بقلم : د. حسن البراري الجمعة 05-05-2017 الساعة 02:33 ص

وثيقة حماس: السياق والمبرر

د. حسن البراري

عادةً ما ينتقد المراقبون غياب إستراتيجية وطنية فلسطينية تتفق عليها كافة الفصائل وتتنافس تحت سقفها، فالانقسام الفصائلي والصراع على السلطة أعاق بلورة مثل هذه الإستراتيجية الأمر الذي استغلته إسرائيل بشكل ممنهج لدق إسفين في الصف الفلسطيني، علاوةً على إلقاء مسؤولية الجمود في العملية السلمية على الطرف الفلسطيني. والحق أن التنافس الإقليمي ومحاولات أطراف خارجية وبخاصة إيران وتوظيفها عدالة قضية فلسطين لتوسيع نفوذها في المنطقة رسخت الانقسامات الفلسطينية والتخندق مما أثر سلبًا على الجاهزية الوطنية الفلسطينية للتعامل مع تحديات الاحتلال والاستيطان.

وثيقة حماس الأخيرة والتي كشفت بموجبها عن استعداد الحركة القبول بدولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو تشكل خطوة إيجابية لخلق الأرضية المناسبة لمصالحة فلسطينية أولا ثم تأهيل الحركة لتكون لاعبًا مقبولًا على المستوى الدولي وبخاصة بعد سنوات الحصار المريرة. والحق أن قادة حماس بشكل أو بآخر لم يتوقفوا عن إرسال إشارات تفيد بأن الحركة تدرك جيدا أن هناك حدودا لمشروع المقاومة وأنها تقبل بأقل بكثير من تصريحاتهم أو من ميثاقهم المؤسس للحركة، ولم تكن المرة الأولى التي يعلن فيها قادة حماس أنهم يوافقون على إقامة دولة فلسطينية مستقلة بحدود عام 1967 وبخاصة بعد أن تحكمت الحركة بقطاع غزة وأصبح الصراع على السلطة أمرا لافتًا ويكتسب أولوية على كثير من القضايا النضالية التي ترفع كشعارات للتعبئة والحشد ولنزع الشرعية عن المنافسين الآخرين.

يحلو للبعض أن يشبه وثيقة حماس الجديدة بالتغير الذي طرا على برنامج منظمة التحرير الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي والتي جاءت نتيجة لاستبطان قادة المنظمة بأن هناك قيودًا للكفاح المسلح لا يمكن تجاوزها وأن هناك ضرورة للتعاطي بإيجابية وعقلانية مع منظومة دولية متغيرة وبالغة التعقيد. في تلك الفترة تعهد وزير خارجية الولايات المتحدة هنري كيسنجر لإسرائيل بأن بلاده لن تعقد أي اتصالات أو حوارات مع منظمة التحرير الفلسطينية إلا إذا وافقت الأخيرة على شروط ثلاث هي: الاعتراف بإسرائيل، قبول قراري مجلس الأمن 242 و338 ونبذ العنف. وبالفعل كان ذلك بمثابة وثيقة التزمت به كل من إدارتي كارتر وريغان، وفي عام 1988 وعلى أثر قرار فك الارتباط استجابت منظمة التحرير الفلسطينية للشروط الأمريكية الثلاث وبدأ حوار بين المنظمة والسفير الأمريكي في تونس آنذاك. وشكل كل ذلك مدخلا لعملية أوسلو وما ترتب عليها من اعتراف رسمي إسرائيلي بالمنظمة كممثل للشعب الفلسطيني. غير أن لحماس كان هناك رأي آخر وانحازت بهذا المعنى لمواقف محور "الممانعة والمقاومة" ما أربك المشهد الفلسطيني وعمل كتوطئة لانقسام وطني ضار.

وعليه، فإن التغير في موقف حماس هو أمر سيكون له تأثير كبير في قادم الأيام، وحتى لا نكون كمن يدس رؤوسهم في الرمال، علينا أن نعترف على الأقل في داخل أنفسنا أن الوثيقة جاءت نتيجة لانكشاف إستراتيجي كبير لهذه الحركة التي بدت من دون حلفاء حقيقيين، وهي وثيقة ربما مرتبطة برغبة قادة حماس بالبقاء السياسي لهم ولتنظيمهم لكن الجانب الإسرائيلي والدولي يعرفان جيدًا أن الوثيقة – وإن احتوت على إشارات إيجابية – إلا أنها لن تف بالغرض، فربما تكون بداية التأهيل وتوطئة لتغيير حقيقي في موقف التنظيم وهذا يقودنا إلى شروط الرباعية الدولية، فحماس لن تتمكن من إقامة دولة فلسطينية دون التفاهم مع إسرائيل، وهذا يطرح سؤالًا ملتهبا متعلق بإمكانية قبول حماس بشروط الرباعية الدولية وهو أمر لم تصل إليه الوثيقة لكن الأيام القادمة قد تكون حبلى بالأحداث والمفاجآت.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"