الثورات العربية على أنغام موسيقى الراب

مغني الراب اللبناني جعفر الطفار

كلمات دالة

أماني جحا

للموسيقى أهمية كبيرة بيوميات حياتنا العادية، تؤثر على هويتنا كأفراد وكمجتمع، من ناحية الشكل والصورة بغضّ النظر عن اللغة أو المصدر أو الوقت. فتصبح الموسيقى انعكاس لصورة المجتمع والناس والزمن والحالة الاجتماعية والسياسية. فكما يستخدم الناس الموسيقى للتعبير عن الحب والحزن والالم والبهجة، كذلك استُعملت للتعبير عن حالة الرفض للوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي العام. وأصبحت الموسيقى طريقة للاحتجاج، وإن كانت تمثل وجهة نظر من صدرت عنه وإلزام مردديها بسلطة مطلقها.

وللأغنية تأثير كبير في الثورات، لتلازمهما عبر التاريخ، إذ ما زلنا نردد ألحاناً خرجت من رحم ديكتاتوريات أوروبا العتيقة قبل عصور الثورة الصناعية والانفتاح. كذلك هنا، في الشرق، فإن الأغنية الثورية هي جزء من تاريخنا، وقصص نضالنا ضد الاستعمار، وحالياً هي جزء من غضبنا على الأنظمة الحاكمة الموجودة، وما آلت إليه أوضاع بلادنا اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.
صحيح أنه وطن عربي، لكن اختلاف اللهجة، والتعبير، وسبب الثورة، جعل لكل بلد خاصيته في إنتاج الأغنية الثورية. فقد تلاقت حيناً وتفردت في أحيان أخرى. تماماً كما الشعارات والهتافات التي أطلقها المتظاهرين في جميع الميادين، تعبيراً عن حالة الغضب والسخط الذي يعيشونه، حتى أن بعضها خرج عن حدود اللياقة والأدبيات العامة، التي دأب المجتمع العربي للحفاظ عليها على حساب الأداء نفسه.

وبقيت الإهانة في الكلمات النابية وليس فيما وصل إليه الحال.
في الشارع اللبناني شعارات وهتافات وموسيقى خاصة، تفرّد بها مطلقيها إلى أن أصبحت متلازمة مع الشارع وتعبيراً حقيقياً صادقاً عن الوضع. وارتبط أسماء بعضها بساحات النضال، وتحول بعضهم إلى أيقونات للثورة.

"بدي ثورة تحمي شعب وتمحي إسرائيل"، بهذه الكلمات أشعل مغني الراب اللبناني جعفر الطفار أحاسيس الثوار، فرددوا شعاره وكلماته وأغانيه ورقصوا على أنغام موسيقى الراب، حتى أصبح شعاره أحد عناوين الثورة ودعائمها.

الطفار مولود عام 1987 بمنطقة الهرمل في البقاع (شرق لبنان)، في قرية يتبادل أهلها الحديث بالعتابا والشعر. حفظ العديد من الأغاني الفولكلورية إلى أن تعرّف على فرقة "كتيبة خمسة"، وهي فرقة راب فلسطينية، وشعر بأنه ينتمي إلى هذا النوع من الموسيقى والتعبير وأنها تشبهه وتشبه واقعه. سجل أول أغنية باسم "مدينة الشهداء" على إيقاع فرقة "كتيبة خمسة". ثم صدر بعدها ألبوم "صحاب الأرض" وألبوم "عشيري" والعديد من الأغاني المنفردة، آخرها أغنية "ممنوع" أول ايام ثورة 17 أكتوبر 2019.

"هيدي الثورة مش بس بتشبهني هيدي الثورة عم غنيلها من الـ2009"، هكذا يعبّر جعفر عن ما تمثله الثورة في نفسه، فهذه المطالب المحقة برأيه من تغيير للمنظومة الفاسدة الحاكمة بحق الشعب اللبناني. للمواطن الحق في الطبابة والسكن والكهرباء والماء وغيره. حق له أن يستعيد ماله المنهوب ومحاسبة الناهبين. لنا كشعب لبناني الحق بقانون عادل يمثلنا.

في ساحات الثورة صدح صوت جعفر وموسيقى الراب حتى أن البعض أطلق عليه مغني الثورة. وكان له أغنية مفادها:
"لما تبرم الأيام الأهل وربعك يتركوك تواجه كون
وما تستوعب المصيبة منوين عم تجيك
المصايب من الله هيك بيقولوا رجال الدين
ولبيشوف مصايب غيرو المصيبة عندو بتهون
دين لي كان يرضى بكلبين صاير عشر كلاب يجر
حتى تدفع للديينة رهين الأرض سحاب القرض
وعسكر الموسم اللي بعدو بيبقى كم دونم بالعرض
والعمر عم ياخد حقو، إيد لي بتزرع اكسرها
الحجة لي بتسند أخدها، وفوق الموتة عصة قبر
رجال الحصاد عالطريق جايين
ابنك من بعد ما اتعلم علماتو ما بيفيدوه بدو
وسايط يتوظف خادم لخادم من قبلو بزمانو شو
مسح جوخ
كلو هين يبين عمي يس ما تتحول شيطان أخرس
ساكت عن الحق ناطق رسمي بإسم الرب...."
ولا يزال جعفر حتى اليوم في أدائه لأغانيه محافظاً على لهجته البقاعية، فيعطها روحاً وبعداً آخر. لا شك أن جعفر الطفار وأسلوبه كان ثورية قبل اعلان حالة النفير بين أبناء الوطن لرفض كل شي.
تتشابه الثورات في العالم من ناحية الأسباب والأهداف، وتختلف فيما بينها بحسب الروح والطريقة والتغبير. والمراقب نوعاً ما لثورات "الربيع العربي" يرى بأن ما يحصل في لبنان مشابه قليلاً لها، وملتقياً مع شعارات الشارع وموسيقاه، بل أكثر مما رُفع في الشارع السوري أو العراقي.

تشبه الثورة المصرية ما يحصل في لبنان قليلاً. سلطة حكمت متناسية مواطنيها، الذين أصبحت مطالبهم بحاجة لقلب الطاولة والثورة على النظام وكل ما أنتجه، فالفقر قد يصنع من الملاك شيطاناً. في العراق أيضاً، وجع وفقر واهمال وفساد مستشري، فضلاً عن كونه بلداً أنهكته حروبه الخاصة وحروب المنطقة، وتدخلات الدول، لتصبح ثورته مطلبية وسياسية. سوريا ايضاً لم تعد تتحمّل الدماء.
يختلف ما يحصل في لبنان عما بحصل في المنطقة، رغم الشبه القليل مع مصر، لكن ثوار لبنان حملوا بعضاً من شعارات حملها ثوار مصر وبعضاً من أغانيها. فالشعارات والأغاني الثورية جزء لا يتجزأ من الثورة وزخمها وبث الروح في مناصريها، فتسمع في ساحة رياض الصلح مثلاً في بيروت، أغنية "العرص" وأغنية التراس أهلاوي "حكايتنا".

كذلك لا بد من ترداد "عللي سور المصرف عللي بكرا الثورة تشيل ما تخلي". وهو شعار مصري أطلق مع بداية الثورة في مصر "عللي سور السجن وعللي بكرا الثورة تشيل ما تخللي". وعلى الرغم من سيطرة العنصر الشبابي على الثورات العربية، تحديداً من كانوا بين سني الـ18 والـ35، لكن ذلك لا يمنع من اختلاف مطالب واحتياجات الشباب العربي بين دولة عربية وأخرى.

وعلى الرغم من تشابه أنظمة الحكم الديكتاتورية بين سوريا ومصر، إلا أن وقع الثورة يختلف كثيراً بين البلدين، فالنظام السوري في آلياته، والمجتمع السوري في تركيبته، يختلفان اختلافاً جوهريا عن النظام والمجتمع المصريين. كذلك تونس، الثورة العربية الأولى في ثورات "الرببع العربي"، التي كانت الأجمل والأفضل، فإنها لا تشبه، لا في الصورة ولا في الشكل، نظيراتها العربية حتى الجزائرية منها. لكن تشابه الشعارات والموسيقى سببه تشابه المطالب وأسباب الثورة وآلياتها أحيانا.

قد نتفق فقط أن ما جمع الثورات العربية في هذه الفترة هو بروز دور المرأة، خصوصاً السودان والجزائر ومصر ولبنان والعراق. وهو ما دفع إلى وصف الثورات بأنها "أنثى" وهو واقع جديد رسمته سيدات هذه الدول ووعيها المتراكم والاعتراف بأهمية دورها الاجتماعي والسياسي في إدارة شؤون الوطن. فاتخذن قرارهن بأن يبرزن في الشارع ويتصدرن الساحات ويعليهن أصواتهن بكل اللهجات العربية صارخات: نحن هنا.

والحديث عن التشابه والاختلاف بين الثورات العربية يحتاج إلى مجلدات، لان لكل زاوية منها سواء كان اجتماعياً أو اقتصاديا أو حتى سياسياً، حالة تدرس على حدى. في لبنان ثورة وثورات، لحن وشعارات، تردد هنا وهناك. فالثورة رفض وصرخة من القلب. مواطن لم يعد يحتمل، ومواطنين نفضوا عنهم غبار سنين، موسيقى تجمعهم على أنغامها في الساحات، يصرخون ويهتفون، شعارات وكلمات تعبر عنهم وعن ألمهم.