حفتر يناور لإعادة تنظيم ميليشياته انتظاراً لمؤتمر برلين

السراج وميركل

كلمات دالة

الدوحة - الشرق

نقلت وكالة إنترفاكس الروسية امس عن وزارة الدفاع قولها إن خليفة حفتر كان إيجابيا إزاء اتفاق لوقف إطلاق النار صيغ في محادثات بموسكو وإنه سيأخذ يومين في مناقشة الاتفاق.
ونسبت إنترفاكس إلى الوزارة قولها إن استعداد طرفي الصراع الليبي لدعم وقف لإطلاق النار أشاع أجواء إيجابية وسط مسعى دبلوماسي لإرساء الاستقرار في ليبيا. لكن حفتر فاجأ موسكو بمغادرته المفاوضات بحجة المشاورات.لكن هل لمغادرته موسكو والإعلان عن عقد مؤتمر برلين الأحد علاقة بهذا الموقف؟وما الذي تعده برلين ويختلف عن مفاوضات موسكو ؟

رغم موافقته المبدئية على وقف إطلاق النار تحت ضغط دولي، إلا أن خليفة حفتر، قائد مليشيات الشرق الليبي، مازال يراوده حلم اقتحام طرابلس لكنه وجد نفسه "عاجزا" عن السيطرة على جميع مليشياته وخاصة اللواء التاسع ترهونة، الذي كان وراء أغلب الخروقات للهدنة التي بدأت منذ الأحد،.

وشكل رفض قيادات في مليشيات حفتر سواء التابعة للواء التاسع ترهونة (الكانيات) أو الموالية لنظام القذافي السابق، أحد الأسباب الرئيسية لمغادرته العاصمة الروسية موسكو، صباح امس دون التوقيع على مسودة الاتفاق مع حكومة الوفاق.

ونشرت عدة صفحات على شبكات التواصل الاجتماعي، تابعة لمليشيات الكانيات، رفضها لأي هدنة مع الحكومة الليبية، المعترف بها دوليا، خشية أن يؤدي انسحاب مليشيات حفتر إلى مواقعها في شرق البلاد، إلى إضعاف موقفها السياسي والعسكري، خاصة وأن مدينة ترهونة (90 كلم جنوب شرق طرابلس) التي يتحدر منها أغلب عناصر الكانيات، محاطة بمدن موالية لحكومة الوفاق.
وكشفت مصادر واسعة الاطلاع للاناضول أن توقيع حفتر على هدنة مع قوات الوفاق كان من شأنه إحداث شرخ في صفوف مليشيات حفتر، وقد لا تلتزم بعضها بقراراته مما يجعل الأخير في نظر المجتمع الدولي، ضعيفا، وغير قادر على السيطرة على مليشياته، كما قد يؤدي ببعض قادته للبحث عن بديل له.

وبررت مواقع موالية لحفتر سبب انسحابه من موسكو، دون توقيع على مسودة الاتفاق، بعدم تضمن المسودة عدة شروط؛ أبرزها حل جميع المليشيات، في حين تضمنت المسودة حديث عن حل بعض المليشيات فقط (دون تحديدها).

كما رفض حفتر أي مشاركة تركيا في الإشراف على وقف إطلاق النار في ليبيا، واشترط سحب قواتها من ليبيا، وتجميد الاتفاق بينها وبين الحكومة الليبية، وعدم توقيع الأخيرة على اتفاقيات من دون الرجوع إليه، بحسب المصادر ذاتها، غير أنه لم يتم تأكيد هذه المعلومات من مصادر مستقلة.

وذهبت بعض الصفحات الموالية لحفتر بعيدا عندما أشارت إلى أن حفتر، اشترط حل المجلس الرئاسي وجميع كتائب الوفاق، ودخول مليشياته العاصمة طرابلس دون قتال، وتشكيل جيش موحد يكون على رأسه.

من جهته، اتهم المحلل السياسي الليبي وليد ارتيمة، قوى عربية بالتأثير على قرار حفتر، وأشار لدى استضافته في قناة الجزيرة، الى أن القائم بأعمال سفارة عربية بموسكو كان "لصيقا" طوال الوقت بحفتر خلال مراحل المباحثات بموسكو.

هذه الخلفيات والشروط مجتمعة دفعت حفتر لطلب مهلة، قبل أن يفر هاربا من موسكو، لتجنب مزيد من الضغوط قد تمارسها روسيا، لدفعه للتوقيع على مسودة الاتفاق.

ضغوط دولية
كانت مليشيات خليفة حفتر، رضخت للمبادرة التركية الروسية لوقف إطلاق النار، بعد أن رفضتها قبل ثلاثة أيام، مما يعكس أن المزاج الدولي المتغاضي عن جرائم حفتر وحلفائه بدأ يتغير منذ مجزرة طلبة الأكاديمية العسكرية في العاصمة طرابلس، واقتراب عقد مؤتمر برلين الاحد.

فلم يسبق لحفتر، أن استجاب من قبل لعدة دعوات دولية بما فيها الأمريكية، لوقف إطلاق النار، مما يعكس أنه تعرض لضغط قوي من حلفائه وعلى رأسهم الروس، مما دفعه للتراجع خطوة إلى الوراء.
وأبرز التغييرات الدولية التي دفعت المجتمع الدولي إلى زيادة نسبة ضغطه على حفتر، دخول المرتزقة الروس أرض المعركة لصالح حفتر مما أثار قلق الولايات المتحدة الأمريكية، وقرار تركيا بموافقة برلمانها إرسال جنودها إلى طرابلس لدعم حكومة الوفاق (المعترف بها دوليا)، مما حرك المياه الراكدة وبدأ في موازنة الموقف العسكري الميداني.


كما أن خروج الجزائر من أزمتها، وتكشيرها عن أنيابها في وجه ما وصفته "العدوان"، وإعلانها أن "طرابلس خط أحمر"، واتصالها بمختلف الأطراف الدولية الفاعلة في الملف الليبي للدفع بالحل السياسي وامتصاص حدة النزاع، زاد الضغط على حفتر وحلفائه، لأنه أظهرهم كطرف معتدي ورافض للحوار.
أما الاتحاد الأوروبي، الذي ترك الملف الليبي بين أيدي فرنسا وإيطاليا المتنازعتين على النفوذ في بلاد عمر المختار، فوجد أن تركيا وروسيا سحبتا منه البساط، خاصة بعد أن أصبح لهما موطئ قدم في ليبيا، واتفاقهما على مبادرة وقف إطلاق النار، التي لقيت استجابة من طرفي النزاع.
لكن اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، بشكل طارئ في بروكسل، الجمعة، جاء لإعادة تدارك الموقف في ليبيا، ورسم استراتيجية تحرك في هذا الملف، من خلال تأكيد دعمه لمؤتمر برلين، ودعوته لوقف إطلاق النار.

أما أكبر الخاسرين في الحراك الدولي الأخير، فهم الداعمون لحفتر، والذين تقلص دورهم في ليبيا بعد دخول كل من روسيا وتركيا إلى ميدان الصراع.
فمعارضة البعض قرار تركيا إرسال جنودها إلى ليبيا بطلب من الحكومة الشرعية، أوقعهم في تناقض، بحكم أنهم من أولى البلدان التي تدخلت عسكريا لدعم ميليشيات متمردة على الحكومة الليبية، وظهر ذلك جليا في بيان الجامعة العربية الذي رفض جميع التدخلات الأجنبية "أيا كان نوعه".

وعبثا حاول الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، قَصْرَ "التدخلات الأجنبية" على غير العرب، ما قلب السحر على الساحر، خاصة بعد تأكيد بيان الجامعة على شرعية حكومة الوفاق.
وهذا التسابق الدولي نحو ليبيا، من شأنه زيادة الضغط على حفتر، لوقف هجومه المتعثر على طرابلس، خاصة مع بداية تبلور موقف دولي مطالب بوقف إطلاق النار، وداعم للحل السياسي، قد يتجسد في مؤتمر برلين، والذي يعقبه مباشرة لقاء جنيف بين طرفي النزاع في ليبيا.

لصالح من وقف إطلاق النار؟
رغم أن مليشيات حفتر أوقفت إطلاق النار تحت ضغط دولي، وروسي خاصة، إلا أن ذلك سيسمح لها بتعزيز مواقعها التي سيطرت عليها في الأشهر الأخيرة سواء في محيط طرابلس، أو في مدينة سرت (450 كلم شرق طرابلس)، التي دخلتها في 7 يناير الجاري.
كما يمكن أن تحشد مليشيات حفتر المزيد من العناصر سواء من أفراد الشرطة أو المرتزقة الأجانب، ومحاولة إغراء كتائب بالمال والمناصب أو باستغلال العنصر القبلي أو الإيديولوجي على غرار ما حدث في سرت.

فضلا عن إمكانية تحريك مليشيات حفتر، لمنظومة بانستير المضادة للطيران، أو المدفعية الثقيلة التي يتجاوز مداها 10 كلم نحو مناطق متقدمة جنوبي طرابلس، مما يضيق الخناق على قوات حكومة الوفاق.
أما بالنسبة لحكومة الوفاق، فيمثل وقف إطلاق النار فرصة لالتقاط الأنفاس، وإعادة تنظيم الصفوف وتوزيع القوات، وتقوية الدفاعات، خاصة في المحاور التي تتحمل الجزء الأكبر من ضغط المعركة، على غرار محوري صلاح الدين والخلاطات جنوبي طرابلس، فضلا عن استئناف الرحلات الجوية بمطار معيتيقة الدولي (المنفذ الجوي الوحيد بطرابلس).

وقد رحبت حكومة الوفاق بالمبادرة التركية الروسية، ودعا فايز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني التي تعترف بها الأمم المتحدة، الليبيّين إلى "طيّ صفحة الماضي". وقال "أدعو كلّ الليبيّين إلى طيّ صفحة الماضي ونبذ الفرقة ورصّ الصفوف للانطلاق نحو السلام والاستقرار".

واكد السراج "لا تعتقدوا أبداً أننا سنفرط في تضحيات أبنائنا ودماء شهدائنا، أو بيعنا لحلم السير نحو الدولة المدنية"، مشيرا إلى أن "خطوة التوقيع على وقف اطلاق النار إنما هي للدفع بهذا الاتفاق إلى الأمام ولمنع إراقة المزيد من الدم الليبي".

وتابع أن "وقف إطلاق النار ما هو إلا خطوة أولى في تبديد أوهام الطامعين في السلطة بقوة السلاح والحالمين بعودة الاستبداد والمسار السياسي الذي سنخوضه سيكون استكمالاً للتضحيات الجسام التي بذلت في سبيل قيام دولتنا التي نحلم بها"

لكن قد لا يلبِي وقف إطلاق النار، أحد أهم مطالب الحكومة الليبية، في انسحاب مليشيات حفتر، إلى مواقعها التي انطلقت منها في 4 أبريل/نيسان الماضي.
وليس واضحا كم سيصمد وقف إطلاق النار، في ظل اتهامات الطرفين لبعضهما بخرقه، لكن على الأغلب ستسعى القوى الدولية وعلى رأسها تركيا وروسيا لاستمراره لأطول مدة ممكنة إلى غاية التوصل لاتفاق دائم بعد عقد مؤتمري برلين وجنيف.
لكن من المؤكد أن كل طرف سيحاول الاستفادة من وقف إطلاق النار، لتعزيز موقفه التفاوضي أو الاستعداد لجولة جديدة من المعارك.
انسحاب حفتر من مفاوضات موسكو يشير الى ضغوط اقليمية ترفض مشاركة اطراف دولية معينة في مؤتمر برلين وربما يشير الى خلاف داخلي منع حفتر من الاستجابة لمطلب شعبي بصون الدم الليبي ووقف اطلاق النار وطي صفحة الماضي ويبدو ان حلم السيطرة و السيادة الخالصة مازال يراود جنرال شرق ليبيا.

** برلين ترى امكانية حل الازمة بعد اجتماع بروكسل الاخير وقد أعدت مسودة اتفاق سيجري تمريره خلال القمة تتضمن بنودا من اهمها تجميد التدخل الخارجي وحظر الدعم العسكري لأطراف النزاع وحظر تصدير السلاح والذهاب الى عملية سياسية برعاية اللاعبين الكبار فهل سيصمد اتفاق برلين وما هي ضمانات ألمانيا لنجاح مؤتمرها ؟ هذا ماستكشفه العمليات على أرض الواقع.