بقلم : رأي الشرق الأحد 07-05-2017 الساعة 02:53 ص

رؤية صاحب السمو لمكافحة الإرهاب

رأي الشرق

أشادت بها الأمم المتحدة وتطابقت مع مواقف الشعوب لا حكومات الطغيان

صاحب السمو قَدّم للعالم الحلول الجذرية لظاهرة الإرهاب

الرؤية التي قدمها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، خلال حديثه مع فخامة رئيس بولندا أندجيه دودا، تركزت على بحث ظاهرة الإرهاب وكيفية محاربة هذه الظاهرة المقيتة، خاصة وأن أكثر المتضررين منها هم العرب والمسلمون، وتناول سموه بالقول سبب وجود الإرهاب، والذي هو نتيجة تصرفات حكومات ضد شعوبها، ولذلك محاربة الإرهاب مهمة وواجب، وعلى الجميع محاربته. هذه الرؤية الواضحة والصادقة والعميقة والعادلة ظلت ثابتة في كل الأحوال، لأنها منطلقة من رؤية حكيمة ومعبرة عن آمال وطموحات الشعوب، ولأنها تبحث بصدق عن الوسائل المتاحة لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة والعالم.

وقد وجدت هذه الرؤية التأييد والمساندة والاستحسان من كافة القوى الدولية الداعمة للسلام، والباحثة عن الأمن لشعوب العالم، لذلك سارعت الأمم المتحدة وفي أكثر من مناسبة، بالتنويه برؤية سموه في محاربة الإرهاب، بل أشادت بالجهود التي تبذلها دولة قطر في اجتثاث الإرهاب ومعالجة جذوره.

تناول سموه تفاصيل هذه الظاهرة، أسبابها ودوافعها والحلول الجذرية المناسبة لها.

وتلخصت رؤية سموه في نقاط جوهرية تتمثل في التالي:

أولاً: الدعوة إلى التضامن والتشاور والتعاون في معالجة جذور الإرهاب، وهي دعوة ظل سموه يقدمها في كل مناسبة سياسية كبرى، وكان آخرها مؤتمر القمة العربي في عمان حين قال: يظل الإرهاب من أخطر التهديدات التي تحدق بمنطقتنا العربية وتستهدف الأمن والاستقرار فيها، ولا شك أن مواجهة خطر الجماعات الإرهابية والتمسك بشرائعنا وقيمنا دون تطرف أو غلو، ودون تفريط أو تهاون، تتطلّب منَا التوافق على رؤية مشتركة تقود جهودنا لتعزيز التعاون، والعمل على إيجاد مقاربة مشتركة وشاملة بالتعاون مع المجتمع الدولي تتضمن كل الأبعاد السياسية والأمنية والاجتماعية والثقافية لاجتثاث هذا الوباء.

وقدم سموه تفسيراً للظاهرة، حين قال: أرى من الضروري في هذا المقام تقديم ملاحظتين: أولاً، إذا كنا جادين في تركيز الجهود على المنظمات الإرهابية المسلحة، هل من الإنصاف أن نبذل جهداً لاعتبار تيارات سياسية نختلف معها إرهابية، على الرغم من أنها ليست كذلك. وهل هدفنا أن نزيد عدد الإرهابيين في هذا العالم؟.

ولم يكتف سموه بذلك، بل قدم الحلول حين قال: إن مكافحة الإرهاب هي قضية إستراتيجية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وثقافية، وبالطبع أمنية أيضاً، وهي أخطر من أن نخضعها للخلافات والمصالح السياسية والشد والجذب بين الأنظمة.

وثانياً، لا يقتصر الإرهاب على دين أو مذهب بعينه، فثمة ميليشيات إرهابية من مذاهب مختلفة ترتكب جرائم ضد المدنيين والمرافق المدنية لأهداف سياسية بعلم وأحياناً برضا حكوماتها. وهذا هو الإرهاب بعينه.

دعاة الإرهاب من يدعمون الطغاة ولا تعنيهم دماء الشعوب والأبرياء

وأضاف سموه أن الإرهاب يتقلص وينكمش مع التنمية الإنسانية، بما فيها التعليم، والمشاركة في ثمار التنمية والمساواة أمام القانون، وفي ظروف الحرية وتحمل مسؤولية الحرية. وينمو الإرهاب والتطرف في ظروف الاغتراب عن المجتمع وقيمه، والحرمان واليأس وانعدام الأفق، وإذلال الناس في المعتقلات والسجون، سواء أكان بسبب الاحتلال أو الطغيان، وغياب حكم القانون وتفشي سياسات الإقصاء والتهميش.

وكانت رؤيته متعمقة وعادلة ومنطقية حين قال: لا يجوز تبرئة الدعاية المتطرفة المتلبسة بلباس الدين والتي تستهدف الشباب في هذه الظروف.

وفي هذا السياق أضيف أنه لا يجوز السكوت على أن يصبح التحريض على حضارتنا العربية والإسلامية وبث سموم الكراهية ضد المسلمين، مسألة تنافس بين الأحزاب والقوى الشعبوية في الغرب.

قد يطلب منا بعض الساسة أن نتفهم ظروف الحملات الانتخابية، وأنهم لا يقصدون ما يقولون. ولكن هذا عذر أقبح من ذنب، لأنه يجعل من كراهية المسلمين موضوعاً شعبياً.

وحذر صاحب السمو من مخاطر الإرهاب على مستقبل العلاقات الدولية، حين قال: لقد هددت ظاهرة الإرهاب والتطرف بكافة أشكاله استقرار وأمن العالم، وأودت بحياة الأبرياء، واستنفرت المجتمع الدولي، بما فيه دولة قطر، لمكافحة هذه الظاهرة.

وقد وجدت دعوة سموه إلى معالجة جذور الأزمة تأييداً وترحيباً من كافة المنظمات الدولية، بل تم التنويه بالحلول التي قدمها، حين قال: ومن غير المتصور القضاء على الإرهاب أو التطرف بدون اجتثاث جذورهما الحقيقية من خلال منح الأمل للشباب، وتحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز حقوق الإنسان وترسيخ قيم التسامح والابتعاد عن الطائفية بكافة صورها وعدم ازدواجية المعايير.

وفي كلمته التي ألقاها في افتتاح دور الانعقاد العادي الخامس والأربعين لمجلس الشورى - نوفمبر 2016 أكد سموه أن الإرهاب يبقى مصدر تهديد لشعوبنا وأوطاننا ومنجزاتنا الاقتصادية والاجتماعية، مما يستلزم تكثيف جهودنا في مكافحته.

وندرك جميعاً أن النجاح في مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة ليس سهلاً، لكنه أيضاً ليس مستحيلاً إذا توفرت الإرادة السياسية من خلال معالجة الجذور الاجتماعية لهذه الظاهرة المقيتة، وفهم الظروف المساعدة على تسويق أيديولوجيات متطرفة في بيئة اليأس وانسداد الآفاق.

وامتدت رؤيته الحكيمة ليس إلى تقديم الحلول باجتثاث جذور الإرهاب فحسب بل إلى تحصين الشباب من مخاطره، حين قال: ولكي نحمي الشباب الذي تستهدفه الجماعات المتطرفة، يجب ألا تقتصر محاربة الإرهاب على البعد الأمني الضروري بحد ذاته، بل تتعدى ذلك إلى إشاعة قيم التسامح وثقافة التعددية والحوار مع الأخذ بعين الاعتبار حق الشعوب في مقاومة الاحتلال، الذي تكرسه الشرائع والمواثيق والأعراف الدولية.

ولكي يكتسب تثقيف الشباب وتعبئة المجتمعات ضد الإرهاب مصداقية، علينا أن نكون مثابرين في تحديده واتخاذ الموقف منه. فلا يجوز أن يتغير التعريف حسب هوية الفاعل أو الضحية، أو حسب المصلحة السياسية.

وفي الجلسة الافتتاحية للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في دورتها الحادية والسبعين التي انطلقت أعمالها في مدينة نيويورك 20 سبتمبر 2016 عزز سموه هذه الرؤية، بوضع القواعد القوية لعلاقة متينة بين الشعوب بمختلف رؤاها، حين قال: ولا يجوز التفريق بين حياة المدنيين في إسطنبول وباريس وغزة ونيويورك وحلب وغيرها. فلا توجد حياة ذات وزن نوعي أكبر من حياة أخرى.

إن التعامل بمعايير مزدوجة مع هذه الظاهرة، أو ربطها بدين أو ثقافة بعينها، أو إعفاء الحكومات التي ينطبق على سياستها وصف الإرهاب من هذه التهمة، يعقد الجهود لاستئصال الظاهرة، ويقوي الذرائع التي يستخدمها الإرهابيون.

وفي هذا الصدد وانطلاقاً من سياستنا الرافضة للتطرف والإرهاب، والمستندة إلى قيمنا وثقافتنا وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، نؤكد دعمنا للجهود المبذولة في إطار الشرعية الدولية للقضاء على هذه الظاهرة واجتثاث جذورها.

وظلت مواقف سموه تتابع بقلق التطورات المستمرة لظاهرة الإرهاب، وفي الجلسة الافتتاحية العامة للدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في مقر المنظمة الدولية بنيويورك 28 سبتمبر 2015 حذر سموه من مخاطر تنامي الإرهاب، وقال: لقد فرض تزايد ضحايا العمليات الإرهابية التعامل مع الإرهاب بالقوة العسكرية، ونحن نؤكد التزامنا بمكافحة الإرهاب، ولكن حتى في أقسى الظروف لا يجوز تجاهل الأسباب الكامنة وراءه، وإلا فسوف تكون النتيجة تفاقم الظاهرة وزيادة انتشارها. ونؤكد هنا على أنه لا يوجد دين يدعو إلى الإرهاب في جوهره. وفي النصوص الدينية كافة ما يكفي من التعاليم التي تدعو إلى السلمية والتسامح والتعايش، ولكن الأساس الذي يتجاهله المروجون للاقتباسات الحرفية هو روح الديانات التي تدعو إلى القيم النبيلة والتسامح والتعاون والحوار البناء لصالح المجتمع البشري. والناس البسطاء بتدينهم الفطري يعتبرون الدين أولاً قيماً وأخلاقاً، وهذا ما يجب أن نبني عليه.

هذا قليل مما قدمه سموه إلى العالم أجمع في تحليل ظاهرة الإرهاب ومحاربته وحماية البشرية من شروره.

ولو أن المجتمع الدولي بذل المزيد من الجهد في تنفيذ هذه الرؤى لتمكن العالم من وضع الحلول المنشودة التي تعالج ظاهرة الإرهاب من جذوره، خاصة وأن التجربة دلت على أن هذه الرؤية ليست رؤية فلسفية نظرية غير قابلة للتطبيق، بل هي رؤية واقعية جاءت بعد دراسة متأنية للظروف السياسية والتاريخية التي تمر بها المنطقة والعالم. والدليل على قوة منطق هذه الرؤية أن الدول التي تهتم بمستقبل شعوبها وشبابها وتحشد الطاقات لتحقيق التنمية لم تشهد حدوث هذه الظواهر الغريبة على مجتمعاتنا وشعوبنا وعاداتنا الأصيلة.

وما زال هناك متسع من الوقت لإصلاح الأمم المتحدة ولمعالجة جذور الإرهاب بالتنمية والعدل والإصلاحات السياسية والمجتمعية، وستظل هذه الرؤية الثاقبة هي المشعل الذي ينير الطريق لتحقيق الاستقرار والسلام وتعزيز الأمن الدولي، وجعل ظاهرة الإرهاب من الظواهر التي تتدارسها الشعوب كعبرة من عبر التاريخ.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"