رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تقاطر المدعوون صباح السبت 7 مايو 2011، إلى مركز المؤتمرات بمدينة نصر لحضور مؤتمر مصر الأول، يلبسون ملابس العيد، الكل يتعانق، شباب في مقتبل العمر، وبأدب جم يقومون بتسجيل الحضور، الحالة التي يحياها الجميع هي مصدر الأمن، صافحت الدكتور إبراهيم الزعفراتي القيادي الإخواني، هل جاء مشاركا أم معتذرا؟، فالإخوان اعتذروا بعد الاكتفاء بغنائمهم من الثورة، ولا يعنيهم الموقف الوطني الجامع، صافحت الدكتور محمد مندور في عناق طويل، لم أره منذ أن غادرنا السجن معا عام 1972، بادرني قائلا: لي خمس سنوات في دارفور، من قبلها في فلسطين، تذكرت جيفارا وحملاته الثورية، هنا امامنا مندور وحملاته الطبية، والعقيدة والانتماء الثوري والاجتماعي لديهما واحد.
الكل جاء علي رجاء أن يقوي بالكل، الكل جاء والأمل يسبقه، والرجاء والأمل لم يمنعا الواقعية.
الكل في حذر، اليوم يجب أن يكتمل، وأن تصل كل رسائله إلى الجميع. رسالة وحدة القوي الوطنية ــ غير من اختار الوقوف خارجها ــ بأن الجميع معا، وأن كان الحوار مشواره طويل، ويحده توقيتات المهام، إلا أن الكل يرفض سرقة الثورة. ورسالة رفض للاختيار الذي تضمنه الإعلان الدستوري بناءا علي لجنة البشري بإحالة أمر الدستور إلى لجنة المائة الفنية، دون الحوار المجتمعي الوطني حول العقد الاجتماعي قبل الصياغات الفنية. ورسالة ثالثه تعلن قبول التحدي إن فرضت خيارات الإعلان الدستوري أن تذهب مصر مرغمة إلى الانتخابات النيابية المزعومة، وأن الجميع يحاول أن يكون معا في مواجهة هذا التحدي.
وتصدح موسيقي النشيد الوطني ويغنيه الحضور وقوفا، 4300 عضوا الذين سجلتهم لجان الاستقبال، ويعلن مذيع المؤتمر البدء باسم الشهداء، وتنطلق موجة تصفيق عاليه لمدة عشر دقائق بلا انقطاع، تحية لأرواح من وهبونا فرصة للتطهر والعيش الكريم، مشهد مزلزل، أرواح الشهداء بيننا، ليسوا بعيدين، دموعا كثيرة تشهدها والكل في وقوف صامت، والتصفيق الحاد متصل ولا يخبوا، يحاول أن يصعد إلى السماء، عبر السنوات الضوئية الفارقة، يسابق رحلة الأرواح ليلقاها ويعانقها، والدموع تجري من الجميع، دموع حب ورحمة وعهد، والتصفيق يتواصل ومذيع المؤتمر يعاهد الله والوطن والشهداء.
وتبدأ الجلسة الأولى ويأتي صوت الدكتور حسام عيسى النحاسي، واضحا، وقاطعا، فأستاذ القانون لا تخذله الكلمات المعبرة، والمحددة المعنى، والقاطعة الدلالة، فالموضوع وثيقة إعلان "مبادئ الدستور المصري القادم"، وهو لا يقدم الوثيقة، ولكنه يقول، منذ اليوم الأول الخامس والعشرين من يناير نزلت إلى ميدان التحرير ولم تغادره إلا بعد سقوط النظام وخلع رئيسه، وقال أنها تحدثت إلى "جمعية المحكمة الدستورية" بأنهم جميعا أمام فرصة تاريخيه، وأنها فرصة لمصر وليست عملا سياسيا، وأنهم يجب أن يكونوا والشعب في بنيان واحد، وهي من تقدم لكم الورقة: القاضية تهاني الجبالي نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا، ويقف الجميع في مشهد لا يخلو من الجلال، وموجة تصفيق حاد أخرى تؤكد أن المؤتمر يربط بين الشهداء وإرادة العقل فيه، تكرار من نسخة واحده، والقاضية، تقف في ثبات لا يأخذ بلبها عاصفة التحية، وأمامي بالقاعة شابة في رداء أبيض، ووجهها وعيناها أتصور أنه وجه كليوباترا تقفز الحيوية منه، تطلق صوتا عاليا كما صوت الطاووس وله استمرار غريب، يتصاعد الدم إلى وجهها وأسألها، ما هذا الصوت، وتقول أحب تهاني واحترمها، كنت أريد أن أطلق صفيرا، ولا اعرف، قأطلقت هذا الصوت، فقلت لها أنه صوت الطاووس، وقالت ضاحكة ابنة النيل الخمرية، التي يزين جيدها سلسلة فضيه علي شكل هلال يحتضن صليبا من فصوص تتلألأ: كنت أود أن يكون صوت الكروان!، كم أنت جميلة يا مصر العربية بأهلك.
وبوقار المعنى الدستوري للكلمات تعلن الأستاذة تهاني أن هذا الإعلان هو جهد أساتذة القانون الدستوري وشيوخه في مصر، وتتلوه، وكأنها ابنة مصر البدوية التي صاغتها المحلة الكبرى وصاغتها ترانيم العشق لآل البيت التي يتغني بها أبناء طنطا البدوية، وشاركت أهل الثورة في ميدان التحرير طوال أيامها حتى خلع الرئيس، كأنها ترتل سفر الوجود الجديد الهابط علي مصر الثورة من السماء، ويكمل الفقيه الدستوري الدكتور محمد نور فرحات الخناق على "جريمة البشري" في حق مصر، ويقول بضرورة الجمعية التأسيسية لوضع الدستور وأن دور القانونيين هو الصياغة وليس البناء، فهذا حق أصيل للمجتمع وقواه التي تحيا فوق أرض الوطن.
هذه المشاهد جمعت بين الحب والشهادة والوفاء والعقل والتقدير من الجميع وإنكار الذات.
ويعلن المذيع الداخلي الحاجة إلى طبيب لحالة طارئة، ويجري الدكتور محمد غنيم أبو الكلي في مصر، بطول القاعة كما لو كان ابن العشرين، ويقفز الدكتور نزيه رفعت فوق حاجز ووزنه يتجاوز المائة وعشرين كيلو جرام، وتعدوا طبيبات بأعمار مختلفة من كافة أرجاء القاعة إلى خارجها لإسعاف الحالة، مصر تستدعي قدرتها في لحظة، دون صراع الأجيال الذي يصنعون منه الفتنة الجديدة.
وكأن مصر تضرب مثلا جديدا لمعني المرأة من أهلها، لا تعترف بها التزاما بمواثيق ومعاهدات دوليه، فتلك المواثيق والمعاهدات الدولية لإلزام من لم يصنعوا الحضارة، ويدركون معني الإنسان، رجلا أو امرأة، وتستقي عناوينها لتحقق حقوقا ضائعة، ولكن مصر ــ التي خاضت تجربة أن يكون الحاكم امرأة مع حتشبسوت 1458 ق.م.، ومع شجرة الدر 1250م ــ تضع مضمون حقوق المرأة بممارسة ناعمة ولا تأبه بتلك الصياغات القاصرة. وهي مصر التي تأبي أن يشدها أحد إلى عصور الظلام بادعاءات دينيه، لا صلة لها بالإسلام الحنيف.
سيدة أخرى، في عمر الزهور، وكأنها زهرة اللوتس المصرية، مضيقة جوية تقول عن نفسها ضاحكة: "دخلت الثورة من التليفزيون عندما شاهدت لقطة ضايقتني جدا قررت أني لازم أنزل".
وتستطرد: "المشهد كان للرجالة ع الكوبري بتصلي والأمن المركزي مسلطين عليهم خراطيم المياه وطبعا عرفت بعد ما نزلت أنها مياه مجارى".. وتكمل: "وكانوا كل يوم يأتون قرب صلاة العشاء ويغرقون أرض الميدان بها، وكنا بنجيب أي حاجة جرايد رمل زلط طوب اللي نلاقيه ونقعد برضه!!" و "إحنا كنا بندفع بعض ونتخانق علشان كنا بنجري للشهادة لكن مع الأسف ربنا لم يكرمني بها"، "كان نفسى فيها قوي. كنت متخيله أنها لو حصلت هشوف بابا وأهديها له وأخلد أسمه في الدنيا لما يكتبوا أسمى مع الشهداء بس لسه عندي أمل ياااارب يكتبها لي"، "والله العظيم كان بيضحك لي أنا عارفه أنه كان عارف أنى هعمل كده وكان مرتاح وفي أثناء الثورة كنت دايما بقول لزمايلي مش إيمان اللي واقفة معاكوا لأ ده ناجي مصطفى اللي واقف مش أنا. كان نفسي أشوفه وساعة التنحي في الميدان بعد ما قلت الحمد لله فضلت أنادى عليه بأعلى صوت وأصرخ وأقوله الحمد لله يا بابا اللي كنت عايزه، ولادك عملوه ومش عارفه هتصدقني ولا لأ بس كنت شايفة وشه بينظر لي ويضحك ويقولي زي ما كان دايما بيقول شاطره يا إيمان بنت أبوكى صحيح أنا عارف أنى خلفت راجل. الله يرحمه".
لون من المشاعر يحدد دافعا لم يرصده المحللون، دافع اختمر ولم يكن حدثا انفعاليا، وهو يقول أن الجيل الذي تحرك كان امتدادا لجيل سبقه، ولحظة الثورة تحددت عندما وصل حجم نمو الرفض وانتشاره الحجم الحرج الذي أديى للانفجار. زهرة اللوتس المصرية ابنة النيل كانت من الجرانيت الأحمر، وجدتها في المؤتمر، جاءت لتشارك في التنظيم.
ويتحدث محمد فائق كلمة المؤتمر الرئيسية، ويتضمن المؤتمر مداخلتين واحدة لنجل جمال عبدالناصر المهندس عبدالحكيم، والمداخلة الأخرى لناجح إبراهيم أحد قيادات الجماعات الإسلامية، ويحضر المؤتمر رئيس الطرق الصوفية!.
كأن المؤتمر ينافس ذاته، كان يحاول أن يقوم بكل المهام الفكرية، والتنظيمية وإنتاج قياده للثورة، عبر محاوره، وخلال يوم واحد ويستهدف المؤتمر الوصول إلى توافق عريض حول عدد من المسائل الأساسية: المبادئ الأساسية للدستور القادم، ورؤية مستقبلية للتنمية ومتطلبات العدل الاجتماعي، وأهمية دعم قائمة انتخابية موحدة، التوافق على مجلس وطني لدعم واستمرار الثورة.
وتقدم المؤتمر على هذه المحاور، علي وعد بان يكون اللقاء الثاني في النوبة، بأقصى الجنوب. وأن تبدأ مهمة إنجاز المجلس الوطني بإنتاجه من قاعدة شعبيه تمتد بطول الوطن وعمق تكوينه.
اقترب المؤتمر من نسبة 50% من مقاعد المجالس النيابية للعمال والفلاحين، وخرجت أصوات كثيرة تطالب بالغائها، ووقف أحد الفلاحين ليقول أنه منذ غياب عبدالناصر، وأصبح العمال والفلاحون غائبين عن المشهد الوطني، وكأنه يذكرهم بغياب تمثيل العمال والفلاحين بما يتناسب مع وجودهم في المجتمع، وأوضح الحاجة إلى مؤتمر لدراسة ممارسة الحياة السياسية في مصر، وأننا في حاجة للمصالحة مع تاريخنا، وأن القضايا الاقتصادية تحتاج إلى مؤتمر علمي يخصها، وكذلك قضية العنف المتزايد، وقضية التنظيمات الدينية والخطر علي المجتمع، ويكشف ذلك أن الجمعية الوطنية للدستور هي محطة الوصول عبر مسارات عديدة، وليست مجرد استنباط لمواد دستورية جامدة.
كتلة شعبيه ينقصها أن تكتمل ببضع إضافات لا تحتاج التعجل، تبدأ من مؤتمر مصالحة التاريخ الوطني الذي تملكه الأمة، وتمر عبر تمثيل الفلاحين والعمال، وتبحث أمر اقتصاد الوطن في مؤتمر خاص به، وأن تنضج آلية بناء المجلس الوطني.
المؤتمر أعلن ميلاد مشروع الكتلة الشعبية الوازنة للعلاقات داخل المجتمع، وانتقلت المهام إلى الجغرافيا والقضايا الضرورية لبناء الدولة والحياة السياسية، فهل ينجح المؤتمر في مهامه؟ الزمن أمامنا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1446
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1284
| 19 مايو 2026
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1128
| 23 مايو 2026