في إعادة النظر في العلاقة بين الإعلام والإرهاب

محمد قيراط

احتل الإرهاب على مدى الثلاثة عقود الماضية مساحات كبيرة ومعتبرة في الصحف والمجلات والقنوات الفضائية والسؤال هنا هو كيف تعاملت وسائل الإعلام مع ظاهرة الإرهاب؟ هل عكست الواقع بطريقة آلية دون الغوص في أعماق الظاهرة وأسبابها أم أنها اهتمت بالإثارة والتضخيم على حساب التحليل والتطرق للأسباب التي أدت إلى هذه الظاهرة الخطيرة التي أصبحت تهدد دول العالم قاطبة من دون استثناء، حيث أصبح الجميع أغنياء وفقراء شمالا أو جنوبا يعانون من هذا الخطر الجديد الذي أصبح يهدد أمن واستقرار الشعوب والدول. أفرزت ظاهرة الإرهاب في الأوساط الإعلامية والعلمية والفكرية والأكاديمية تناقضات خطيرة من أهمها الكيل بمكيالين وربط الإرهاب بالإسلام والعرب والمسلمين. وذهب البعض منهم ينّظر لصراع الحضارات والديانات، ورأى البعض الآخر أن الخطر قادم من الشرق الذي لا يؤمن بالحوار ولا يؤمن بمن يختلف معه في الدين والعقيدة والمبادئ. فأطروحات الإسلام الراديكالي أو المسلح و "الفاشية الإسلامية" و "صراع الحضارات" زادت من تلويث العقول والأفكار وزرعت ثقافة الخوف والحقد والكراهية في عقول الشعوب. هذا ما أدى بالبعض ليتهم الصحافة أو وسائل الإعلام بصفة عامة بالفشل الذريع في تغطية الإرهاب بطريقة حرة، مسؤولة ونزيهة بعيدة عن الابتزاز والاستغلال وبعيدة عن الإثارة ونزوة التجارة والربح وزيادة المبيعات وعدد المشاهدين وبذلك زيادة مساحة وأسعار الإعلانات.

بالنسبة لمعظم وسائل الإعلام خاصة تلك التي تركز على الإثارة وعلى بيع الغرابة والعنف والجريمة فإن الإرهاب يُعتبر مادة دسمة مربحة تساعد المؤسسة على زيادة المبيعات وجني أرباح طائلة. فالإرهاب أصبح لغة القرن الحادي والعشرين وظاهرة انتشرت في جميع أنحاء العالم، وتركز وسائل الإعلام بدرجة كبيرة على ما يحدث في الدول النامية والدول الإسلامية مستغلة الإثارة والجريمة لتكريس أفكار محددة للمحافظة ولدعم الوضع الراهن الذي فرضته القوى الفاعلة في النظام الدولي. ومع ظهور الإسلاموفوبيا أصبحت وسائل الإعلام الغربية تتفنن في إيجاد علاقة وطيدة ما بين الإسلام والإرهاب وما بين كل من يخرج عن طاعة أمريكا والغرب والإرهاب. وانطلاقا من الصور النمطية والأفكار المسبقة والمشوهة تقوم وسائل الإعلام بتقديم أخبارا ملونة الهدف منها النيل من العرب والمسلمين وربط الإرهاب بالإسلام. كما تستغل بعض وسائل الإعلام الإرهاب لترسيخ صورا نمطية معينة وتعمل على تأكيد تفوق الحضارة الغربية وتخلف باقي الحضارات. ويبقى الصراع مستمرا ودائما بين الغرب الذي يريد بكل الوسائل والطرق إقصاء الآخر وفرض ثقافته وأفكاره وقيمه على العالم بأسره.

ورغم التلاعب والتزييف والتشويه والتنميط والقولبة التي تمارسها الآلة الإعلامية على عقول البشر في جميع أنحاء المعمورة، ما زال العالم بخير وما زالت عامة الناس ترى أن المشكلات التي تعاني منها دول ليست بسبب الإسلام ولا بسبب صراع الحضارات وإنما جذور هذه المشكلات تعود لأسباب سياسية واقتصادية بالدرجة الأولى وهذا ما أكده استطلاع للرأي العام أجري على 28 ألف شخص من 27 دولة حول العالم، حيث رأت غالبية المبحوثين أن الصراع بين الإسلام والغرب ليس حتمي وأن التوترات والمشكلات الحالية تعود بالدرجة الأولى إلى المصالح السياسية وعدم التسامح. وهذا يعني أن ما تنقله وسائل الإعلام لا يعكس بالضرورة الواقع والحقيقة. فكيف تتطرق الصحافة العالمية للإرهاب دون أن تفرق بين العمل العسكري المشروع للدفاع عن النفس ولتحرير الأرض من المستعمر، وما بين الإرهاب الذي يتمثل في العمل الإجرامي الوحشي. وكيف تستعرض وسائل الإعلام ظاهرة الإرهاب وتربطها بشعب معين وديانة معينة وتتغاضى عن إرهاب الدولة الذي تمارسه بعض الدول في العالم. ما يحدث في العراق هذه الأيام هو كذلك وسيلة أخرى لإفراز الإرهاب والتشجيع على انتشاره.

كأي ظاهرة اجتماعية يعتبر الإرهاب نتيجة لعدة أسباب منها الفقر والجهل والظلم وانعدام العدالة الاجتماعية وغياب الحريات الفردية وحرية الفكر والرأي والصحافة والتهميش والعنصرية...الخ. فالحرمان والاستبداد من الأسباب التي تؤدي إلى استعمال العنف والجريمة للتعبير عن الاستياء أو لمحاولة تخويف السلطة والقوى الفاعلة في المجتمع للتنازل عن بعض امتيازاتها لصالح الفئات المحرومة. يقوم الإرهابيون عادة بالجرائم وأعمال القتل والتخريب وحجز الرهائن الأبرياء للضغط على الحكومات للاستجابة لمطالبهم وأهدافهم، وحتى يصلوا إلى الرأي العام فإنهم يعتمدون على وسائل الإعلام التي تباشر في التهافت على نقل الوقائع والأحداث الإرهابية والتفنن في تضخيمها. وفي نهاية الأمر نلاحظ أن العملية كلها دعاية وتدويل لرسالة الإرهابيين الذين كانوا يعملون جاهدين على إيصال مطالبهم ورسالتهم للمسؤولين والساسة وصناع القرار وقادة الرأي العام محليا ودوليا. ونلاحظ هنا أن الإرهابيين يقصدون من خلال أعمالهم استغلال وسيلة إستراتيجية تتمثل في وسائل الإعلام ويستعملونها كوسيلة للتواصل والتعبير عن مطالبهم وأهدافهم. والإشكالية التي تواجهها وسائل الإعلام تتمثل في ما العمل وما هو الموقف الذي يجب اتخاذه؟ هل يجب القيام بالتغطية وعرض المطالب ولأهداف أم مقاطعة التغطية تماما وتجاهل الأعمال الإرهابية، وإذا قامت الوسائل المحلية بالمقاطعة هل ستتبعها وسائل الإعلام الأجنبية؟ وإذا لم تقم وسائل الإعلام بالتغطية من يضمن عدم تسرب الأخبار وانتشار الإشاعة. أسئلة كثيرة ومتشعبة تمس جوانب تنظيمية وأمنية وأخلاقية يجب أن تطرح بجدية وتدرس بتأن لتجنب مشكلات قد تكون انعكاساتها وخيمة على المجتمع بكامله. ومن أهم الانتقادات التي وُجهت لوسائل الإعلام في تعاملها مع الإرهاب أنها أصبحت طرفا هاما في أزمات وعمليات الإرهاب وأصبحت طرفا يُستغل لخدمة مصالح وأهداف قد تتعارض تماما مع الرسالة النبيلة للإعلام في المجتمع. فبقوتها وإمكاناتها الاتصالية الهائلة تعطي وسائل الإعلام فرصة ذهبية للإرهابيين للوصول إلى ملايين البشر محليا ودوليا للتعبير عن ما يريدونه. فالقنوات الفضائية تصّعد الأزمات وتضخمها وتزيد من هلعها وخوفها وقوة آثارها وهذا من شأنه أن يخدم قضية الإرهابيين ويضع ضغوطا كبيرة وقوية على الحكومة للتنازل والتفاوض من مركز ضعف، حيث أنه بعد التدويل والإثارة والتضخيم يجد صاحب القرار نفسه ضعيفا أمام تأثيرات الرأي العام على الصعيد الداخلي والدولي. والوصول إلى الرأي العام الدولي يعتبر من أهم أهداف الإرهابيين حيث محاولة الوصول إلى المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية. وهذه المعادلة الاستغلالية تعتبر من الممارسات السلبية التي تقوم بها وسائل الإعلام خاصة عندما لا تقوم بمهمة الاستقصاء والبحث في جذور وأسباب ظاهرة الإرهاب. وبالمقابل نلاحظ أن هذه المؤسسات الإعلامية ترى أنها تقدم خدمة كبيرة للرأي العام وأنها تقوم بمسؤوليتها الاجتماعية على أحسن وجه. والحقيقة هي أنها في نهاية المطاف تخدم قضايا بعيدة كل البعد عن المصلحة العامة ومصلحة المجتمع بأسره. القرار هنا أخلاقي ومن واجب وسائل الإعلام أن تتخلص من أي اعتبار تجاري ربحي أو أي اعتبار تنافسي لأن الموضوع أهم من ذلك بكثير حيث إنه يتعلق بأمن الدولة وسلامتها وسلامة سكانها، بل بدول وشعوب عدة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"