لمصلحة من؟

  • 213

لا يمكن فهم تحرك الدول الخليجية الثلاث مع مصر ضد دولة قطر بمعزلٍ عن إستراتيجية تسعى لإعادة رسم خطوط الصراعات والتحالفات الإقليمية بشكل يتوافق مع رؤية إسرائيل المرتبطة بتصفية القضية الفلسطينية وإضعاف تنظيم الإخوان المسلمين الذي يُنظر إليه كالعصى في دولاب مسار مسلسل التنازلات العربية لإسرائيل.

هناك في غرب النهر تجري محاولات حثيثة وممنهجة لخلق واقع مرّ بغية استكمال آخر حلقات المشروع الصهيوني الاستعماري الإحلالي، ويبدو أنه لا يمكن للصهاينة تنفيذ هذا المشروع من دون شراكات إقليمية ومن دون تذليل العقبات الموضوعية التي ترفع الكلفة على إسرائيل لقاء استمرارها في التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني. ويعرف القاصي والداني أن الحركة الوطنية الفلسطينية هي منقسمة على نفسها بين تيارين عريضين: فتح التي اختارت طريق المفاوضات كخيار إستراتيجي وحيد في وقت انزاح فيه المجتمع الإسرائيلي إلى اليمين وغدت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تمثل مصالح الاحتلال والاستيطان ما يعني عمليا استحالة التوفيق بين ما تريده الحكومات الإسرائيلية وما يريده تيار المفاوضات الفلسطيني. والتيار الثاني العريض هو التيار الذي يتبنى المقاومة كخيار إستراتيجي لإجبار إسرائيل الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني. وليت الانقسام توقف عند هذه النقطة، فالتنافس بين التيارين أفضى إلى تحالفات إقليمية مختلفة بل ومتضاربة ما أضعف من الفلسطينيين.

وقفت قطر مع الشعب الفلسطيني في محاولة منها لتقويته أمام تسونامي الاستيطان الإسرائيلي الذي تدور عجلته من دون توقف، ووقفت قطر ضد حصار حماس وهو الحصار الذي تفرضه إسرائيل بالتعاون مع مصر! ويرى الكثير من المراقبين بأن دعم قطر لحماس في قطاع غزة كان له أثرٌ كبير في صمود أهل غزة بوجه حصار جائر. لن أجادل في هذه العجالة بأن هناك مؤامرةً لصالح إسرائيل لكن النتيجة هي كذلك، فإضعاف حماس يعني من جملة ما يعني خلق شروط الهرولة خلف قيادات فلسطينية عُرف عنها رغبتها الشديدة في التوصل إلى حل مع إسرائيل وربما بأي ثمن بعد أن أفلست في قيادة سفينة الشعب إلى شاطئ الآمان.

وعودة على بدء، نقول أن استمرار الأزمة الخليجية لا يخدم العرب بشكل عام ولا قضيتهم، فمحاولات تجريم قطر ووصمها كدولة "راعية" للإرهاب لا يخدم فقط إسرائيل وإنما أيضًا إيران الذي تقول السعودية والإمارات بأنهما تعتبرانها العدو رقم واحد ومصدر التهديد الرئيس لأمن الخليج. فثمة تناقض هنا! كيف يمكن هزيمة المشروع الفارسي في وقت تفتح فيه دول الخليج جبهة جديدة ضد دولة خليجية أخرى؟ والمفارقة أن ما تقوم به السعودية على وجه التحديد من محاولات إعلامية لوصم قطر بالإرهاب يمكن أن يستعمل ضدها في قادم الأيام.

لا أعرف متى تستفيق الدول العربية الكبرى بأنه الخطر الداهم الذي يتهدد المشرق العربي ليس قطر وانما إيران وإسرائيل، ولا أعرف متى يستفيقوا من غفوتهم بأن إضعاف إيران لا يأتي من خلال تقوية إسرائيل ومساعدتها في تطبيع علاقاتها وفي تقوية وجودها مع محيط يلفظها ليس كراهية باليهود كيهود وإنما بسبب الاحتلال واقتلاع الفلسطينيين من وطنهم.

على أن هذا لا يعني بأن محاربة الإرهاب وتجفيف منابعة ليس مطلوبا الآن أكثر من أي وقت مضى، لكن حقيقةً أري من الصعوبة بمكان تفهم كيف يخدم استهداف قطر في هذا التوقيت بالتحديد العرب بشكل عام، ولعل الجميع يعرف تمام المعرفة أن إسرائيل حاولت من دون نجاح في وصم العرب بالإرهابيين لتبرير الاحتلال، للأسف أصبحنا نقدم خدمة مجانية لإسرائيل!