أصله تركي وبدأ في الإختفاء منذ خمسينيات القرن الماضي

بالصور.. الطربوش .. بقايا تاريخ يصارع للبقاء في مصر

ثقافة وفنون الأربعاء 12-04-2017 الساعة 09:55 م

أقدم محل لبيع الطرابيش في مصر إرتداء الطربوش كان نوع من الوجاهة الإجتماعية أقدم محل لبيع الطرابيش في مصر الطربوش .. أصله تركي الطربوش أثناء عملية صناعة الطربوش أثناء عملية صناعة الطربوش خلال صناعة الطربوش أقدم محل لبيع الطرابيش في مصر صناعة الطربوش
القاهرة - زينب عيسى

داخل دكان صغير بأحد الأزقة بمنطقة الغورية يجلس "عم ناصر" آخر صناع الطرابيش في مصر عاكفاً على تشطيب قطعة لغطاء الرأس، الذي وإن أوشك على الإندثار فعبق التاريخ الممزوج بغبار الزمن تنعشه في الذاكرة، في انتظاره القادم من زبائن مازالوا يحرصون على ارتداء الطربوش وهم نادرون واستثنائيون كبعض رجال الدين من الأزهريين المتعلقين بالطربوش والجُبَّة والقُفطان في ظل تفرنج غيرهم ممن يرتدون الحُلات الإفْرَنجية للظهور في الفضائيات ووسائل الإعلام، أو مخرجا لدراما تاريخية ويحتاج الطرابيش لأداء شخصيات تمثيلية من الزمن القديم، هكذا يخلو الرواق المؤدي إلى مصنع "عم ناصر" المتواضع من المارة سوى من 3 مصانع أقرب إلى الدكاكين، لكنه يحوي بقايا تراث يرصد تاريخ مصر من خلال تلك الصناعة التي ازدهرت في عصور سابقة وكانت ملمحاً رئيسياً للزي المصري للرجال، سواء من رجال الدين أو أصحاب الزي الأفرنجي.

مهنة متوارثة

"كادت المهنة أن تندثر وأصبح الإقبال على شراء الطرابيش أملا نتلهف على عودته يوميا"، هكذا قال صانع الطربوش الذي ورث المهنة عن أبيه وأجداده، فالدكان قائم منذ قرابة 150 عاماً وعاصر دولاً وملوكاً ورؤساءَ تغيرت فيها هيئته، حتى أصبحت بالشكل المعروف حاليا عند المصريين الذين نقلوا الطربوش عن أصله التركي، وكان أزهى عصوره في عصر العثمانيين مروراً بعهد أسرة محمد علي، الذي غيّر فيه كثيرا وكان يرتدي طربوشا عرف باسمه، تميز بطوله وقصر زره (الشراشيب السوداء المتدلية منه) وانتشر بقوة في عصره» نهاية بعهد الملك فاروق.

كان الطربوش زيًّا وطنياً، واجبٌ على كل مصري أن يرتديه، ولم يقتصر ارتداء الطربوش على الرجال فقط (حسب ناصر)، فالصبية الصغار أيضا قد لحقوا بقطار الطربوش واعتادت الشوارع والمدارس وكافة الأماكن استقبال الأطفال والصبية والشباب الصغير وهم يرتدون الطربوش الزي التقليدي المقابل لغطاء الرأس عند النساء في تلك الحقبة، والتي اختلفت آنذاك من طبقة إلى أخرى، فسيدات الطبقة الراقية كن يرتدين القبعات على ملابسهن الأوروبية الشكل، أما السيدات في المناطق الشعبية فكنَّ يرتدين الحبرة واليشمك والبيشة، وكانت تشتمل على أكثر من قطعة تبدأ من الرأس وتنتهي بتغطية جزء كبير من الوجه، وفي كل الأحوال كان الطربوش الزي الثابت لغطاء الرأس عند الرجال حتى خمسينيات القرن الماضي في مصر، حينما قرر الرئيس جمال عبد الناصر إلغاء فكرة إلزامية ارتداء الطربوش، ليصبح المصريون يتمتعون بالحرية فيما يرتدونه فيما يتعلق بأغطية الرأس باستثناء (العمامة الأزهرية)، بعدها تحول عنها المجتمع شيئأ فشيئا حتى اندثر تماما واقتصر على طبقة رجال الأزهر فقط، والذين يرتدون العمامة الآن كبديل له.

طربوش الأفندي

وهناك عدة أنواع من الطرابيش مثل (الأفندي)، وهو الطربوش التقليدي، و(العمامة) الخاصة برجال الأزهر، والطربوش المغربي الذي يتميز بقصره وطول زره المتدلي، كما أن هناك أناسا ما زالوا يرتدون الطربوش حتى الآن مثل الشيخ حافظ سلامة والقارئ الإذاعي محمود الخشت، والقارئ طه النعماني، وغيرهم. وهم زبائن دائمون لدينا»، وتصنعه الماكينة الخاصة التي يصنع عليها الطربوش يدويا بشكل كامل، وتسمى (الوجاء).

يصنع الطربوش إما من الصوف المضغوط المسمى باللباد، ويمكن ملاحظة ذلك في الطربوش المغربي تحديداً، الذي يشبه الطواقي أكثر من المخروط الناقص ويكون له شُرّابة سوداء طويلة، أو يصنع من الجوخ الذي يتم تلبيسه لقاعدة شكلها كما قلنا من المخروط الناقص وتكون مصنوعة من القش أو الخوص؛ لعزل الرطوبة عن الرأس، ويختلف شكل وتصميم وحجم الطربوش من بلد إلى آخر، ففي المغرب كما ذكرنا يكون قصيراً نوعاً ما، وفي بلاد الشام - سوريا ولبنان وفلسطين والأردن- كان طويلا بشكل واضح وأشد احمراراً من تركيا ومصر، التي كان يتميز الطربوش فيها بحجم معقول وشُرّابة طولها مناسب لهذا الحجم، الجدير بالذكر أن مقاسات قالب "إسطمبة" الطربوش تتراوح من مقاس 25 إلى 75 سنتيمتراً على حسب مقاس حجم الرأس.

إتيكيت الطربوش

ويشير صانع الطرابيش "عماد"، وهو حفيد أحمد محمد أحمد صاحب أشهر محل لصناعة الطرابيش في مصر إلى أن للطربوش طريقة مخصوصة في التنظيف يقوم بها شخص مخصوص اسمه كوى، يكون دوره تنظيف الطربوش وكيه، أما إذا قدم الطربوش وغالباً ما يظهر ذلك في انثناء أو تآكل أطرافه من أسفل، يتم قص الجزء التالف، بحيث لا يقل عن 2 سنتيمتر، وتلف خيوط الجوخ على القاعدة القش أو الخوص بشكل محكم وتسمى هذه الإضافة باسم السركي.

يستطرد "صانع الطربوش" كان الطربوش ملازماً للرجل حتى مماته، فيوضع على نعشه المحمول على الأكتاف وهو ذاهب إلى مثواه الأخير، واعتبر في عصور مصر القديمة نوعا من «الإتيكيت» ومجاراة للتقاليد والعرف السائد، حيث كان إظهار الرأس عاريا وقتذاك يعد عيبا كبيرا وخروجا على المألوف وتقاليد المجتمع، مما جعل صناعة الطرابيش تزدهر في مصر وتنتشر محالها في كل مكان، خصوصا في وسط البلد والحسين والغورية، كما كانت رائجة في بلاد أخرى كتركيا واليمن وتونس والمغرب وبلاد الشام، لكن مع تغير العصر تقلصت هذه الصناعة تماما ليبقى منها عدد محدود يعد على أصابع اليد الواحدة.

موضة قديمة

ورغم ان الطربوش لم يعد إجباريا وأصبح موضة قديمة ونسياً منسياً في المجتمع المصري، يقول عماد: مازالت هناك فئات تتردد على الدكان لشرائه أو لتفصيل واحد مثل مشايخ الأزهر الشريف وبعض القراء وأئمة وخطباء المساجد وبعض المحاضرين بجامعة الأزهر، حيث يعتبرونه نوعا من الوقار وبه يكتمل الزي الرسمي الخاص بمهنتهم، وفي بعض الأحيان نجد إقبالا من بعض الفنانين الذين يحتاجون إليه في أداء بعض الأدوار بالأعمال الدرامية التاريخية، التي أعادت تذكير المشاهدين بالطربوش، لا سيما جيل الشباب، فساعدت على جذب البعض لارتدائه ولو على سبيل الفكاهة والمرح، وذلك من فرط تأثرهم بشخصيات المسلسل، لا سيما وأن ثمن الطربوش في متناول الجميع، كما أن السياح الأجانب انتبهوا لأهمية الطربوش كتراث مصري عربي، فباتوا يُقدِمون على شرائه كتذكار، وهناك قرى سياحية في الساحل الشمالي وشرم الشيخ والغردقة والإسكندرية ومطاعم متخصصة في تقديم المأكولات الشرقية داخل محيط القاهرة الإسلامية بشارع المعز والغورية والقلعة، تحرص على أن يرتدي العاملون بها الطربوش كنوع من الأصالة والانسجام مع طبيعة هذه المنشآت التراثية.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"