بقلم : محمد قيراط الأربعاء 19-04-2017 الساعة 01:51 ص

المسؤولية الاجتماعية للإعلام في مكافحة الإرهاب

محمد قيراط

لا يمكن أن نتحدث للأسف، على الأقل من حيث الشكل المنهجي والعلمي، عن وجود إستراتيجيات اجتماعية عربية لمحاربة ظاهرة الإرهاب باستثناء تجربة المملكة العربية السعودية؛ ذلك أن معظم الإستراتيجيات الموضوعة والموجودة لمحاربته تركز تركيزا أساسيا على الإستراتيجية الأمنية – القانونية التي تتجاهل في الكثير من الأحيان بقية الحلول والإستراتيجيات والتي يمكن أن تسهم مباشرة في محاصرة هذه الظاهرة والقضاء عليها، خصوصا وأنها تعتمد على جوانب كثيرة ومتغيرات اقتصادية وسياسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها في تشخيص الداء وتقديم الحلول المناسبة. ورغم أهمية الإستراتيجية الأمنية – القانونية في محاربة الإرهاب وتجفيف منابعه؛ إلا أنها على المدى البعيد ستثبت فشلها وقصورها؛ لأنها تقضي في أحسن الأحوال على مظاهر وتجليات الداء وتؤجل مفعول المشكلة وللأسف للأجيال القادمة. وتبرز الإستراتيجية الاجتماعية كإستراتيجية حتمية لقدرتها وفاعليتها على معالجة الداء من جذوره؛ لأنها تعتمد على آليات الإقناع والتأثير الاجتماعي. فالفرد هو ابن بيئته الاجتماعية يتأثر بها ويؤثر فيها ولا يمكن مهما كان الأمر أن ينسلخ أو يبتعد عنها. لهذا فإن الإستراتيجية الاجتماعية تعمل على فهم طبيعة الأبعاد الاجتماعية للظاهرة، وخصوصيات المجتمع، وطبيعة الجماعات الضاغطة فيه بهدف توظيف كل الطاقات والمجموعات الاجتماعية الحيوية والفاعلة لمحاربته، ومن ذلك مثلا: الأسرة، والمسجد، ووسائل الإعلام والاتصال، والنوادي، والجمعيات الأهلية. إن لهذه المجموعات الاجتماعية تأثيرا عجيبا وكبيرا على أفرادها، وكما يقول أوجست كونت August Kant "المجتمع يطاردنا حتى في النوم"، أي أن مؤسسات المجتمع والمجموعات الاجتماعية لها تأثير كبير على أفكار وسلوكيات واتجاهات بل وعلى كل قناعات وقيم الفرد. ويلتزم الإنسان حسب أوجست كونت بكل ما يفرضه عليه المجتمع من سلوك وأفكار ومعتقدات. إن المجتمع، حسب العديد من مؤسسي علم الاجتماع كابن خلدون وإيميل دوركايم Emile Durkheim، يمارس ضغطا ورقابة وتوجيها مباشرا من خلال القوانين والتشريعات والسلوكيات الرسمية والعامة، أو غير مباشر من خلال الأسرة والأصدقاء والمدرسة والنوادي.

"الإنسان اجتماعي بطبعه" كما يقول ابن خلدون في كتابه "المقدمة" فهو بحاجة ماسة للعيش مع الآخرين، وأن يتقبل ظروف وشروط وأساسيات العيش المشترك الذي يستوجب الالتزام التام بقيم وفلسفة وقوانين وقواعد المجتمع الذي ينتمي إليه. وضمن هذا الإطار تسعى المجتمعات العربية والإسلامية إلى تكريس قيم الأخوة، والتضامن، والتفاعل الإيجابي، والتسامح، والتكافل الذي يضمن لأفراد المجتمع العيش الكريم. ورغم وجود بعض المبادرات العربية المرتبطة بتوظيف واستخدام المؤسسات الاجتماعية والأهلية في محاربة ظاهرة الإرهاب؛ إلا أنها في أغلب الأحيان لا تستخدم لأغراض تكريس الحل الاجتماعي الشامل الذي يأخذ بعين الاعتبار تركيبة وخصوصية المجتمع ودور المؤسسات الاجتماعية في تقديم العلاج الناجع الذي يتطلب ويستوجب فهما صحيحا للمشكلة والآثار المترتبة عنها مستقبلا، سواء على الفرد أو على المجتمع. وقد تبنت بعض البلدان العربية التي عانت أو ما زالت تعاني من ويلات هذا المرض الخطير، كالجزائر، ومصر، والمغرب، والمملكة العربية السعودية، والعراق، واليمن مبادرات اجتماعية ضمن خطط إستراتيجية هدفها توظيف كل الطاقات الاجتماعية الحية والنشطة في المجتمع: كالجمعيات الأهلية، والنوادي المختلفة، والمساجد، والجامعات، والنقابات، والشخصيات الاجتماعية والدينية والسياسية المعروفة من أجل توعية الجماهير العربية بخطورة هذه الآفة الاجتماعية وجعل الجماهير ترفض هذا السلوك وكل من يتبناه أفرادا أو جماعات.

كما سعت مختلف هذه البلدان العربية لتبني عدة إستراتيجيات اجتماعية لتوعية الجماهير بضرورة المشاركة المباشرة في عملية محاربة الإرهاب، إما من خلال التبليغ عن الجماعات الإرهابية، أو من خلال رفض كل الأفكار والسلوكيات التي قد تؤدي إلى العدوان على الممتلكات الخاصة أو العامة. وفي الكثير من الأحيان قامت العديد من الجهات والمنظمات الاجتماعية والسياسية والدينية في بعض الدول العربية: كالجزائر والمغرب ومصر واليمن بتنظيم مظاهرات ومسيرات احتجاجية للدفاع عن وحدة المجتمع ومؤسساته حاملة شعارات منددة بخطورة الوضع ووحشية وهمجية الأعمال والأفكار الإرهابية والعدوانية. كما ركزت معظم هذه المظاهرات على أهمية تصدي أفراد الشعب جميعا لهذه الظاهرة، لأنها تمس بوحدة وسلامة ومستقبل المجتمع. وتستخدم وسائل الإعلام الجماهيرية في الوطن العربي بشكل كبير في هذه العملية، وذلك على مستويات عدة، أهمها: إبراز خطورة الظاهرة والدعوة لرفضها جملة وتفصيلا وتستخدم عدة مواد إعلامية لتحقيق ذلك: كالنشرات الإخبارية، والبرامج الحوارية، والندوات والمناقشات مع العلماء والشخصيات المعروفة اجتماعيا وهذا لما لهم من تأثير كبير على الجمهور وفي عملية صناعة الرأي العام. كما تستخدم وسائل الإعلام الجماهيرية في إبراز المشاركة الكبيرة والفعالة للجماهير الرافضة للسلوك الإرهابي وكل ما له صلة به، وهذا ببث صور التضامن الاجتماعي ومشاركة كل الفئات والمؤسسات والجمعيات والجماعات الاجتماعية في مشروع محاربة ظاهرة الإرهاب. وتقوم وسائل الإعلام الجماهيرية العربية بتغطية كل المظاهرات والمسيرات والاحتجاجات والتجمعات الاجتماعية الرافضة للإرهاب مما يزيد من فضح عيوب الإرهابيين وتبرز مدى بعدهم عن القيم التي يؤمن بها المجتمع العربي ونبذ المجتمع العربي للأفكار الإرهابية والعدوانية. لا يمكن نفي وجود بعض التجارب والنماذج الإعلامية في محاربة ظاهرة الإرهاب في الوطن العربي؛ إلا أنها في أغلب الأحيان تفتقد للتخطيط والتنظيم والتنسيق، فهي تظهر وتنشط في مرحلة ما وتختفي في مراحل عدة؛ إذ لا يتم استخدام الحملات الإعلامية والتوعوية، إلا في الفترات التي تشهد أحداث وعمليات إرهابية وعدا ذلك فلا وجود ولا متابعة إعلامية للموضوع.

تجربة وسائل الإعلامية الرسمية والتي تتمثل في القنوات التلفزيونية والإذاعية والصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية الرسمية التابعة للحكومات العربية تشير إلى التزام هذه المؤسسات التزاما حرفيا بالخطاب الرسمي والدفاع عن وجهة نظر الحكومات ومصلحة الوطن. ولقد قدمت مواد إعلامية كثيرة لا يمكن حصرها تبرز فيها مختلف جوانب الظاهرة وخطورتها على مستقبل الفرد والمجتمع. وبشكل عام، فإن معظم ما تقدمه هذه الوسائل من مضامين وبرامج وتغطيات إخبارية يكاد لا يخرج عن المألوف، أي أن المادة الإعلامية مقدمة بشكل كلاسيكي وروتيني بعيدة عن الإبداع والإثارة والتشويق، وهذا ما جعل نسبة كبيرة من الجمهور العربي تتجه نحو القنوات ووسائل الإعلام العربية الخاصة أو الأجنبية. إن وسائل الإعلام العربية الرسمية لم تستطع فهم التحديات التي تواجهها في عصر العولمة وبقيت تفكر وتسير بعقلية القرن الماضي حيث لا وجود للمنافسة. إن معظم هذه المؤسسات تفتقد للحرفية والمهنية والتميز مما يجعلها أداة ضعيفة وغير قادرة على تقديم المضامين الإعلامية المتميزة لمحاربة ظاهرة الإرهاب بحرفية. كما أن البعض منها لا يملك الخطط والبرامج الإعلامية لمحاربة الإرهاب وتجفيف منابعه. والملاحظ على هذه الوسائل أنها لا تقدم مضامين متميزة ومتنوعة لغرس قيم السلم والوئام المدني وتوعية الجمهور بأخطار الإرهاب، إذ يمكنها أن تنتج أفلاما ومسلسلات درامية وبرامج حوارية ورسائل إعلانية وتوعوية متميزة باستخدام أحدث التكنولوجيات.

إن محاربة ظاهرة الإرهاب هي مسؤولية هذه المؤسسات التي تملك الإمكانات التقنية والبشرية والمادية. وفي حقيقة الأمر، فإنه لا يمكن إحداث تغيير في العقليات والسلوكيات والممارسات الاجتماعية ونبذ العنف وغرس قيم السلم من دون توظيف وسائل ورسائل إعلامية مقنعة ومؤثرة. كما أن محاربة هذه الظاهرة لا تكون آنية بتغطيات إخبارية فورية فقط، بل تحتاج إلى خطط وبرامج إعلامية مدروسة تأخذ بعين الاعتبار حاجات ورغبات وميول المتلقي، وتسعى لإحداث تغيير في العقليات والأفكار والسلوك على المدى الطويل. وهنا تظهر الحاجة لمعرفة الأبعاد النظرية والخلفية الفكرية التي تقوم عليها الإستراتيجية الإعلامية.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"