميين المعمول به حاليا في تحقيق الأهداف المذكورة؟ يستند موضوع تقييم الأداء في دولة قطر إلى القانون رقم 15 لسنة 2016 المتعلق بالموارد البشرية المدنية، حيث نظم قواعده ضمن الفصل السادس في المواد من 34 إلى 45، وبالرجوع إلى المادة 34 المذكورة فقد أكد المشرع أن الغاية الأساسية من تقييم الموظف هي تحفيز الإنجازات الفردية وتعزيز روح الفريق، بمعنى أن التقييم ينبغي أن يراعي المصلحة الشخصية للموظف في التطوير من إمكانياته، وكذلك المصلحة العامة للحفاظ على جودة خدمات جهة عمله. وتعتمد عملية التقييم على معايير وموجهات موحدة تضعها الجهة الإدارية التي ينتمي لها الموظف، تفاديا لإقحام أية مؤثرات شخصية بين الموظف والمسؤول عن تقييمه، وتنظم اللائحة التنفيذية للقانون سابق الذكر قواعد وأساليب هذه العملية. ويتم تقييم الموظفين الذي يشغلون وظيفة من الدرجة الممتازة وما دونها، بواسطة تقارير سنوية عن الفترة الممتدة من يوم 1 يناير إلى يوم 31 ديسمبر ينجزها الرئيس المباشر لهؤلاء الموظفين، والذي يلزمه وضعها وفقا للنماذج المعتمدة من الإدارة خلال النصف الأول من شهر يناير من كل سنة، مع إمكانية تعديل التقييم من قبل الرئيس الأعلى بشرط إبداء الأسباب قبل نهاية شهر يناير، ثم يتم عرض تلك التقارير على الرئيس التنفيذي من أجل اعتمادها خلال النصف الأول من شهر فبراير من كل سنة. * وبحسب مردودية كل موظف وكفاءته في إنجاز مهامه، يتم تنقيطه بواسطة نسبة مئوية يستحقها، وانطلاقا منها يتم تقييمه، فإذا رأى رئيسه المباشر أن نسبة أدائه كانت 90% فأعلى، استحق تقييم «ممتاز»، وإذا كانت بين 75% و90% حصل على تقييم «جيد جدا»، وبين 65% و75% اعتبر «جيد»، وفي حال 50% إلى 65% حصل على تقييم «مقبول»، أما إن كان أداؤه أقل من 50% تم تقييمه «ضعيف». وتساعد هذه الدرجات في تحديد مستوى الموظف خلال سنة من العمل، وعلى أساسها يمكن اتخاذ قرارات مصيرية بشأن مستقبله الوظيفي، حيث يمكن بناء عليها ترقيته أو منحه مكافآت عن إنجازاته قد تصل إلى قيمة راتبه الشهري ومكافآت عينية تصل إلى 3000 ريال إن كان تقييمه عاليا، أما إن كان تقييمه ضعيفا فمن شأن ذلك أن يؤثر على استقراره الوظيفي بنقله إلى وظيفة بدرجة أدنى، أو في حالات محددة قد يصل الأمر إلى اتخاذ القرار بإنهاء خدماته. وفي حالات محددة استثى المشرع ربط التقييم بالأداء الوظيفي، وحدد مسبقا درجة التقييم التي يستحقها بعض الموظفين. ففي المادة 39 من القانون موضوع الدراسة، ألزم المشرع تقييم الموظف بمستوى «جيد» إذا ابتعث للدارسة أو التدريب أو أعير للعمل خارج الدولة أو حصل على إجازة لمدة تفوق ثمانية أشهر، وأيضا حال شغل عضوية المجلس البلدي. أما عند تحقق إحدى هذه الحالات وكان آخر تقييم حصل عليه الموظف هو «جيد جدا» أو «ممتاز» يصبح إلزاميا تقييمه الحالي بنفس المستوى. * وعلى عكس ذلك حظر المشرع أن يحصل الموظف على تقييم «جيد جدا» أو «ممتاز» إذا لم يجتز بنجاح أو تخلف دون مبرر عن فرصة التدريب التي أتيحت له خلال سنة تقييمه، أو إذا وقع عليه جزاء تأديبي بالخصم من راتبه أو الوقف عن عمله، أو إذا وقع عليه أي جزاء تأديبي ماعدا التنبيه إن كان من الموظفين الذي يشغلون وظائف من الدرجة الخاصة أو الممتازة. وبمجرد اعتماد تقييم الموظف السنوي من الجهة الإدارية التي ينتمي إليها، يتم إعلانه بالقرار تعزيزا لمبدأ الشفافية ولتمكينه من الوقوف على مكامن قوته وضعفه المتعلقة بأدائه العملي. فإذا لم يرتض النتيجة الواردة ضمن تقرير تقييمه أجاز له المشرع التظلم بحسب الإجراءات الواردة في المادة 42 من نفس القانون. بحيث يمكنه خلال خمسة عشر يوما من إعلانه بالتقييم أن يقدم تظلما إلى رئيسه المباشر، ويكون هذا الأخير ملزما بالبت فيه خلال مدة ثلاثين يوما من تقديمه، ويعتبر قوات هذه المدة دون البت في الأمر من الرئيس بمثابة رفضه ضمنيا لتعديل التقييم. * وسواء تم رفض تظلم الموظف صراحة أو ضمنيا، يعتبر ذلك الرفض بمثابة قرار إداري نهائي يجوز آنذاك الطعن فيه قضائيا وفقا للإجراءات المعمول بها بشأن الفصل في المنازعات الإدارية المتعلقة بقرارات الإدارة أمام المحكمة المختصة. إن غاية المشرع من إقرار نظام تقييم الموظف الإداري هو الرقي بمستوى خدمات القطاع الحكومي وتحفيز الكفاءات البشرية على المزيد من العطاء، لذلك يجب أن يعي الموظف أن التقييم العالي ليس حقا مكتسبا له، بل هو نتيجة لمجهوداته المتضافرة بناء على ما قدمه لوظيفته خلال السنة، كما يجب على الرؤساء المسؤولين اعتماد المعايير الموضوعية والأسس التي حددتها الإدارة، دون إدخال العلاقات الشخصية أو المجاملات عند إعداد تقاريرهم السنوية.
528
| 31 مارس 2025
إذا كانت الدولة تهدف في سياستها التنفيذية إلى تحسين جودة خدمات قطاعاتها الحكومية والمؤسسات المعتبرة في حكمها، فإنه من أولوياتها التركيز على مواردها البشرية وتحفيزهم على إتقان عملهم والتفاني في إنجاز المهام الموكولة إليهم، لأن الموظف الذي يشغل منصبا بجهة حكومية وما شابهها إن لم يشعر بتقدير مجهوداته، قد يعتبر الوظيفة عبئا عليه لا يهمه منها سوى الحصول على راتبه آخر كل شهر، وقد يفتح له الباب أمام مظاهر الرشوة وخيانة الأمانة وغير ذلك من مظاهر الفساد. لذلك آمن المشرع القطري أن الموظف الإداري عنصر أساسي لتحقيق التقدم في القطاع الحكومي، وأنه يستحق المكافأة إذا أبان عن جهد وعطاء خلال إنجاز مهام عمله، بل حتى إذا لم يتميز في مجهوداته، فإن مجرد قضائه مدة زمنية على رأس وظيفته دون ملاحظات تزعزع الثقة فيه تمنحه الحق في الامتنان والتقدير. وتتم هذه المكافأة والتحفيز للموظفين الإداريين عن طريق نظام الترقية، أي الارتقاء بهم من درجة وظيفية إلى أخرى أعلى منها يكتسبون من خلالها مزايا عديدة، وقد نظم المشرع الترقيات في المواد من 46 إلى 49 ضمن الفصل السابع من القانون رقم 15 لسنة 2016 المتعلق بالموارد البشرية المدنية. تتم ترقية الموظف الإداري الذي يشغل وظيفة من الدرجة الثانية عشرة حتى الممتازة إلى الدرجة الموالية لدرجة وظيفته الحالية، ويشترط وجود وظيفة شاغرة بالدرجة المراد ترقيته إليها، أو رفع وظيفته إلى الدرجة الأعلى مباشرة وترقيته إليها في حال توافر الشروط اللازمة لذلك، ويتم الاعتماد في الترقية على أقدمية الموظف ومستوى تقييم أدائه السنوي. وبالنسبة لمستوى التقييم المعتمد عليه من أجل إقرار الترقية، يجب ألا يقل عن «جيد» بالنسبة لآخر سنتين بشأن الوظائف حتى الدرجة الأولى، وألا يقل عن «جيد جدا» بالنسبة للوظائف الخاصة والممتازة، مع شرط اجتياز التدريبات المقررة سابقا لهؤلاء الموظفين. ويجوز استثناءً بقرار من الرئيس أن تتم ترقية الموظف إلى وظائف الدرجة الأولى وما دونها للدرجة الأعلى مباشرة دون اعتبار المعايير المذكورة سابقا بخصوص الأقدمية المهنية أو مستوى التقييم السنوي. وذلك في حال توافرت فيه شروط التميز، وأن يكون قد تم تقييمه بمستوى «ممتاز» خلال آخر سنتين، وقد أمضى في منصبه الوظيفي مدة لا تقل عن خمس سنوات، وألا يكون قد وقع عليه جزاء تأديبي أو لم يتم محوه، وألا يكون قد استفاد قبل تقديم طلب الترقية من إجازات تتجاوز مدتها خمسة أشهر ما عدا الإجازات الدورية أو المرضية. وتمنح هذه الترقية الاستثنائية بحد أقصى مرتين خلال مدة الخدمة، ويشترط أن يفصل بين كل ترقية استثنائية مدة عشر سنوات ابتداء من تاريخ الحصول على آخر ترقية. ولا تؤثر هذه الترقية الاستثنائية في الترقية المكتسبة لكل موظف بناء على أقدميته المهنية. وتجري عملية الترقية من خلال إعداد المسؤولين الإداريين لقوائم الموظفين المراد ترقيتهم وإرفاقها بكافة المستندات المؤيدة خلال أسبوع من إصدار القرار، وتنظر الجهة الإدارية المختصة في تلك القوائم من أجل اعتمادها خلال مدة ستين يوما وإلا اعتبرت الترقية كأن لم تكن. ويستحق كل موظف قطري في وظيفة من الدرجة الممتازة فما دونها بعد الترقية بداية مربوط الدرجة التي تمت ترقيته إليها أو الراتب الذي كان يتقاضاه سابقا إضافة إلى علاوة دورية حسب الدرجة المرقى إليها، على ألا يتجاوز نهاية مربوط تلك الدرجة. وإذا توافرت في الموظف جميع الشروط الشخصية والموضوعية المذكورة أعلاه، ولم يحصل على الترقية المستحقة له، اعتبر ذلك بمثابة قرار إداري نهائي يجوز له الطعن فيه وفق الإجراءات المحددة قانونا ابتداء من التظلم لدى جهته الإدارية وصولا إلى البت في موضوعه أمام القضاء المختص. وبناء على ما تم التعرف عليه بشأن شروط ومعايير اعتماد ترقية الموظف الإداري بدولة قطر، يتبين مدى المرونة التي تعامل بها المشرع مع الموظفين بهذا الصدد، وتعمده إلغاء أية قيود مشددة على نظام الترقية، حيث اعتمد معيار الأقدمية بالأساس، إلى جانب مبادئ الكفاءة والجدية التي يعكسها نظام تقييم الأداء السنوي، وذلك لتحفيز الموارد البشرية الإدارية على جودة المردودية والإنتاج، طالما أنهم يضمنون حصولهم على المكافأة في حال استمروا على هذا المنوال.
1302
| 24 مارس 2025
لطالما كان الحصول على وظيفة عامة بالقطاع الحكومي الخيار المفضل لدى المواطنين، نظرا لما تقدمه لهم من رواتب عالية وامتيازات مغرية، مع الاستقرار الذي تضمنه في مواجهة التقلبات الاقتصادية والمالية التي قد تصيب المنشآت الخاصة. لكن الاتكال الكامل على القطاع العام في مجال التوظيف لن يعكس الأهداف التي رسمتها دولة قطر في سبيل تحقيق رؤيتها المستدامة، فمن جهة سوف يؤدي ذلك إلى إرهاق ميزانية القطاع الحكومي، وتخصيص مناصب وظيفية ليست ضرورية. ومن جهة أخرى سوف يتم حصر الكوادر والكفاءات العالية القطرية في قطاع معين، ولن تستفيد القطاعات الخاصة الحيوية من الموارد البشرية الوطنية التي تستحق الفرص للاستفادة منها في جميع الميادين. أمام هذه الوضعية كان من اللازم إيجاد حلول تحفيزية تقلل من عزوف المواطن القطري عن العمل بالمؤسسات غير الحكومية. ولا شك أن القانون رقم 12 لسنة 2024 بشأن توطين الوظائف في القطاع الخاص صدر من أجل تحقيق ما تهدف إليه الدولة بهذا الشأن. فإلى أي حد يستطيع القانون الجديد تحقيق ذلك؟ بتاريخ 17/10/2024 نشرت الجريدة الرسمية قانون توطين الوظائف في القطاع الخاص، وسوف يتم العمل به رسميا ابتداء من شهر أبريل المقبل. ويتكون من 17 مادة تنظم كيفية إشراك القوى العاملة الوطنية للقطريين وأبناء القطريات في تشغيل مؤسسات وشركات القطاع الخاص، وفتح مجالات وظيفية تضمن الاستفادة من تلك الكفاءات المؤهلة. وما يمكن استنتاجه من الاطلاع على هذا القانون أن الحكومة القطرية أصبحت تولي اهتماما أكبر من أي وقت مضى لتنشيط القطاع الخاص إيمانا بكونه دافعا أساسيا لقاطرة النمو. إن القانون الذي سوف يدخل حيز التنفيذ خلال أيام معدودة يلزم الشركات العاملة في القطاع الخاص والمحددة ضمن المادة 3 منه بزيادة نسبة توظيف المواطنين القطريين وأبناء القطريات، خصوصا في القطاعات الخصوصية الاستراتيجية مثل قطاع البنوك والمؤسسات المصرفية، شركات الطاقة والاتصالات وغيرها. ومن أجل تشجيع الموارد البشرية الوطنية ومنشآت القطاع الخاص على الانخراط في هذا القانون، فقد عمل المشرع على مراعاة مصلحة الطرفين وإصدار مواد تشريعية محفزة لهما معا، عن طريق توفير بيئة عمل للموظفين بامتيازات وحوافز لا تقل عن تلك التي يتمتع بها الموظف في القطاع الحكومي والمؤسسات المعتبرة في حكمه. حيث نجد مثلا المادة 2 من القانون تفرض على المؤسسات الخاصة الخاضعة له أن تعطي للمواطنين القطريين وأبناء القطريات الأولوية في التوظيف، مع إلزامية تدريبهم وتأهيلهم واحترام سياسة الابتعاث وغيرها من الحوافز حسب الخطط التي تصدر عن وزارة العمل. ومن جانب آخر، تحقيقا لقواعد العدالة والإنصاف، وموازاة مع ما ألزمه هذا القانون على الشركات الخاضعة لحكمه، نجده قد منحها مجموعة من الامتيازات والحوافز المالية التي من شأنها مساعدتها في الرفع من ميزانيتها المخصصة لتوظيف المواطنين، مع تقديم التسهيلات الكافية لها من أجل إنجاح برامج هذا القانون. وفي المقابل إذا لم تلتزم هذه المؤسسات الخاصة الحاصلة على حوافز وتسهيلات حكومية بخطط القانون تكون معرضة لعقوبات رادعة قد تصل أشدها إلى عقوبة الحبس، وذلك بحسب ما جاء في المادتين 11 و 12 منه. وسوف تتم الاستفادة من امتيازات القانون بالنسبة للمواطنين القطريين وأبناء القطريات حسب ما جاء في المادة 5 عن طريق التقدم إلى إدارة العمل بطلب التسجيل في قوائم الباحثين عن عمل، على أن يتم اعتماد طلبات التسجيل وفق ضوابط محددة تضعها وزارة العمل، ويمكن للإدارة المختصة عدم الموافقة أو إصدار قرار الإلغاء لكل طلب لم يستوف الشروط المطلوبة، أو تضمن معلومات مغلوطة، أو كان طلبا غير جدي، بشرط إخطار مقدم الطلب قانونيا بالقرار خلال خمسة عشر يوما من تاريخه. وسوف يكون لصاحب الشأن الذي لم يرتض قرار الإدارة الحق في التظلم إلى وزير العمل خلال مدة ثلاثين يوما من الإخطار، مع ضرورة بت الوزير في التظلم خلال ثلاثين يوما من تاريخ تقديمه، مع اعتبار مضي هذه المدة دون الفصل في التظلم بمثابة قرار ضمني بالرفض. وسواء كان صريحا أو ضمنيا يعتبر قرار وزير العمل بالرفض قرارا إداريا نهائيا لا يجوز الطعن فيه إلا وفقا لقواعد الطعن في القرارات الإدارية النهائية حسب مواد قانون الفصل في المنازعات الإدارية. لا شك أن قانون توطين الوظائف في القطاع الخاص خطوة مهمة في تحقيق التنمية وتقليل الفجوة بين القطاعين الخاص والعام في مجال التوظيف، لكن بدء العمل به سوف يتطلب إدارة حذرة لضمان تحقيق أهدافه دون الإضرار ببيئة الاقتصاد والاستثمار، لأن تطبيق هذا القانون يجب أن يكون محفزا للشركات الخاصة من أجل الانخراط فيه، وليس سببا يمنع تدفق الاستثمارات الوطنية والأجنبية.
1263
| 17 مارس 2025
مساحة إعلانية
عندما أقدم المشرع القطري على خطوة مفصلية بشأن...
1602
| 25 نوفمبر 2025
أصبحت قطر اليوم واحدة من أفضل الوجهات الخليجية...
1518
| 25 نوفمبر 2025
شهدت الجولات العشر الأولى من الدوري أداءً تحكيميًا...
1278
| 25 نوفمبر 2025
في مدينة نوتنغهام الإنجليزية، يقبع نصب تذكاري لرجل...
1110
| 23 نوفمبر 2025
في زمن تتسارع فيه المفاهيم وتتباين فيه مصادر...
840
| 25 نوفمبر 2025
الصداقة من خلال الرياضة.. الشعار العالمي للمجلس الدولي...
747
| 24 نوفمبر 2025
حين ينضج الوعي؛ يخفت الجدل، لا لأنه يفقد...
510
| 23 نوفمبر 2025
* يقولون هناك مدير لا يحب تعيين المواطن...
510
| 24 نوفمبر 2025
منذ فجر الحضارات الفرعونية والرومانية وبلاد ما وراء...
486
| 24 نوفمبر 2025
للمرة الأولى أقف حائرة أمام مساحتي البيضاء التي...
438
| 26 نوفمبر 2025
استشعار نعمة الأمن والأمان والاستقرار، والإحساس بحرية الحركة...
411
| 27 نوفمبر 2025
قرار مجلس الأمن أوقف اطلاق النار وأوقف حرب...
408
| 23 نوفمبر 2025
مساحة إعلانية