رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محمد يوسف صالح حسان

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

303

محمد يوسف صالح حسان

يا أهل قطر.. «لن تراعوا»

27 مارس 2026 , 01:34ص

أمام أمواج الاضطرابات التي يموج بها عالمنا اليوم، ما الذي يجعل بلداً كقطر يواجه التحديات بقلبٍ مطمئن ويقين راسخ، مستحضرا صدى النداء النبوي الخالد: «لن تراعوا؟»، وهي الكلمة التي وجهها الدكتور محمد الصغير لأهل قطر عبر منصات التواصل الاجتماعي “يا أهل قطر لن تراعوا”. مستلهما إياه من تفاصيل تلك الحادثة التي يرويها الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه كما وردت في صحيحي البخاري ومسلم.

ففي ليلة من الليالي، استيقظ أهل المدينة المنورة على صوت صيحة عظيمة أو جلبة مفاجئة أخافت الناس، فظنوا أن عدوا قد داهم المدينة. خرج الرجال من بيوتهم فزعين وتوجهوا نحو مصدر الصوت ليستطلعوا الأمر. وبينما هم في طريقهم نحو الصوت، وجدوا النبي ﷺ راجعا من هناك! فقد كان ﷺ أسرع الناس استجابة، فبمجرد سماع الصوت، لم ينتظر تكوين فرقة استطلاع، بل امتطى فرسا لأبي طلحة (كان فرسا بطيئا وعاريا بلا سرج)، وتقلد سيفه وانطلق وحيدا نحو مصدر الخطر.

حين التقى بالناس وهم في طريقهم للفزع، استقبلهم بوجه مطمئن وبكلمات خلّدها التاريخ: «لَنْ تُرَاعُوا، لَنْ تُرَاعُوا (لا تخافوا، لا بأس عليكم، لقد استطلعت الأمر ولا يوجد خطر.

ومما يُروى في جمال هذه القصة، أن الفرس الذي ركبه النبي ﷺ كان معروفا ببطئه (يُسمى فرسا قطوفا)، لكنه بعد تلك الليلة وببركة ركوب النبي ﷺ له، صار من أسرع الخيول، فقال عنه ﷺ: (إنْ وجَدْنَاهُ لَبَحْرا) أي واسع الجري كالبحر.

إن هذا النداء النبوي لم يكن مجرد عبارة لطمأنة القلوب الوجلة، بل كان دستورا أخلاقيا يربط بين الشجاعة والمسؤولية، وبين العمل الصالح والحفظ الإلهي. وحين يُسقط هذا المعنى على واقعنا المعاصر، ندرك أن استقرار الدول وطمأنينة المجتمعات ليست بمنأى عن إحسانها للآخرين، فاليد التي تمتد بالبناء والإغاثة في أقاصي الأرض، تعود بالخير والأمن على موطنها الأصلي، تطبيقا للقاعدة النبوية «صنائع المعروف تقي مصارع السوء». وهكذا يواجه بلد كقطر التحديات بقلب مطمئن ويقين راسخ، إيمانا بأن من كان في عون الخلق، كان الله في عونه وحفظه. إن العمل الإنساني الذي عُرف به أهل قطر لم يقتصر يوما على الجانب المادي، بل كان تعبيرا عن فلسفة عميقة تؤمن بأن الإنسان لأخيه الإنسان، وأن النعم تُحفظ بالشكر والمواساة. هذا العطاء الذي وصفه الدكتور محمد الصغير بـ «الأيادي البيضاء» التي لم تترك ثغرا في بلاد العرب والمسلمين إلا وبلسمت جراحه، هو الحصن الحصين الذي يقي من عاديات الزمن. فالأمان الحقيقي يبدأ من الداخل، من اليقين بأن من سار في حاجة الناس سار الله في حاجته، ومن فرج كربة ملهوف، ادخر لنفسه ولأهله وقاية من نوائب الدهر. وفي عالم يموج بالاضطرابات، تبرز هذه القيم كبوصلة تهدي القلوب إلى السكينة، وتؤكد أن الخير لا يضيع أثره، بل يرتد على فاعله سكينة في النفس وبركة في الرزق وحفظا للبلاد.إن الربط بين المنهج النبوي في الطمأنينة وبين ممارسة الإحسان اليومي يعزز من مفهوم «المواطنة الأخلاقية»، حيث يصبح الفرد حارسا لأمن وطنه ليس بسلاحه فقط، بل بجميل فعله ونبل مقصده. وما قاله الدكتور محمد الصغير هو تذكير بأن هذا النهج هو ميراث أصيل وجب التمسك به، فما دامت الأيادي تمتد بالخير، فإن القلوب ستظل مطمئنة والديار ستظل عامرة بفضل الله ثم بفضل تلك الأرواح التي لم تبخل يوما بمد يد العون لكل محتاج. إنها رسالة وفاء لشعب جعل من العطاء لغة عالمية، ومن اليقين بالله درعا وسياجا، ليظل الأمان صفة ملازمة لهذه الأرض الطيبة، ولتظل عبارة «لن تراعوا» صدى يتردد في كل زاوية من زواياها، تبدد الخوف وتزرع الأمل في غد أكثر إشراقا وسلاما.

اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئنا سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين. اللهم احفظ قطر وأهلها، ومن سكن في رحابها، بحفظك الذي لا يرام، وبعينك التي لا تنام. اللهم وفق قيادتها لما فيه خير العباد والبلاد، واجعلها دائما منارة للخير، ويدا تمتد بالإغاثة للملهوفين، وبلسما لجراح المنكوبين.اللهم أدم عليهم نعمة الأمن والأمان، وزدهم من فضلك وبركاتك، واجعلهم دائما مجتمعين على الحق، متآلفين على الخير، مستمسكين بهدي نبيك الكريم ﷺ، حتى يظل نداء «لن تراعوا» واقعا يعيشونه وطمأنينة تسكن قلوبهم.

اللهم تقبل منهم صالح أعمالهم وصنائع معروفهم، واجعلها حرزا لهم من كل سوء، وحصنا لبلادهم من كل مكروه.. آمين يا رب العالمين.

مساحة إعلانية