رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انتقد الإعلامي البريطاني (بيرس مورغان) نفاق الغرب لا سيما بريطانيا فيما يتعلق باستضافة قطر كأس العالم 2022، قائلا إنه بدلا من أن تكون الأولوية لمتابعة الرياضة، وأخبارها فإن النفاق بدأ بخطاب سلبي بريطاني حول قطر باتهام الدولة المضيفة بالأكاذيب رغم أن الأمور في الدوحة مختلفة بل لقنت قطر العالم درسا صادقا حول أخلاق الرياضة و ثقافات الأمم»
ومن جهته كتب مروان المعشر في نفس سياق (مورغان) قائلا:
«في طليعة هذه الدروس هذا التعبير العفوي الصادق والطبيعي لدعم فلسطين والقضية الفلسطينية
و أضاف:»حدث كبير أن تصل المغرب للمربع الذهبي في سابقة لم تحصل لأي دولة عربية أو افريقية من قبل. ولم يبق عربي أو عربية واحدة إلا وامتلأ نشوة وفخرا بهذا الإنجاز الكبير.
وفي الوقت نفسه رافقت هذا الانتصار دروس سياسية أتت بطريقة عفوية وعن غير قصد، لكنها عِبَرٌ تستحق التوقف عندها واستخلاص نتائج مهمة ينبغي البناء عليها للوصول إلى مستقبل أفضل للمنطقة كلها وفي طليعة هذه الدروس التعبير الصادق والعفوي دعما لفلسطين واحتجاجا على الممارسات العنصرية للاحتلال الإسرائيلي. ولم يبق صحافي إسرائيلي حاول تغطية الحدث، أو مقابلة الناس إلا وتعرض لتأنيب سلمي وصارم في الوقت نفسه، ورسائل واضحة بأن وجوده غير مرحب فيه. يحدث كل ذلك في الوقت الذي يقال لنا إن القضية الفلسطينية ما عادت تحظى بأولوية لدى الشعوب العربية، وإن أولويات الشعوب العربية عامة، والخليجية خاصة، باتت في أماكن أخرى، بل إن الاتفاقيات الإبراهيمية دليل على أن الشعوب العربية تولي الاهتمام لمصالحها الاقتصادية والأمنية وتعليها على أية اهتمامات سياسية تتعلق بالاحتلال الإسرائيلي وضرورة إنهائه.
وفي جريدة القدس كتب مالك التريكي مقالا صادقا وأمينا حول أبعاد الدولة القطرية وغاياتها الأخلاقية من وراء تنظيم كأس العالم فقال:
«طول الاعتياد يضعف الانتباه ويحد من القدرة على الملاحظة، ولهذا فإن الزائر قد يرى ما لا يراه صاحب البيت، كما أن السياح يلاحظون في العادة أشياء، وتلفت أنظارهم تفاصيل لا يكاد يشعر بها أبناء البلاد وكما أن من مزايا مونديال 2022 أنه أيقظ العالم بأسره على حقيقة أن العرب أمة واحدة وأن فلسطين في قلبها، وكما أنه أفهم الأعداء أن المحبة لا تشترى (ولو بتوقيع المعاهدات مع الحكومات)، فإن من مزاياه أيضا أنه فتح عيون البشرية على خصال أخلاقية متأصلة في معظم بلادنا العربية، إلا أننا لا نكاد نشعر بها لأنها من عاداتنا أو طباعنا الاجتماعية، بينما هي تثير انتباه الزائر الأجنبي، فما إن يلاحظها أو يشيد بها، حتى ننتبه إليها ونبصرها بعيون جديدة.
ومن أمثلة ذلك ما تناقلته وسائل الإعلام العالمية عن الأمان التام الذي شعرت به النساء الأجنبيات، الأوروبيات والأمريكيات إلخ، في أثناء إقامتهن في قطر لحضور مباريات المونديال. حيث قالت كثير منهن إنهن لم يتعرضن لأي مضايقة من أي نوع، ولا حتى إلى أي من العبارات المسيئة أو البذيئة التي تعودن سماعها في شوارع بلدانهن، والتي كثيرا ما يطلقها الرجال (خصوصا الشباب) في سياق ما يسمى شعبيا بالمعاكسة، وهي لا تخلو من صفير ونهيق ونعيق. وقالت هؤلاء الأجنبيات؛ إنهن فوجئن مفاجأة سارة بما لقينه من الاحترام وحسن المعاملة. والتعليل عندهن أن البلد ذو ثقافة اجتماعية محافظة. أما السبب الأهم في رأيهن، فهو شدة القيود المفروضة على تناول الكحول. إذ المعروف أن كثيرا من حالات المعاكسة والمضايقة والتحرش الجنسي تقع عندما يكون الرجال مخمورين، بل ومعظم الجرائم.
وفي مجال تعميم الحرية الجنسية (إلى حد الاعتراف بكل الممارسات والنزوات ورفعها إلى مقام الهويات السياسية، مثلما تدل على ذلك سطوة إيديولوجيا «الجيبيتي» التي يريد الغرب الآن فرضها على بقية العالم، بزعم أنها من حقوق الإنسان)، ما هو إلا تقدم ظاهري لا جوهري.
المثال الثاني الذي أبرزه المونديال، عن العادة أو الخصلة الثقافية التي نعيشها يوميا دون أن ننتبه إليها حتى يلاحظها الأجنبي، هو ما ذكرته جريدة «التايمز» البريطانية في مقالين مختلفين عن شدة محبة لاعبي المنتخب المغربي لأمهاتهم. رأينا مشهد احتضان اللاعبين المغاربة، مثل أشرف حكيمي وسفيان بوفال، وحتى المدرب وليد ركراكي، لأمهاتهم وتقبيل رؤوسهن (ولعل بوفال قد فاق الجميع بتلك المراقصة الجميلة لوالدته على عشب الملعب).
رأينا المشهد مرارا بعد كل فوز مغربي، وكان ذلك من المشاهد المتنوعة لفرحتنا العربية الكبرى من المحيط إلى الخليج، لكن لا أذكر أن أي أحد من عائلتي أو أقربائي أو أصدقائي العرب رأى فيه شيئا غير متوقع أو مثيرا للتعليق. أليس حب الأم من طبائع الأشياء؟ وهل ثمة ما هو أجمل من أن يحضن المرء أمه فيقبل رأسها؟ وهل ثمة من هو أولى من الأم بأن تقاسم ابنها فرحته؟ أو ليست الأم في ديننا هي الأولى ثلاثا: أمك، أمك، أمك ثم أبوك؟
أمور تبدو لنا عادية أو بديهية
لكن «التايمز» لم ترها بعيون الاعتياد؛ أولا لأنها استبانت أنه رغم أن محبة الأمهات ظاهرة إنسانية عامة، فإن الظاهرة درجات؛ أي إنها لا تتساوى فيها بالضرورة جميع الثقافات. وثانيا لأنها قارنتها بظاهرة بريطانية، وغربية عموما، فلاحظت أن محبة اللاعبين المغاربة لأمهاتهم، قد منحت المشاهدين الغربيين مشهدا محييا منعشا لأنه مغاير تماما لما اعتادوه من هوس اللاعبين الإنكليز بالزوجات والصديقات (أي ظاهرة « الـ wags» الشهيرة، حسب التسمية الاختصارية فشاعت في الكلام الشعبي وما يصحب ذلك من توافه القيل والقال والحكايا والقضايا (حيث وصلت الخصومة بين اثنتين منهن أخيرا إلى المحاكم في مسلسل طويل، لم يكن الإعلام يمل من إتحاف الجمهور بحلقاته السمجة).
وكما أن مونديال 2022 قد كان مونديال فلسطين والعروبة سياسيا، ومونديال احترام المرأة والبر بالأمهات ثقافيا، فإنه كان مونديال المغرب الذي أشرق على العالم إشراق الشمس رياضيا وشعبيا.
وأجادت «نيويورك تايمز» عندما كتبت أنه بصرف النظر عمن رفع الكأس يوم الأحد، فإن «هذا سيبقى مونديال المغرب على الدوام »: المونديال الذي كرس ريادة المغرب «فاتحا للدروب ومحطما للأرقام ورافعا منارة عالية لا يخبو نورها».
رمضان.. الصمت الذي يروي القلب
يطل رمضان بهدوئه الخاص، وكأن الزمن نفسه يتباطأ ليمنحنا فرصة للنظر داخل أنفسنا، والاستماع إلى أصوات قلوبنا. الصيام... اقرأ المزيد
108
| 20 فبراير 2026
نحو بيئة داعمة للذكاء الاجتماعي المبكر
يُعد الذكاء الاجتماعي إحدى الركائز الأساسية في بناء شخصية الطفل المتكاملة، خاصة في الصفوف الأولى من التعليم، حيث... اقرأ المزيد
57
| 20 فبراير 2026
تحديات الحضانة
تُعد قضايا الأسرة من القضايا المهمة التي تحتل مكانة أساسية في تعزيز استقرار المجتمع القطري، ودعم تماسكه، إذ... اقرأ المزيد
57
| 20 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6540
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
972
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد لله الذي بلغنا شهر الصيام والقيام، يحلّ علينا ونحن في شوق كل عام لهذا الضيف العزيز، الذي جعله الله محطة لتزودنا بالتقوى والزهد، والسكينة تعلو فيه الهمم، وتنكسر فيه حدة الشهوات والتعلق بملذات الحياة. وهذا كله من الحكم التي من أجلها فُرض الصيام تصديقًا لقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) [البقرة] وضع الله سبحانه وتعالى التقوى غاية للمسلم، التي من أجلها فُرض الصيام، فهي ثمرته الحقيقية التي يصل بها إلى بلوغ المرام، وبها يتعلم الإنسان ويتدرب ويتعوّد على ضبط شهواته، ومراقبة ربه في السر والعلن. في رمضان فرصة عظيمة لنجدّد العهد مع الطاعة، ونقوي تواصلنا وعلاقتنا بالخالق سبحانه وتعالى. فعلى الرغم من أن فريضة الصيام لا تتكرر إلا مرة في العام، إلا أن لها أثرًا عظيمًا في القلوب، وتغييرًا عميقًا في السلوك لمن أحسن استغلال هذه الأيام واغتنام نفحاتها. والصيام في المجمل من أجل الأعمال، وأعظمها أجرًا، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به) رواه البخاري. فإبهام جزاء الصوم من الله تعالى يعد تشريفًا لهذه العبادة لم تنله عبادة أخرى. كل هذا الفضل والرفعة في الصيام على إطلاقه، فكيف بصيام الفريضة، الذي أوضح لنا النبي الكريم ﷺ ثوابه العظيم، فقال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. فاللهم وفقنا لصيام هذا الشهر الكريم احتسابًا، وأعنّا فيه على بلوغ التمام، وارزقنا في هذا الركن الثمين العفو والمغفرة، وزودنا يا الله بالتقوى والإخلاص في القول والعمل، يا رب العالمين.
810
| 18 فبراير 2026