رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحتفل تركيا هذه الأيام بمرور 8 سنوات على انتصار الشعب التركي على المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قامت بها منظمة فيتو الإرهابية (FETÖ)، * وهي ليست منظمة إرهابية فحسب، بل هي أيضًا منظمة تجسس «بصبغة دينية» بقيادة فتح الله غولن* في الخامس عشر من يوليو/تموز 2016، في محاولة منها للعودة بالدولة وشعبها إلى المربع الأول حيث عدم الاستقرار السياسي والأمني تحت الانقلابات العسكرية التي عانت منها البلاد عقوداً ممتدة، في ظل الممارسات التي تقوم بها هذه المنظمة تحت ستار الدين والتعليم.
كانت هذه المحاولة الغادرة تريد عزل تركيا عن محيطها الإقليمي وتحجيم دورها الكبير الذي تتطلع إليه الشعوب المظلومة، ومن ثم تعود دولة هامشية غير مؤثرة، ولم تكن خطة الانقلاب صناعة محلية فقط، فهناك العديد من الشواهد التي تشير إلى تورط العديد من الأطراف الدولية فيها، لكن وقفة الشعب التركي البطولية في تلك الليلة أجهضت هذه المؤامرة وحافظت على الدولة ومقدراتها من الانهيار.
فالشعب التركي الأبي لم ينس نتائج الحكم العسكري، كما لم ينس الآلاف من ضحايا الانقلابات السابقة بين شهيد ومعتقل، فقرر ألا يسمح بتكرار تلك المأساة، وواجه مدرعات الانقلابيين بصدور عارية، ونجح في طردها من الأماكن التي استولت عليها، مدعوما بقوات الشرطة والقوات المسلحة التي رفضت الانحياز للانقلابيين، مع وجود قيادة حازمة واعية، قادت الشعب بعزم وثبات وكانت في قلب المواجهة.
إن هذه المحاولة الفاشلة التي سقط بسببها نحو 250 شهيدًا، واكثر من 2000 مصاب ممن قدموا أرواحهم ودماءهم دفاعاً عن الوطن، كشفت للجميع أنها لم تكن تستهدف فقط شخص الرئيس رجب طيب أردوغان أو أركان حكومته فحسب، بل كانت تستهدف الديمقراطية التركية بوجه عام، تلك الديمقراطية التي أصبحت نموذجًا ملهمُا للعديد من شعوب ودول المنطقة، وهو ما شهده العالم شرقه وغربه في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي تمت في مايو/ أيار 2023، وكذلك في الانتخابات البلدية التي تمت في مارس/ آذار 2024، والتي كانت مثالاً حياً على التنافسية والتعددية والنزاهة والشفافية، بدليل تأرجح النتائج بين لحظة ولحظة، ودليلاً على وعي الشعب وقدرته على الدفاع عن حريته وحرصه على التعبير عن رأيه، في تجربة تشهد أعلى نسبة مشاركة في العالم المعاصر.
ولولا صلابة النظام السياسي والاجتماعي التركي، ومن خلفه الشعب الواعي، ما استطاعت مؤسسات الدولة إدارة تداعيات كارثة الزلزال الذي شهدته البلاد في فبراير/ 2023، والتي نالت من أمن وأمان الملايين، لكن القيادة السياسية والمدنية الواعية، وتكاتف الشعب بكل فئاته ومكوناته، كان حائط صد قويا في مواجهة الكارثة، وقبل أن يمر العام الأول بعد الكارثة كان فخامة الرئيس في مناطق الزلزال يقوم بتسليم الأهالي، مساكنهم الجديدة، وما كان هذا ليحدث بهذه السرعة والكفاءة والفاعلية لو كانت المحاولة الانقلابية قد نجحت، ودمرت منجزات الدولة ومؤسساتها.
وعلى الرغم من التداعيات السلبية للمحاولة الانقلابية، وخروج مليارات الدولارات من البلاد، وتداعيات أزمة كورونا العالمية، وكارثة الزلزال، ها هو ذا الاقتصاد التركي يواصل نموه وتطوره بين أكبر 20 اقتصادًا على مستوى العالم، وتخرج تركيا من الدائرة الرمادية في التصنيفات الاقتصادية، ورفعت المؤسسات الدولية توقعاتها لمعدل النمو في تركيا خلال العام الجاري 2024، كما قفزت الصادرات التركية خلال العام 2023 لتصل إلى 260 مليار دولار.
وعادت تركيا لتشهد تدفقًا للسياح من كل بقاع العالم، حيث كانت وستظل وجهتهم المفضلة، وخاصة مع حرص القيادة التركية على التصدي للحالات الفردية التي تسعى لتشويه صورة البلاد وتستهدف ضرب علاقات تركيا مع إخوانها العرب، الذين تربطنا بهم علاقات الدين والتاريخ والمصير المشترك، وتكشف الأرقام الرسمية أن عدد السائحين الذين زاروا تركيا خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2024 نحو 18 مليون سائح.
وبجانب الدور الذي يقوم به قطاع السياحة في الاقتصاد التركي، مثّلت اكتشافات الغاز وبدء التشغيل، وربطه بشبكات التشغيل بارقة أمل في استقلال مصادر الطاقة وتنوعها، وتبشر الاستكشافات المستمرة بالمزيد من آبار الغاز الطبيعي الواعدة في البحر الأسود والبحر المتوسط.
وفي مجال الدفاع، تنامت الصناعات العسكرية التركية لتُؤَمِّن احتياجات البلاد، بل وتقتحم مجال التصدير، حتى أصبحت العديد من البلدان الحليفة والصديقة تسعى لامتلاك السلاح المُصنّع في تركيا، ولعل تنامي الطلب الدولي على الطائرات التركية المسيّرة (بيرقدار) أكبر شاهد على ذلك، كما تم إجراء تجارب الطيران الناجحة لمقاتلتنا الحربية الوطنية «كان « (KAAN)، التي ستدخل الخدمة في السنوات القادمة لتعزز من صقور قواتنا الجوية، كما انطلقت في سمائنا «كيزل ألما» (KIZIL ELMA) أول مسيرة نفاثة محلية الصنع، لتلحق قريبا بالمسيرات التي دخلت الخدمة فعليا في جيشنا «آقينجي» (AKINCI) و»آق صونغور» (AKSUNGUR)، كما دخلت إلى الخدمة أكبر قطعة حربية في أسطول قواتنا البحرية «تي سي جي أناضولو» (TCG Anadolu) كأول حاملة طائرات تركية محلية الصنع بتكنولوجيا فائقة التطور، وتنامت الصناعات العسكرية لتأمين احتياجات البلاد، مع التوسع الكبير في مجال التصدير.
كما شهدت تركيا في السنوات الثماني الماضية نهضة عمرانية كبيرة تخللها إطلاق العديد من المشروعات المهمة، منها اكتمال جسر تشاناكالي 1915 (Çanakkale Köprüsü 1915) كأطول جسر معلق في العالم، فوق مضيق الدردنيل، ونفق أوراسيا (Avrasya Tüneli) الذي يربط الجانبين الأوروبي والآسيوي لإسطنبول تحت مياه مضيق البوسفور، وبجانب الاهتمام بمشروعات البنية التحتية في قطاع النقل، كان الاهتمام بالصناعات التكنولوجية، وجاء تدشين أول سيارة كهربائية تركية الصنع (توغ - TOOG) نهاية العام 2023.
على الصعيد الدبلوماسي، عززت تركيا من دبلوماسيتها النشطة القائمة على أساس من الاحترام المتبادل، وإرساء مبدأ الحوار الثنائي، وتمد بلادنا يد المحبة والسلام لشعوب العالم وللحكومات والمؤسسات الدولية، حتى وصل عدد البعثات الدبلوماسية التركية في الخارج 261 بعثة، تتوزع بين 146 سفارة، و99 قنصلية عامة، و13 ممثلية دائمة، لتصبح تركيا بهذا العدد الضخم من البعثات خامس أكبر شبكة دبلوماسية في العالم، مع إعطاء أولوية وأهمية كبيرة في العمل الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي للمنطقة العربية بصفة عامة، ومنطقة الخليج بصفة خاصة، والتأكيد الدائم على أمن هذه المنطقة من أمن تركيا وإحدى الدوائر الأساسية لعمقها الاستراتيجي.
وفي إطار هذه الدبلوماسية النشطة تدعو تركيا دائمًا لتشكيل دعائم نظام عالمي جديد، ينهي الهيمنة ذات القطب الأوحد، «فقد قالها وكررها مراراّ فخامة الرئيس أردوغان: العالم أكبر من خمسة»، ويؤسس لعالم خال من بؤر الإرهاب وظلم الشعوب واحتلالها ونهب ثرواتها، وعززت تركيا هذه التوجهات باعتبارها ثاني أكبر دولة في العالم من حيث حجم المساعدات الإنسانية مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي.
وتؤكد تركيا في علاقتها دائما على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، والتأكيد على احترام قواعد القانون الدولي، لذلك جاء انضمام تركيا إلى الدعوى التي حركتها دولة جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، حتى يكون للقانون القول الفصل فيما قامت به قوات الاحتلال من انتهاكات ضد الفلسطينيين وخاصة في قطاع غزة.
وتأكيداً على الدعم التركي الكامل لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، لم تتوقف الجهود السياسية والدبلوماسية بقيادة فخامة الرئيس ووزير خارجيتنا، على مختلف المسارات ومع كل الأطراف، سعيًا نحو الوصول إلى وقف إطلاق النار والحل الدائم للقضية الفلسطينية.
وهنا تجدر الإشارة إلى التنسيق الكامل والدائم بين تركيا وقطر منذ اندلاع الأزمة، في جهود الوساطة وعمليات الإغاثة وتبادل الأسرى، وصولاً إلى ترتيبات إعادة الإعمار.
وبجانب الجهود الدبلوماسية، كانت تركيا أكبر دولة في العالم من حيث حجم المساعدات الإنسانية التي دخلت قطاع غزة، حيث بلغت نسبتها 32% من إجمالي هذه المساعدات.
عودة لذي بدء، ومع مرور 8 سنوات على هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة، نستذكر شهداءنا الأبرار الذين ضحوا بحياتهم من أجل وطننا العزيز، وسطّروا بدمائهم الذكية طريقا لا نحيد عنه، في الدفاع عن أمن الوطن والمواطنين، والدفاع عن حريتهم وكرامتهما.
ونستذكر أيضاً بكل التقدير والعرفان، وقفة دولة قطر الشقيقة بقيادة صاحب السمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الذي كان أول زعيم عربي يتصل بفخامة الرئيس أردوغان، مؤكدا رفضه لمحاولة الانقلاب، ودعمه الكامل لتركيا، وهو الموقف الذي تبناه الشعب القطري الأصيل، وشعر به إخوانهم الأتراك الذين يكنون لدولة قطر وشعبها مكانة خاصة، تحمل كل التقدير والعرفان والمودة والاحترام.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
4170
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2613
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2289
| 02 يونيو 2026