رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المواجهة مع العدو الرئيسي لمصر تتطلب جبهة داخلية متماسكة
الخط الواصل في القاهرة من قلعة صلاح الدين ومسجد محمد على شرقا إلى جامعة القاهرة مرورا بالنيل وتمثال نهضة مصر، يلوثه علم الكيان الصهيوني فوق عمارة تعلو عشرين دورا فوق الأرض بتحد صارخ لكل الحضارة والثقافة والتاريخ. تحول هذا المكان إلى ثكنة عسكرية للأمن في محاولة لحماية مقر سفارة العدو من الرفض الشعبي لها.
يوم الجمعة 19 أغسطس حاصر المتظاهرون العمارة التي بها السفارة مطالبين بطرد السفير، بعد اعتداء على حدود سيناء أدى إلى استشهاد ضابط شرطة وثلاثة جنود برصاص العدو، وترنحت حكومة شرف وأصدرت بيانا باهتا ألقاه وزيرها للإعلام بصوت لا يحمل شموخ أمة ولا إرادة شعب، ثم أعلنت على صفحتها على الفيس بوك أنها اتخذت قرارا بسحب السفير المصري، لتعود بعد ساعات قليلة لرفع البيان وكأنها تترنح من انعدام الوعي والموقف. لم تنقض ساعات أخرى ليتسلق مساء يوم السبت الشاب المصري أحمد الشحات العمارة ويصل إلى العلم الإسرائيلي ويحرقه ويعلق مكانه العلم المصري. تصرف يبدو خارجا على كافة الأعراف، شعب يأخذ بيده موقفه حتى وإن كان بإجراء انتحاري لعجز حكومة جاءت بعد ثورة الشعب ضد كل صور الفساد والخنوع والتفريط الوطني.
لم يعد الأمر بعد ثورة يناير في مصر قابلا لأنصاف الحلول، وصار مطلوبا مواجهة الحقيقة مهما كان الثمن، وهو درس لا يمكن التغاضي عنه، والغريب أن بعض الأقلام لم تلبث أن انهالت بكلمات وجمل أقل ما توصف به أنها بلادة سياسية مدعية الحكمة التي أدت إلى نزع سلاح سيناء وتمكين العدو أن يجد فيها مرتعا.
سيناء ليست قطعة من الأرض والجبال والسهول، وليست مكانا كلم فيه موسي نبي الله عليه السلام ربه، ولكنها الآن يحيط بها ثلاثة أخطار مباشرة:
1. كامب ديفيد
2. مخطط تبادل الأراضي
3. ما يطلق عليه الإرهاب أو الانفلات الأمني
وهذه المخاطر الثلاثة تصب لصالح مصدر الخطر الاستراتيجي على مصر، إسرائيل، وتخصم من قدرات مصر وتعيق قدرتها على مواجهة أي عدوان من إسرائيل أو توتر أمني في سيناء وتهدد مستقبل سيناء، هي تنزع السيادة الوطنية الفعلية عن سيناء.
سيناء لها خصوصية لكونها الحدود المتاخمة للكيان الصهيوني، ولطبيعة أهلها القبلية، استوعبهما الجيش المصري كما استوعبهما العدو الصهيوني، ولكل منهما سياسته في التعامل مع المنطقة والأهل، وقد أكدت فترة الاحتلال بعد 1967 طبيعة الانتماء الوطني لأهل سيناء ونجاح الجيش المصري في استيعاب السلوكيات والعادات هناك، مما جعل أبناء سيناء قوة أصيلة للعسكرية المصرية سواء في اختراق وجود العدو وجمع المعلومات وأيضا سلوك دروب خاصة داخل الأرض أفادت في كل عمليات الاستطلاع والعمليات خلف الخطوط أثناء الاحتلال أو أثناء العمليات العسكرية عام 1973.
اخترقت كامب ديفيد هذه الخصوصية عندما أبدلت التواجد العسكري بالتواجد الشرطي، والفارق بينهما جوهري، وأدى إلى تصدعات في العلاقة مع الأهل في سيناء، وهذه النتيجة أدت إلى اختراق للأمن القومي المصري في سيناء، حتى أن مصر واجهت الانفلات عام 2008 عندما تدافع أهل غزة عبر المعبر المصري وطلبت مصر زيادة عدد جنودها، وكان الموقف المهين أن يناقش الكنيست الإسرائيلي زيادة عدد القوات المصرية، بل ويحدد نوعية السلاح وعدده.
ولم تمنع كامب ديفيد من اختراق الصهاينة الحدود الأسبوع الماضي ودخول الأراضي المصرية وقتل الضابط المصري والجنود الثلاثة حسب تقرير القوات المتعددة الجنسية (بقيادة أمريكية) في سيناء، ولكنها تفرض أن أي تحرك لقوات مصرية داخل أرض سيناء في المنطقة (ج) يكون بموافقة وقبول إسرائيلي.
وزاد هذا من القيود على سيادة مصر على أرضها، وزاد العبء على الجيش المصري حال أي مواجهة مع العدو، وهو ما وجب مواجهته وبوضوح، إن كامب ديفيد لم تعد كافية لحاجة مصر، وأن هناك ضرورة لإلغاء تقسيم سيناء إلى مسموح ومحظور على الجيش المصري، لأن الأمر ليس استراتيجية المواجهة وحدها، ولكنها ضرورات بقاء للأرض والبشر والأمن فوق أرض سيناء، وليس الأمر امن الكيان الصهيوني الاستيطاني على أرض فلسطين.
من تواتر الأنباء نرصد أن التحركات الإسرائيلية تعد نفسها لتصعيد، بينما التصريحات الأمريكية تكاد تدعم حق إسرائيل في مواجهة الخطر الإرهابي كما يسمونه، داخل سيناء، وتطالب إسرائيل حرية التحرك لمسافة 7 كيلو مترات داخل الأراضي المصرية. ويبقى أن التصعيد بالقطع ليس مفاجئا بعد 25 يناير والتي أثبتت أن ما أعلنه يوسي ادلين مدير المخابرات الحربية الإسرائيلية أن إسرائيل اخترقت المجتمع المصري، وكان يتوعد بالفوضى عند غياب مبارك، وأثبتت الفترة الماضية أن مصر تجاوزت العديد من صور الفوضى المصنوعة ويبقى أمامها أن تستعيد اللحمة بين الشعب المصري وقواته المسلحة، وهو ما تؤكده الحشود الإسرائيلية واستبدال حرس الحدود في مواجهة مصر بوحدات قتالية.
وعندما تدعو إسرائيل إلى لجنة مشتركة للتحقيق في وقائع نتوقع أن تكون هيئة الأركان الإسرائيلية تدرس خطط عمليات عسكرية، قبلت مصر بها أم لم تقبل.
إيهود باراك وزير الدفاع الإسرائيلي، أن مصر بعد الإطاحة بنظام مبارك، لا تمر بفترة "المجد المتوقع لها"، وأن الوضع لا يزال يمثل تهديداً على إسرائيل التي تعمل جاهدة على حماية أمنها القومي من أي مخاطر خارجية.
وعقب عمليات الخميس 18 أغسطس، بالقرب من مدينة إيلات، قال إن هذا الاعتداء الخطير يعكس انخفاض السيطرة المصرية على شبه جزيرة سيناء واتساع نشاط العناصر الإرهابية فيها بشكل كبير.
وشنت تسيبي ليفني زعيمة المعارضة في إسرائيل هجوما حادا على الأوضاع الأمنية في سيناء، وقالت إن مصر التي تعيش الآن حالة من التدهور الأمني ليست مصر التي وقعنا معها معاهدة السلام.
هذه رؤية إسرائيل، وهي ما تؤكده أمريكا، الهدف حماية أمن إسرائيل من مخاطر خارجية مصدرها سيناء.
وإذا كانت كامب ديفيد هي ما ورثناه، فإن المستقبل يتضمن خطرا جديدا تحت عنوان "تبادل الأراضي"، واستدعت الوقائع رؤية البروفيسور الإسرائيلي "يهوشوا بن أريه" (Yehoshua Ben-Arie) حول التبادل الثلاثي للأراضي بين مصر وغزه وإسرائيل والتي عرضها على شارون فعلق عليها إن الوقت مبكر لها، فالقضاء على الإرهاب أولا، لم يرفضها وقال "ربما يأتي يوم تكون هي الفكرة".
وترتكز الرؤية على أن عدد سكان قطاع غزة في 2005 وصل إلى 1،25 مليون فلسطيني وبمعدل الزيادة المتوقع من 4 - 5 % سيبلغ التعداد إلى 2.5 مليون مواطن بينما مساحة القطاع تبلغ 350 كيلومتر مربع.
وهذه الرؤية تعرض:
1. قطاع غزه مساحته 350 كيلومترا مربعا ويحيا فيه مليون ونصف فلسطيني، وليس له مقومات اقتصادية!
2. تعطي مصر للفلسطينيين:
30 كيلومترا على ساحل المتوسط (200 كم مربع)، ويصبح طول ساحل غزة الجديدة 75 كم. ومساحة 300 كم مربع على الحدود مع إسرائيل (تقريبا بطول 35 كم).
3. تعطي إسرائيل مساحة 150 كم مربع على الجانب الآخر من الحدود. وتصبح مساحة القطاع 1000 كم مربع.
4. تعطي إسرائيل لمصر مساحة 250 إلى 500 كم مربع في منطقة باران، وممرا بريا إلى الأردن.
5. يعطي الفلسطينيون 500 إلى 1000 كم مربع لإسرائيل في الضفة الغربية مقابل المساحة التي حصلوا عليها من مصر.
من أمن إسرائيل إلى تبادل الأراضي في مخطط مطلوب تنفيذه حتى عام 2020 أي مخطط الخطر المستقبلي على سيناء.
وتبدو سيناء ساحة مفتوحة أمام رعونة تكرر أفعال جرت في السودان والصومال، وترفع أعلام الجهاد السوداء، كما تكشف بعد ثورة يناير أن سيناء كانت ساحة الصراع بين أطراف النظام السابق إلى حد نكتشف أن تفجيرات في نويبع وفي شرم الشيخ قام بها العادلي وجمال مبارك ضد حسين سالم لاختلافهم حول عمولات الغاز، وهو ما يدلل أن مصر كانت تراها إسرائيل زمن مبارك.
الانفلات في سيناء من الكيانات المدعية للجهاد، أو الناجم عن تصرفات أمنية لا تستوعب حقيقة المكان والأهل هناك، كلاهما خطر على الأمن القومي المصري، وهو ما يتطلب مراجعة جذرية لاتفاقات وجود القوات في سيناء.
الوقائع والحقائق تتطلب إدراكا ووعيا ولا تتطلب انفعالا أو تغاضيا، تتطلب إعمال العقل والإرادة وبكافة الأساليب، والدبلوماسية في حالتنا بديل المدافع والرصاص. تعديلات في الوجود العسكري المصري في المنطقة (ج)، وحق مصر في حرية تحريك قواتها. ومواجهة الحقيقة تتطلب تعاملا جادا مع تصور البعض أن ثورة يناير قد فتحت الباب أمام كل من سفك دما أو شارك في محاولات دموية، كي يضع على كاهل مصر أعباء جديدة.
المواجهة مع العدو الرئيسي لمصر تتطلب جبهة داخلية متماسكة. والديمقراطية هي سبيل بناء جبهة داخلية قوية، وشرط البناء الديمقراطي أن تدرك كافة الأطراف أن أحدا منها لا يمثل الشعب المصري منفردا، ولن يتمكن من سرقة ثورة الشعب، كافة الأطراف تتحرك خلف الشعب، فالشعب منذ 25 يناير تجاوز الكيانات السياسية، ويجب عليها جميعها أن تدرك الدرس وتعيه.
عندما دخل الشعب معادلة القوة في مواجهة العدو الصهيوني، تجاوزت مصر الخلل في ميزان القوى الذي أوقعها فيه النظام السابق.
إعلان رئيس الأركان المصري أن مدنية الدولة هي قضية أمن قومي، قد تعيد الوعي إلى من حاول المغامرة بمصر، وإسقاط التهم عن بعض النشطاء وإعلان عدم محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري عودة إلى حق الشعب في المحاكمة أمام القضاء الطبيعي، وينقصه مراجعة لكافة ما عرض على القضاء العسكري، وهذا مقدمة ضرورية لعودة تماسك الجبهة الداخلية.
ومراجعة قدرة وزارة تسيير الأعمال ضرورة كشفتها وقائع، غير عجزها عن استيعاب أهداف الثورة طوال قترة إدارتها للأمور.
السيف أصدق أنباء من الكتب، ما إن هدأ هدير الثورة، حتى بدأت الغربان تنعق في سماء مصر بقضايا مصطنعة، شدوا الشعب إلى الفتن على كافة أشكالها، ونسوا أن مصر تعلم هويتها وتريد مستقبلها وبإرادة أبنائها ولأبنائها، اليوم ماذا أنتم فاعلون عندما تبدو آثار الفتن المتتالية في سيناء، هل أدركتم دم المصريين حرام في كل أرض مصر.
الفجوة بين التخطيط والتنفيذ
لم تعد التحديات التي تواجه الحكومات الحديثة مرتبطة فقط بقدرتها على وضع الخطط والاستراتيجيات، بل أصبحت ترتبط بصورة... اقرأ المزيد
72
| 24 مايو 2026
ضمير المنفى.. حين يصبح المثقف موقفًا أخلاقيًا
في وقتنا المعاصر، لم تعد الثقافة مجرد مساحة للقراءة أو الترف الفكري، بل أصبحت محاولة مستمرة لفهم الإنسان... اقرأ المزيد
81
| 24 مايو 2026
الموسوعة الإعلامية تنقذنا من هيمنة المفردة الغربية
في عصر تنتقل فيه المفردات من لغة إلى أخرى، ومن ثقافة إلى ثقافة، ويتشارك فيه العالم المعاني ويتنافس... اقرأ المزيد
63
| 24 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1437
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1284
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1092
| 21 مايو 2026