بقلم : د. حسن البراري الجمعة 28-04-2017 الساعة 02:25 ص

من المحافظين الجدد إلى "محور الراشدين"

د. حسن البراري

شاع مؤخرا مفهوم "محور الراشدين" في الجدل السياسي والإعلامي داخل الولايات المتحدة في إشارة واضحة إلى وجود مجموعة من صنّاع القرار بإدارة الرئيس دونالد ترامب تعرف ما تريد وتعرف كيف تحقق ذلك، وهي مجموعة من كبار المسؤولين تعقلن الكثير من توجهات دونالد ترامب الذي يوصف بالعادة وكأنه منفلت من أي عقال. وكتبت كمبرلي دوزير من الديلي بيست عن أن هذه المجموعة تلعب دورا بارزا في السياسة الخارجية.

ومحور الراشدين هو مجموعة من كبار أركان الإدارة الأمريكية (وزير الدفاع جيم ماتيس، ووزير الأمن الوطني جون كيلي، ووزير الخارجية ريكس تيلرسون ومستشار الأمن القومي نبرت ماكماستر ومدير السي أي ايه مايك بومبيو إضافة إلى سفيرة أمريكا لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي) تقوم بتعليم الرئيس ترامب ماذا يتعين على إدارته أن تقوم به، والمفاجأة أن ترامب بدأ ينزل من برجه العاجي ويستمع لمعلميه الذين يفوقونه فهما وعمقا في كل مسائل السياسة الخارجية، والحقيقة أنه لا أحد من بين هؤلاء كان من ضمن طاقمه خلال الانتخابات، وهم يعرفون بأنهم يعملون في بيت أبيض مهتز الأركان وبالتالي يكون دورهم هو إحداث التوازن في البيت الأبيض وحماية البلاد من أعدائها في الخارج وفي الداخل. لكن علينا أيضا أن لا نستهين بنزعات ترامب الفردية التي قد تحد من قوة تأثير هذا المحور ما يعني أن هناك إمكانية لسياسة خارجية متناقضة وغير حكيمة.

يحضرني فريق المحافظين الجدد الذين ظهروا في ثمانينات القرن الماضي وسيطروا على مفاصل اتخاذ القرار في عهد الرئيس بوش وقادوا أمريكا إلى سياسة تدخلية في وقت كان الرئيس نفسه أقرب إلى الانعزالية. ولم يفقد هذا الفريق تأثيره إلا بعد أن تورطت أمريكا في حربين في أفغانستان وفي العراق وما نتج عنهما من كوارث استراتيجية وتفكيك للمنطقة برمتها. الاتجاه الذي كان يقوده ترامب أثناء حملته الانتخابية هو انعزالي غير أن الواقعية السياسية تدفعه لأن يكون رئيسا تدخلياً وهو ما لمسه العالم عندما قامت بلاده بتدمير مطار الشعيرات السوري. الراهن أن سياسة ترامب الخارجية بدأت تقترب من سياسة الجناح الصقوري في إدارة بوش وليس بالضرورة المحافظين الجدد ما يشكل ابتعادا عن شعارات ترامب الانعزالية وأكثر مواجهة مع روسيا وفي ذلك خيبة أمل كبيرة للرئيس بوتين الذي راهن على أن ترامب سيكون أكثر ليناً مع بلاده.

هناك من كان يرى بأن الرئيس ترامب سيتجاوز المؤسسات والمؤسسية في صناعة القرار وبالتالي سيقود بلاده لخطوات غير محسوبة، غير أن شيئا من هذا لن يحدث، فالرئيس لن يغرد وحيدا والسبب في ذلك هي اعتماديته على محور الراشدين في السياسة الخارجية، كما أن اختيارات الرئيس ترامب لهذه المجموعة للمساعدة في صياغة وادارة السياسة الخارجية يعني أن الكثير من البدائل التي ستوضع على طاولة اتخاذ القرار ستكون محصورة في ما يتفق عليه أعضاء هذا المحور. فالسياسة الخارجية الأمريكية في كثير من محطاتها الرئيسية هي نتاج نموذج كتب عنه جراهام أليسون وأطلق عليه اسم "السياسة البيروقراطية" بمعنى أن كل عضو يمثل رؤية مؤسسته وهذا بدوره لا يعطي الرئيس اليد المطلقة في اتخاذ القرار.

بكلمة، من المبكر الحكم على قوة هذا المحور وبخاصة وأن هناك جناحا آخر بقيادة صهر الرئيس جاريد كوشنر يفتقد للخبرة لكنه أيضا مؤثر، وفي اسوأ الاحوال لن يكون تأثير محور الراشدين مماثلا للمحافظين الجدد نظرا للتبدل الكبير في منظومة العلاقات الدولية وبخاصة في الشرق الأوسط.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"