التحريض الممنهج

د. حسن البراري

وكأنك تشاهد فيلما هوليوديا، أربعة أفراد من الشرطة يمتطون درجاتهم النارية ويبدأون بإطلاق النار صوب "مجرم خطر" ليردوه قتيلا، ويحدث كل هذا أمام جمع غفير! وعادة ما يبتهج المشاهد عندما يشاهد الشرطة "أداة تنفيذ القانون" تخلص المجتمع من مجرم على وشك الفتك بالناس.

لكن هذا ليس مشهداً سينمائيا يمكن أن تشاهده في أفلام الأكشن، وإنما ما ظهر في فيديو نشرته المواقع العبرية كجزء من عملية محاكاة تهدف إلى تثقيف طلبة الصف الخامس الابتدائي – الحضور – بكيفية التأكد من قتل "مخرب" فلسطيني! وجاء هذا التمرين كجزء من نشاط نظمته بلدية رمات هشارون بالقرب من تل أبيب في يوم يسمى يوم الشرطة والمجتمع. وما أن أفرغ الشرطة رصاصات حقدهم على الفلسطيني حتى قام الطلبة بالتصفيق مطولا لهذا العمل "البطولي" الذي قامت به الشرطة ضد شخص أعزل ومقيد.

كان بإمكان شرطة إسرائيل أن تثقف الطلبة الصغار في السن عن الدور المدني للشرطة مثل محاولة إطفاء حريق مشتعل أو تنظيم حركة السيارات في تقاطع محدد، لكن أن تختار هذا التمرين بالتحديد لفيه الكثير مما يمكن أن يقال عن الدرك الذي وصلت إليه الأخلاق العامة التي تحكم عمل جهاز الشرطة عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين.

على العكس من بعض أهالي الطلبة الذين عبروا عن صدمتهم من المفاجأة، فإنني شخصيا لم أتفاجأ بهذا السلوك غير الإنساني لأن المجتمع الإسرائيلي معبأ ومشحون أيديولوجيا ضد الفلسطينيين، فالتحريض ضدهم والتشكيك في حقهم في تقرير مصيرهم ونزع الإنسانية عنهم هي أمور تسيدت الخطاب الصهيوني على مدار عقود من الزمان، وهو خطاب تعززه المؤسسة التعليمية في إسرائيل بشقيها الديني والعلماني. ويكفي هنا أن نشير إلى مدرسة دينية في القدس تقدم العرب وكأنهم "حيوانات" لا كرامة لهم، وهنا أتحدث عن مدرسة مركاز هراف الذي أسسها الحاخام أفراهام كوك وخرّجت كبار المستوطنين أمثال حنا بورات وموشيه ليفنغي ونشطاء حركة غوش أيمونيم الاستيطانية.

المفارقة هي أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تشكو السلطة الفلسطينية لأنها لا تحارب ما تسميه إسرائيل "التحريض" ضدها، ويصر الجانب الإسرائيلي على أن المناهج المدرسية الفلسطينية مليئة بالتحريض ما يفسر "الرغبة" عند الفلسطينيين في استهداف الإسرائيليين وكأن إسرائيل لا تحتل أرضهم ولا تقيم عليها شتى أنواع مستوطنات التطرف والإحلال! لم نسمع مثلا أن الجانب الإسرائيلي امتلك الجرأة لمناهضة خطاب الكراهية الذي تغذيه مدارسهم ومناهجهم الدراسية والنتيجة أن عملية المحاكاة التي أشرت إليها في بداية المقال تجري بشكل عادي ولا تثير ردة فعل حقيقية داخل المجتمع الإسرائيلي.

لم تفلح محاولات بعض رموز معسكر "السلام" في إسرائيل من إحداث تعديل على المناهج المدرسية التي تقدم فقط السردية الإسرائيلية الصهيونية الرسمية بخصوص الصراع مع العرب والفلسطينيين، فمثلا ترفض الحكومات الإسرائيلية إدخال مقتطفات من مؤلفات المؤرخين الجدد الإسرائيليين لأنها تميط اللثام عن أساطير مُؤسسة للدولة العبرية! لا غرابة حينها عندما يكون منتج المدارس الإسرائيلية أجيال لا يؤنبها ضميرها وهي تشاهد قتل فلسطيني أعزل أمراً عادياً بل ويستحق الثناء والتصفيق!

بكلمة، يكشف هذا الفيديو المشار إليه أعلاه حقيقة ساطعة وهي أن إسرائيل لا تسعى للسلام مع الفلسطينيين وإلا لقامت بتحضير الرأي العام الإسرائيلي لفكرة التعايش مع الفلسطينيين ولثقفت الأجيال الجديدة بأهمية العيش المشترك مع الآخر، غير أن ما يحدث هو العكس تماما، ولهذا ستجد الحكومات الإسرائيلية صعوبة بالغة لإقناع المجتمع بالسلام العادل في حال اقتناع الحكومات نفسها بالعوائد التاريخية لمصالحة تاريخية مع الفلسطينيين.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"