رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

264

د. أحمد المحمدي

الصداقات المؤلمة

10 مايو 2026 , 02:15ص

لا تنشأ معاناة الإنسان في بعض الصداقات من انتهائها الصريح، بقدر ما تنشأ من بقائها في حالة معلقة بين القرب والغياب، حيث يتحول الاضطراب العاطفي إلى حالة استنزاف ممتدة، بسبب حضور متقطع، وود غير مستقر، وسلوك يفتقر إلى الوضوح والثبات، مما يجعل النفس أسيرة لحالة انتظار طويلة تستنزف طاقتها الشعورية والفكرية،

ومع مرور الزمن لا يبقى تعلق الإنسان متجها إلى حقيقة الشخص بقدر ما يتعلق بصورة ذهنية قديمة كوّنها عنه في مراحل الصفاء الأولى، فينشأ نوع من الانفصال بين الواقع والتصور، إذ تستمر النفس في الدفاع عن الصورة القديمة رغم التحولات الواقعية الواضحة، وهنا تظهر آلية التبرير النفسي بوصفها محاولة داخلية لتخفيف صدمة الاعتراف بالحقيقة، فيُفسَّر الجفاء بالانشغال، والفتور بالتعب، والتغير بالظروف، لا لعجز الإنسان عن إدراك الواقع، بل لصعوبة تقبل سقوط الصورة المثالية التي بناها في أعماقه،

ولهذا لم ينظر الإسلام إلى الصحبة باعتبارها قيمة مطلقة، وإنما ربط مشروعيتها وآثارها بما تحدثه في الدين والنفس والسلوك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله»، وهو توجيه يكشف البعد التربوي العميق للعلاقات الإنسانية، إذ إن أثر الصحبة لا يظهر دائما في الصدمات المباشرة، بل قد يتسلل تدريجيا عبر الاستنزاف النفسي البطيء، حتى تتحول العلاقة إلى مصدر قلق دائم واضطراب داخلي يفقد الإنسان سكينته واتزانه،

ومن هنا فإن النضج النفسي والتربوي لا يتمثل في الإبقاء على جميع العلاقات مهما بلغت درجة أذاها، بل في امتلاك القدرة على التمييز بين الصحبة التي تعين الإنسان على الطمأنينة والنمو، وتلك التي تستنزف روحه وتضعف استقراره النفسي والإيماني، ولذلك فإن الابتعاد عن العلاقات المؤذية لا يعد دائما صورة من صور القطيعة السلبية، بل قد يكون حفاظا مشروعا على سلامة النفس، ولهذا يكتسب الحديث النبوي: «إماطة الأذى عن الطريق صدقة» بعدا أعمق، إذ لا يقتصر معنى الأذى على ما يؤذي الجسد أو الطريق الحسي، بل يمتد إلى كل ما يعطل سلام الإنسان النفسي ومسيره الإيماني

مساحة إعلانية