بقلم : د. عبدالله العمادي الخميس 17-08-2017 الساعة 12:02 ص

البوصلة السعودية وهي تشير إلى طهران

د. عبدالله العمادي

دون مقدمات.. تتقاطر وجوه سياسية من شيعة العراق نحو السعودية في خطوة مفاجئة لا تقل غرابة عن خطوات المملكة السابقة، كالدعم اللامحدود والسريع للانقلاب العسكري في مصر، والحرب على اليمن، ومن ثم حصار قطر، ليكتمل بمسلسل الغرابة ويحدث نوع من الود والتهافت المتسارع نحو شخصيات عراقية، مع سرعة ملحوظة في الانفتاح على هذا البلد الجريح، ما يفيد أن أمرًا ما يحدث خفية، تمهيدًا للإعلان عنه. وأحسبُ أن تلك الخطوات لا يمكن تفسيرها إلا بعد أن يتم ربط عدة نقاط ببعضها.

ما يدعو إلى الاستغراب أولًا من تلك الخطوات المفاجئة ومن ثم التساؤل بعده، هو تسريبات البريد الإلكتروني لسفير أبو ظبي في واشنطن، التي تأتي بشكل متدرج وعلى أقساط مريحة، لتؤكد أن الخطوات التي يقوم بها الرباعي المتأزم، لاسيَّما السعودية وأبو ظبي، دلالة على وجود تخبط وتأزم كبير تعيشهما الدولتان.

واضح أن هناك توجهًا متسارعًا نحو العراق، تؤيده تسريبات أخيرة من بريد العتيبة، والتي منها حول ولي العهد السعودي وتواصله مع شخصيات سياسية أمريكية لأجل بحث حلول التخلص من ورطة اليمن وبأي طريقة، وأنه لا مانع لدى السعودية في حلول دبلوماسية، ولو اقتضى التعاون والتفاهم مع إيران، ولو كان تحت نظر وإشراف الأمريكان!

لكن يبدو أن هناك تباطؤًا أمريكيًا في هذه المسألة التي يتطلع إليها بن سلمان، المعروف عنه التسرع في كثير من الأمور. فهو يريد من الأمريكان سرعة حسم مسألة الحرب التي أرهقت ميزانية المملكة، وصارت نتائجها سلبية شوهت الكثير مما كان ولي العهد السعودي يمني نفسه به، وأهمها الخروج من الحرب منتصرًا، ليظهر بصورة البطل القومي الذي يجد الترحيب والقبول الشعبي والإقليمي الذي يساعده على أن يكون ملك المستقبل.. لكن الحرب شوهت صورته كثيرًا بالداخل والخارج.

التباطؤ أو التلكؤ الأمريكي في الاستجابة لرغبة ولي العهد السعودي، قد يكون أشبه بقرصة أذن لصاحب قرار الحرب، باعتبار أنه قرار حاد بعض الشيء عن النهج الأمريكي في التعامل مع قضايا المنطقة ومنها اليمن. أضف إلى أن هذا التباطؤ الأمريكي سببه تلك الحيرة في كيفية تخليص دولة بحجم المملكة من ورطتها في اليمن. ما يعني أن الإخراج المناسب لعملية التخليص يحتاج وقتًا وتهيئة مناسبة للرأي العام، سواء في العالم العربي أو العالمي. ذلك أن إنهاء الحرب فجأة دون مقدمات ومبررات منطقية ومن جانب السعودية، سيُظهرها ومن معها بمظهر المنهزمين، وبالتالي سيعلو شأن الحوثيين، وهذا يضر بصورة المملكة، ذات الجيش الكبير والإمكانات الهائلة والتي بدأت بمهاجمة اليمن أولًا.. لذا يرى الأمريكان أن خروج المملكة من الحرب للتخلص من عبئها هكذا بالسرعة التي يريدها بن سلمان، يعني خروجها منهزمة، وهذا يؤثر دون شك على صورة السعودية كدولة كبيرة، شاع منذ زمن لا بأس به، أهمية وإيجابية الرهان عليها كقوة مؤثرة في مسألة حفظ الأمن والتوازن الإقليمي بالمنطقة.. هذه النهاية غير السارة لا تريدها الولايات المتحدة لأقوى حلفائها بالمنطقة، وهذا ربما يفسر سبب التأخر الأمريكي في دعم رغبة بن سلمان.

لكن بن سلمان، وبما عُرف عنه التسرع والتهور والاندفاع غير الواعي المدروس، كما لو أنه مصاب بما يُعرف بالطب النفسي باضطراب السيطرة على الاندفاع IDC (Impulse disorder control) ، وهو نوع من الاضطراب يصاب به المرء، بحيث لا يفكر في عواقب أعماله، وبالتالي قد يلحق الضرر بنفسه كما الآخرين.. ولأنه كذلك، لم يصبر على هذا التأني الأمريكي في مسألة إنهاء حرب اليمن، فكان القرار هو التوجه الفجائي نحو شيعة العراق، بدعوى سحب البساط من تحت أقدام إيران فيما يخص شيعة العراق، والذي تبين بعد قليل من الوقت أن الأمر ليس فيه سحب أو دفع.

لقد بانت سذاجة فكرة سحب البساط سريعًا، الأمر الذي أدى لترويج فكرة أخرى مفادها أن التوجه نحو إيران، وقيام أبو ظبي بالمثل ومن ثم البحرين ومصر، إنما لإحداث نوع من الضغط على طهران لتعميق محاصرة قطر، واشتعلت منصات التواصل بهذا السخف من الفكر والقول غير المتوافق مع منطق الواقع والأشياء.

التفسير الأقرب للمعطيات الواقعية الحالية لهذا التوافد والتهافت من المملكة نحو إيران، ومن بعد ربط كل النقاط السابقة ببعضها، هو استخدام العراق كوسيط بينها وبين إيران، من أجل التهدئة والتفاهم بانفتاح وأريحية تامة على ملفات عالقة متأزمة بينهما، مقابل استخدام إيران نفوذها وتأثيرها على بعض مكونات المشهد اليمني من أجل إنهاء الحرب، باعتبار أن مفتاح إيقاف هذه الحرب وإخراج المملكة السعودية من المهلكة اليمنية بيد طهران بصورة فاعلة وليس بيد غيرها، حتى وإن لم تكن تامة، باعتبار أن إيران قد تؤثر على الحوثي ومن معه، لكن تأثيرها ليس بتلك الفاعلية على صالح ومن معه، وهذا الرجل لا يزال رقمًا صعبًا في المشهد اليمني لم ينته بعد.. على صالح يريد إعلان وقف الحرب من جانب المملكة مع تعويض سخي، وهذا أمر لا أشك في أن السعودية تبحثه منذ زمن ولكن الإشكالية أيضًا كامنة في الإخراج المناسب لمشهد وقف الحرب والتفاهم مع صالح، وهنا ليس لإيران كبير تأثير، لكن يبرز دور أبو ظبي بشكل أوضح وقدرتها على فك المعضلة، ليس لوجه الله طبعًا، ولكن مقابل مصالح إستراتيجية، التي لا أشك أيضًا أنها تتمثل في ذاك النوع من التفاهم الحاصل بين السعودية وأبو ظبي على تقسيم اليمن.

خلاصة القول..

السعودية منذ أن راهنت على التغيير في مصر وتقديم دعم سخي، لا يزال يتواصل للانقلاب العسكري، وهي تسير من أزمة إلى أخرى، وآخرها التي ربما لا تكون الأخيرة، الأزمة الجارية مع قطر، التي صارت بحق أزمة كاشفة فاضحة، كشفت الكثير من السوءات وصبيانية القرارات وعمق الارتهان لتوجهات أبو ظبي التي ما زادت المملكة غير تخسير.

إيران لا تريد إنهاء حرب اليمن التي يصب استمرارها في صالح مشروعها الإستراتيجي، ولن توقفها إلا بعد أن تستنزف السعودية التي خسرت كل القوى السنية حولها، والتي كان من الممكن أن تقف معها اليوم في محنتها الحالية لو كانت تلك القوى بعافيتها وتوحدت جهودها جميعًا في مشروع سني يواجه مشروع التشيع الإيراني، مثل العراق ومصر.. بل لم تكتف السعودية بخسارة تلكما الدولتين، حيث وصل الأمر بها إلى احتمالية أن تخسر تركيا أيضًا ما لم تتدارك سريعًا وتعزز علاقاتها الإستراتيجية بها، وهذا ما لا يبدو واضحًا، خاصة بعد أزمة الحصار على قطر..

السعودية على صفيح ساخن جدًا في صيف أسخن، وتحديات تزيد ولا تنقص. فهل ستكون على قدر التحديات وتتجه نحو تبريد الأجواء حولها، والنظر بعمق أكبر لأوضاعها ورؤية إستراتيجية أبعد من تلكم المسافة بين الرياض وأبو ظبي؟ أرجو ذلك الآن وقبل فوات الأوان.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"