رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تبرز قيمة القيادة وقدرتها في وقت الفوضى، حين تتشابك الخيوط، وتختلط الأوراق، ويغشى الطريق دخان الحرائق، وتتعطل البوصلة، تبرز القيمة الحقيقية للقيادة، وتصبح "الفوضى ـ الأزمة" مجالا خصبا لتعمل القيادة "رؤيتها" وبالتالي "قدرتها" على إدارة الفوضى دون أن تصبح طرفا فيها أو يؤدي بها وبالوطن إلى تلاطم عناصر الفوضى.
وما يقول به التاريخ العسكري عن انفلات الرابط الرئيس للجيوش فيما يسمى بالانضباط العسكري، والذي يحدث في أعقاب النصر أو الهزيمة، هو دلالة على المهمة الأولى واستيعاب لرؤية واضحة، إنه دون نظام وانضباط ليست هناك إمكانية وجود للجيوش، وبدون رؤية ليست هناك عقيدة قتالية، ودون الانضباط والعقيدة تتحول حالة الفوضى إلى ما يشبه الانفجار الذري لا يبقي ولا يذر.
المشهد في مصر الآن يماثل حالة الفوضى التي تعقب النصر، أحاديث تتناثر حول بطولات كانت، وعن مغامرات تمت، وعن قرارات اتخذت وكانت سبب التحول من "الغضب" إلى حالة "الثورة"، ولكن يهيم في الجو العام سؤال: كيف وصلت الحالة الثورية إلى حالة الفوضى؟ ويمتد السؤال على استقامته إلى ما العمل؟ ولا يعني السؤال إجابة تكشف عن مهام مجهولة من السائل ولكنه في طياته نداء بأن تسمعه شيئا يبعث الطمأنينة في النفس ويريحها ويجلب النعاس الآمن، وهذا في حد ذاته يقضي بأن الحالة الثورية قد غابت لغياب في الوعي والرؤية المستقبلية.
أسئلة كثيرة قد تبدو هي أسئلة اللحظة تسمعها وتجدها من حولك في الفضاء المصري بامتداده الجغرافي والفضاء الذي يغلفه، ومجرد إعمال العقل يقضي بأنها أسئلة خاطئة في لحظة فاصلة.
مست الفوضى الواقع المادي المعاش وتضاريسه السياسية، ومست أيضا الفكر والشعارات المتداولة، وكما قال السادات يوما : "إن الديمقراطية لها أنياب" مبررا لحملات أمنية وضربات يوجهها إلى الحركة الوطنية، وكما ادعى الغرب أن الإسلام دين الإرهاب في محاولة لإجهاض أي حركة مقاومة للغرب ومخططاته، ولحصار أي فكرة ترتكز على المقاومة، فإن مصر تشهد اللحظة إرهابا من نوع آخر قد يصح أن نطلق عليه "الإرهاب بالديمقراطية"، فتحت شعار الديمقراطية والحرية تجري عملية التوريث الجديدة للسلطة في مصر، ولغياب الرؤية لمصر التي أرادها الشعب في شعاره الذي يعتبر إستراتيجية "الخبز ـ الحرية ـ العدالة الاجتماعية"، صارت الفوضى تمس جذور الثورة وإمكانية تحقيق أهدافها.
بدأت الفوضى بلجنة البشري وما نجم عنها واستفتاء تقسيم الوطن، وحصار الثورة، وها هي الفوضى تنتهي بمشهد دام بماسبيرو في مواجهة مبنى الإذاعة والتلفزيون بينما المذيعة تعلن أنها مواجهات بين الجيش والأمن المركزي "والأقباط" المتظاهرين أمام المبنى مطالبين بإقالة محافظ أسوان على خلفية أحداث حول بناء كنيسة في إحدى قرى إدفو، ولا تتوقف عند هذا الحد بل يبلغ بها الأمر لمناشدة الأهالي للخروج لحماية الجيش من المتظاهرين لأنهم يقتلون الجنود! تلفزيون ما بعد الثورة يؤجج الفتنة الطائفية، ويخرج رئيس الوزراء ببيان هزيل وكذا وزيره للإعلام، ويتم إعلان حظر التجوال في منطقة وسط القاهرة من العباسية إلى الكورنيش، وتخرج مظاهرات تهاجم المنازل في حي شبرا المكتظ بالمسيحيين، وتنتشر الأقوال عن أتوبيسات تحمل شبابا تخرج من المحافظات إلى القاهرة وعن صدامات طائفية بالجيزة ولا تعلم أين هي الحقيقة، وتنشر المواقع الإلكترونية أنباء عن قناصة يقتلون في الطرفين من المتظاهرين والجيش!، أمام ماسبيرو، وصدامات في الإسكندرية بين متظاهرين ويحطمون سيارات دون هوية ولا سبب، وبلطجية فوق الموتوسيكلات تهاجم محلات وسط البلد بالقاهرة.
هشيم أضرمت فيه النار، فوضى نائمة تنتظر من يوقظها، هي فوضى أكثر منها فتنة.
وسبق أحداث ماسبيرو مؤتمر عقد في قنا بصعيد مصر لأعضاء سابقين بالحزب الوطني بقيادة عبد الرحيم الغول يحمونه بالسلاح الآلي، ويتوعدون "احذروا غضب الصعيد"، ويعلنون أنهم سيقطعون الطرق والسكك الحديدية إن تم تفعيل قرارات بالعزل السياسي لأعضاء الحزب الحاكم المنحل.
هنا ووسط هذا الصخب والدماء تتأكد الحاجة إلى قيادة تستطيع أن تعبر الأزمة، وليس قيادة تثير الأزمة الرعب في نفسها، قيادة تملك تصورا واضحا، ولا تخشى في أمر الوطن إرهابا جاء من أحزاب بلا جذور أو جاء من أقزام حولوا الثورة إلى بوابة للعبور لكرسي الحكم.
الفوضى تشمل الأحزاب، ولم تعد الأحزاب جزءا من الحل، ولكن حالة العناد والتبجح بلا أي مبرر من الواقع أو الوجود الشعبي، حولتها إلى مصدر للمشكلة.
وأقزام التاريخ والفكر يطرحون أنفسهم كشخوص بديلة لنظام أسقطته الثورة، وحولوا "شوقهم" لكرسي الحكم دون مرجعية من تاريخ الوطن أو مستقبله، حولوا أنفسهم إلى مؤسسة تقبل وترفض ولا تطرح تصورا لوطن ثار شعبة من أجل "الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية".
وتتردد إشاعة عن تغيير الوزارة، ويبقى سؤال ما بعد الثورة الحائر، هل الوزارة هي القيادة؟ وهل تحتاج مصر تغييرا للوزارة أم تحتاج مصر قيادة تملك تصورا للوطن الذي يريده الشعب؟
الأيدي المرتعشة والنفوس الباحثة عن ذواتها دون وطنها هي السبب الرئيسي للفوضى.
لقد وصلنا إلى أبواب الترشيحات للمجالس النيابية تحت سطوة المرتعشة أيديهم والغائبين عن حقيقة إرادة الشعب، وكان مقررا لها الأربعاء القادم ولمدة أسبوع ودون استكمال التطهير لعناصر النظام السابق وما يسمونه بالعزل السياسي، وأصبحنا نتحدث عن التوقيتات ولا نتحدث عن لماذا الانتخابات؟ ومن بين من ومن سنختار؟ المشهد يبدو وكأنهم يطالبون الشعب باختيار المستبد الجديد، فإذا ما اختار الشعب ملائكة من السماء في إطار ذات النظام الحاكم، فهو يختار جلاديه، ويقبل بالاستعباد ما دام لم يتغير النظام.
إنها لحظة الجد، ولا تقبل بهزل الكلمات المغموسة في الجهل.
إنها لحظة لا تقبل منافقة أحد، ولكنها لحظة يجب أن نواجه فيها أنفسنا قبل أن نقتلها.
هي لحظة مراجعة النفس، فالبناء الحقيقي لمصر لن يأتي تحت شعارات لا تتجاوز مجرد بغبغة دون واقع معاش، ولا فوق حمام من الدم، ولكنه يمكن له أن يتحقق إذا استوعبنا حقيقة أن الشعب تجاوز بحركته خلال الأيام الثمانية عشرة الخالدة من بعد 25 يناير، تجاوز من اتهموه بقبوله للخنوع وتجرأوا عليه، وتجاوز من دعوه إلى التوقف دون أن تكتمل مطالبه لأن حلم هؤلاء كان دون رؤية الشعب وإرادته، وتجاوز الأحزاب العاجزة دائما عن التواصل معه أو التعبير عنه وتجاوز قياداتها المكتبية، وتجاوز النخبة وصراعاتها وتطلعاتها وأشواقها التي دفعتها إلى أن تكون حبيسة تداول السلطة دون أي تغيير للمجتمع.
إن لحظة الجد ومراجعة النفس، تفرض عدم القبول بإرهاب تمارسه الأحزاب أو النخبة، ولا تقبل بإرهاب مضاد.
إن كل حجر يلقيه متظاهر، أو طلقة رصاص تطلق، تكسر الواجهات السياسية الباحثة عن ذاتها دون الشعب صاحب الحق الأصيل في الحياة، والتغيير، والدولة الحديثة.
لقد كتب ابني الشاب يوما نداء قال فيه : "لا تقل إنك ضد ولكن قل إنك مع"، الشباب يبحث عن البناء والأحزاب والنخبة تبحث عن وراثة السلطة وكل منهم يقول : "إن الحل هو أنا"!
صراع الأضداد والمتناقضات هو درس الثورة المصرية، جامعة مفتوحة، دروس يومية... ما تدفع ثمنه ولا تجنيه... ينقلب عليك...
درس الثورة الأول... الشعب لا يموت... وإذا أراد الحياة... يستجيب القدر...
ودرس الثورة الثاني... عندما تختلط الأفكار ويتداعى الوعي... يقفز اللصوص على الثورة ولا يمنعهم دم ولا حاجة شعب...
وعندما نلهو بالتاريخ وننسى دروس انتكاسة الثورات... تكون المأساة...
لا تستبدلوا الخصومة...
ولا تركبوا السيارات بدلا من الأحذية المثقوبة... على حساب مفتوح باسم الثورة.
الثورة صراع إرادات... وليست أبدا أحلام سلطة زائلة....
الجوع شرف... واستبداله بأموال وحنايا السلطة الناعمة نهاية لكم... وستبقى الثورة... تولد من رحم الأحزان.
إن تناول الأمور بجدية، يلزمنا بالعودة إلى ما يمكن تسميته "كود الثورة"، وهو ما اتفق على تسميته "بالشرعية الثورية" والشرعية الثورية ليست كبسولات دواء، ولكنها عملية جراحية، ولا يعني هذا أن نفتح بطن المريض ونقص عظام صدره ثم نتساءل ما الذي نريد؟، ولكن المطلوب أن نعلم ماذا نريد قبل ذلك، لابد أن نملك رؤية تجاه النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأمني، لا تحولوا الثورة إلى حركة مطلبية، ولا تهدروا فرصة تاريخية فتحت أبواب التغيير، ولا تحاصروا الشباب الذي ثار ضد الظلم والفساد والتعذيب، في لقمة عيشه وأرواحه، ولا تحاولوا إغواءه بعد الحصار بمواقع وأموال، ولن يجدي في مواجهة الشعب استعادة نظام أمن الدولة وغيره من الأجهزة وتوجيهها لضرب وحصار الإرادة الشعبية، حتى وإن ظللت أفعالكم شعارات يرفعها الشعب.
إن لم يكن أمامنا سوى تجرع السم الزعاف، فليس أقل من أن نموت بكرامة وشرف.
هذه لحظة القيادة الحقيقية لوطن تعم فيه فوضى الأقوال والأفعال وخرائط الطريق المذمومة، وطن يدرك هويته ولا يريد من يعلمها له أو يسرقها منه، ولكنه يفتقد القيادة والرؤية، فهل يجد الدور التائه فارسه؟
الفجوة بين التخطيط والتنفيذ
لم تعد التحديات التي تواجه الحكومات الحديثة مرتبطة فقط بقدرتها على وضع الخطط والاستراتيجيات، بل أصبحت ترتبط بصورة... اقرأ المزيد
129
| 24 مايو 2026
ضمير المنفى.. حين يصبح المثقف موقفًا أخلاقيًا
في وقتنا المعاصر، لم تعد الثقافة مجرد مساحة للقراءة أو الترف الفكري، بل أصبحت محاولة مستمرة لفهم الإنسان... اقرأ المزيد
144
| 24 مايو 2026
الموسوعة الإعلامية تنقذنا من هيمنة المفردة الغربية
في عصر تنتقل فيه المفردات من لغة إلى أخرى، ومن ثقافة إلى ثقافة، ويتشارك فيه العالم المعاني ويتنافس... اقرأ المزيد
123
| 24 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1440
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1284
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1095
| 21 مايو 2026