اللوبي العربي النفطي في أمريكا

  • 696

كثير ما يردد البعض منا أن لدى إسرائيل لوبي إسرائيلي نشط جدا في واشنطن، قادر على توجيه السياسة الأمريكية لصالح إسرائيل، وراح البعض منا يتساءل لماذا لا يوجد لوبي عربي في أمريكا يدافع عن قضايانا ويستقطب من لديه ميول مضادة لتوجهات أمريكا المعادية لنا خاصة في فلسطين، أو تحييد من يعادينا. قال البعض إننا لسنا قادرين لأنه لا يوجد لدينا إمكانات الاختراق للنخب الأمريكية المشتغلة بالسياسة، واكتشفنا بين عشية وضحاها أننا قادرون على الولوج إلى دهاليس مجلسي النواب والشيوخ ومراكز الأبحاث والدراسات، وبعض رجال الأعمال وتجار صناعة السلاح والسياسيين الذين يتركون السلطة بعد الانتخابات الرئاسية كل أربع سنوات.

(2)

في الأسبوع الماضي نشرت وسائل الإعلام العربية نقلا عن وسائل إعلام أمريكية أخبارا عن اختراق (الهكر) البريد الإلكتروني لسفير دولة الإمارات العربية المتحدة، وسُربت بعض المعلومات التي حصلوا عليها من بريد السفير العتيبة إلى وسائل الإعلام الصحفية، والتي لم تكن جهود السفير الدبلوماسية مشرفة عربيا، لأنها انصبت على تأليب الرأي العام الأمريكي لمعادات دولة عربية خليجية شريكة في مجلس التعاون الخليجي. تقول المعلومات الصادرة عن المجتمع العربي الدبلوماسي في واشنطن أن السفير العتيبة أنشط سفير عربي في واشنطن والبعض يشبهه بنشاط السفير السعودي السابق الأمير بند بن سلطان آل سعود. لكن الأول عليه مآخذ عربية لارتباطه بمؤسسات تعمل لغير صالح قضايانا، على سبيل المثال لا الحصر ارتبط بعلاقات بمؤسسة "الدفاع لأجل الديمقراطية" وغيرها من المؤسسات البحثية ومعظم تلك المؤسسات يمينية متطرفة موالية لإسرائيل. ولست هنا في مجال المقارنة بين نشاط واتصالات سفيرين عربيين يعملان في واشنطن. ما يهمني قوله هنا إننا قادرون على اختراق المؤسسات الأمريكية لخدمة مصالحنا القومية وإلحاق الضرر بالمتربصين بنا. النخب السياسية الأمريكية قابلة للاستئجار أو الشراء من أجل تحقيق أهدافنا الوطنية القومية وقد فعلها السفير العتيبة لكن في اتجاهات أخرى وليس لقضايانا القومية وإنما لمصالح محدودة. وزير الدفاع الأمريكي الأسبق روبرت غيتس كان طوع السفير العتيبة يملي عليه ما يريد فعله أو قوله في منتديات عامة أو عبر رجال الكونجرس، وكذلك أنتوني زيني القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية وغيره من النخب السياسية التي كانت تعمل مع الرؤساء السابقين.

لدولة الإمارات العربية المتحدة الحق في أن تتفاخر بما يصنع سفيرها النشط في واشنطن، كما لنا الحق أن نغضب لما يفعل. كنا نتوقع منه ومن غيره من السفراء العرب خاصة سفراء دول مجلس التعاون الخليجي أن يسخروا قدراتهم ومهاراتهم وعلاقاتهم الدبلوماسية لقضيانا العربية، وأن يعملوا كفريق واحد في مواجهة اللوبي الإسرائيلي في واشنطن.

(3)

لقد نحا بعض سفراء مجلس التعاون الخليجي في واشنطن منحى آخر، وهو العمل بكل جد ونشاط من أجل تشويه سمعة دولة قطر في الأوساط الرسمية ومؤسسات الرأي العام واتهامها والكويت الشقيق بأنهما ممولان للإرهاب، وقد أظهرت الوثائق المسربة من بريد السفير العتيبة في واشنطن ذلك القول، وراحوا يعقدون مؤتمرات ودعوة كبار المسؤولين السابقين وكبار رجال الإعلام للحديث في هذه المؤتمرات للنيل من قطر وغيرها بكل الطرق. المهم أن أمريكا تعلم علم اليقين أن قطر تعمل مع التحالف الدولي ضد الإرهاب بما في ذلك إرهاب الدولة، وقد أكد ذلك الرئيس الأمريكي ترامب بعد مؤتمر الرياض قائلا: "قطر شريك إستراتيجي في مكافحة الإرهاب".

العتيبة يعلم أن قطر كانت وما برحت من أنصار التدخل الأمريكي الكامل في سوريا من أجل إنقاذ الشعب من الهلاك، وأن الإمارات تؤمن بذات الهدف. والسفير العتيبة قال أمام وندي شيرمان أحد كبار مسؤولي وزارة الخارجية الأمريكية بلهجة قوية: "طائراتنا (أف ـــ 16) جاهزة اخبرينا فقط متى تحتاجون" وبعد أيام اشتركت الطائرات الإماراتية في القصف على مواقع المعارضة السورية. إذًا دولة قطر ليست من ممولي ولا مؤيدي الإرهاب بدليل أنها تحارب جنبا إلى جنب مع الإمارات والسعودية وأمريكا في كل الميادين التي يطلب منها المشاركة.

كنت أتمنى أن تصرف الأموال التي تقدر بأكثر من 14 مليون دولار لخدمة القضايا العربية بدلا من إنفاقها في استعداء المجتمع الأمريكي ضد أي دولة عربية.

(4)

يعد اللوبي الإسرائيلي مع لوبي عربي في واشنطن لعقد مؤتمر في 12 الشهر الجاري يحضره خبراء لبحث تبني سياسات محددة بشأن قطر وتركيا والإخوان المسلمين ودور الجزيرة الفضائية، بتمويل من دولة خليجية الهدف من ذلك هو جمع أكبر عدد من المشاركين والمتحدثين أصحاب مناصب عليا كانوا في الإدارات الأمريكية السابقة وبعض منهم من الإدارة "الترامبية" الحالية، والهدف الأبعد هو تشويه سمعة دولة قطر والتحريض عليها وعلى تركيا ومن ثم الدعوة لإقناع صناع القرار في واشنطن بمساعدتهم لتدمير "الجزيرة الفضائية" حتى لا تكشف عوراتهم السياسية.

ليكن ما يكون فإن الأزمة الراهنة في الخليج العربي التي كادت تعصف بأمنه واستقراره وسيادته انطلاقا من إلحاق الهزيمة بدولة قطر، قد فشلت فشلا ذريعا، جاء إعلان الفشل بنص مؤتمر وزراء خارجية الدول الأربع المحاصرة قطر المنعقد في القاهرة (السعودية ومصر وأبوظبي والبحرين) والاجتماع التكميلي للوزراء الأربعة الميامين الذي انعقد في جدة بعد أقل من 24 ساعة من فشلهم في القاهرة، ويجمع المراقبون على أن دولة قطر حققت انتصارا سياسيا على خصومها بهدوء دبلوماسيتها المبنية على الأخلاق ودقة المعلومات وحسن التعامل مع الأزمات.

آخر القول: نحن العرب نستطيع أن نؤثر في سير الأحداث الدولية ــ خاصة الدول النفطية ــ ونستطيع تشكيل لوبي عربي في أمريكا وأوروبا لخدمة قضايا أمتنا العربية والإسلامية، لكن مع الأسف كونا لوبيات متعددة في تلك المواقع الهامة في صنع السياسة العالمية من أجل إلحاق الضرر بعضنا ببعض كما هو الواقع اليوم في واشنطن ضد دولة قطر بدلا من إسرائيل.