العنف التلفزيوني والسلوك العدواني

محمد قيراط

تلعب وسائل الإعلام دورا محوريا في حياة الفرد اليومية حيث أنها تستحوذ على جزء كبير من وقته، فبين مشاهدة التلفزيون وقراءة الصحف اليومية والمجلات واستهلاك الإعلانات المختلفة والاستماع للراديو والإبحار في مئات الآلاف من المواقع على الإنترنيت يجد الفرد نفسه في نهاية اليوم أنه قضى أكثر من ست ساعات مستقبلا ومستهلكا ما تقدمة وسائل الإعلام المختلفة من مواد إخبارية وترفيهية. والإشكال المطروح هنا هو أن الفرد في المجتمع يعتمد على هذه الوسائل المختلفة لتشكيل وعيه وثقافته وحسه وإدراكه ومن ثم الصور العديدة التي تحدد سلوكه وتصرفاته في المجتمع. فوسائل الإعلام في عصر المعلومات والمجتمع الرقمي تلعب دورا استراتيجيا في تحديد الوعي الاجتماعي والذاكرة الجماعية كما أنها تشكل الواقع كما تراه وليس كما هو، والذي يحدد في نهاية المطاف، إلى جانب متغيرات أخرى السلوك الاجتماعي في أي مجتمع. ما يلاحظ على الرسائل الإعلامية المختلفة هو محتواها الذي أصبحت تحدده قوانين العرض والطلب وقوانين البيع والشراء. وفي هذا السياق أكدت نسبة كبيرة من الدراسات أن الإثارة والجريمة والعنف والجنس والأحداث والوقائع السلبية من حروب وانقلابات عسكرية وفيضانات وزلازل تشكل محتوى وسائل الإعلام المختلفة.

كثر الحديث والنقاش في السنوات الأخيرة في الأوساط الأكاديمية والعلمية عن تأثير وسائل الإعلام على الجريمة وخاصة فيما يتعلق بالجانب النظري وهل هناك علاقة ارتباطية بين التعرض للجريمة في وسائل الإعلام والسلوك العدواني عند الفرد.. فالدراسات والأبحاث العلمية في معظمها أكدت أن هناك تأثيرا سلبيا وعدد منها أكد أن هناك علاقة ارتباطية إيجابية بين التعرض للعنف التلفزيوني والسلوك العدواني.. فسلوك الفرد معقد ومركب وتحدده عوامل عدة من بينها الصورة الذهنية التي يشكلها الفرد بناء على ما تعرض له واستهلكه في مختلف وسائل الإعلام الجماهيري.

فالإشكالية هنا تتمثل في تغطية أخبار الجريمة من قبل وسائل الإعلام المختلفة وآثارها السلبية على أفراد المجتمع. فالجريمة كظاهرة اجتماعية تنتشر اليوم في مختلف المجتمعات، كما تنتشر في المراكز الحضرية الكبيرة وفي المناطق ذات الكثافة السكانية الكبيرة والمناطق الشعبية. ما هو الهدف من تغطية الجريمة والعنف من قبل وسائل الإعلام؟ لماذا وكيف؟ ما هي أخلاقيات التغطية؟ وما هي آليات هذه التغطية؟ وإلى أي مدى يتأثر الجمهور بما يقدم له؟ وما هي علاقة استهلاك المادة الإعلامية التي تستعرض الجريمة والعنف بالسلوك غير السوّي عند الفرد في المجتمع؟ هل تغطية الجريمة تؤدي إلى الوقاية منها وتخفيض وقوعها في المجتمع أم أنها تؤدي إلى انتشارها وإقبال نسبة من أفراد المجتمع على تقمص شخصية المجرمين ومنفذي العنف وتقليدهم في الواقع. هل هناك استراتيجية من قبل وسائل الإعلام في التعامل مع الجرائم وأحداث العنف؟ أم أن الأمر يتوقف على البحث عن الإثارة والغرابة والخروج عن المعتاد لزيادة المبيعات والحصول على أكبر عدد من المشاهدين؟ هل تغطية الجريمة مجرد فعل إعلامي أم أنها وسيلة لتحقيق غاية؟ هل أنها تستعمل لعلاج المشكلة أم أنها تستغل لتحقيق مكاسب السبق الصحفي ومكاسب مادية ليس إلا. تؤثر وسائل الإعلام المختلفة سلبا على الجمهور بتغطية الجريمة وأحداث العنف والعدوان والانحراف. بالمقابل تستطيع وسائل الاتصال الجماهيري إذا اُستعملت بطريقة علمية، منظمة ومدروسة أن تسهم في الوقاية من الجريمة. فوسائل الإعلام بالتنسيق مع الجهات التي تعنى بقضايا الانحراف و الجريمة و العنف كالشرطة و أجهزة الأمن المختلفة و جهاز القضاء، والمدارس و جمعيات أولياء الأمور، و الجمعيات المختلفة التي تعنى بالطفل و الأسرة، و المؤسسات الدينية و المجتمع المدني ككل، إذا كان هناك تنسيق بين الجميع و إذا كانت هناك استراتيجية للتعامل مع أسباب و جذور و انعكاسات ظاهرة الجريمة و العنف و العدوان و الانحراف، حينذاك بإمكان المؤسسة الإعلامية أن تشارك في بناء شخصية الفرد في المجتمع للتعامل الإيجابي مع الرسائل المختلفة التي يتعرض لها في مختلف وسائل الإعلام. فالمشكلة معقدة وتتحمل مسؤوليتها جهات عديدة وليست المؤسسة الإعلامية فقط.

من جهة أخرى وبدلا من البكاء على الأطلال والنقد ووضع اللوم على الآخرين يجب أن نطرح السؤال التالي على أنفسنا: ماذا أنتجنا نحن العرب لقرائنا ومشاهدينا وأطفالنا سواء في الصحف أو المجلات أو القنوات الفضائية أو الانترنيت؟ أين هو البديل؟ حتى لا نستهلك رسائل لم تصمم ولم تنتج لنا في الأساس ومنتجات إعلامية تحمل قيما وأفكارا وآراء الآخرين. وحتى ترقى وسائل الإعلام في مجتمعاتنا العربية إلى أن تلعب دورا مسؤولا وإيجابيا في التصدي للجريمة وللعنف وللعدوان يجب أن تكون في مستوى عال من المهنية والاحترافية ويجب أن تنتج وتصنع الرسالة التي تقدم للجمهور وفق الرؤية والأيديولوجية العربية الإسلامية. فالمؤسسة الإعلامية ليست صندوق بريد تشتري المادة المعلبة وتبثها للجمهور. وهنا تقع مسؤولية كبيرة جدا على المسؤولين في الوطن العربي للنظر للمؤسسة الإعلامية كمؤسسة تربوية تعليمية بالدرجة الأولى، وليس النظر إليها على أساس أنها آلة تحقق الملايين من الدولارات كأرباح على حساب القيم والعادات والتقاليد والمصلحة العامة. فما يبث هذه الأيام في الفضائيات العربية يبعث على الخجل حيث نلاحظ رسائل سطحية، تبسيطية، ضحلة، برامج تخدش الحياء وإعلانات بعيدة كل البعد عن الواقع العربي، برامج لا تعكس واقع الفرد العربي. هذه الرسائل تهدم أكثر مما تبني حيث أن هدفها الرئيسي هو الاستهلاك والبيع والجري وراء الكسب السريع وضمان أكبر عدد ممكن من القراء والمشاهدين للحصول على أكبر حصة من الإعلانات. فوسائل الإعلام تعتبر المنتج الحقيقي للثقافات والمعتقدات والتوجهات والمشّكل المحوري للرأي العام وهذا يعني أنه من واجبها تحمل المسؤولية وتأدية الرسالة على أحسن وجه ووفق القيم الأخلاقية والمعايير والمبادئ الإنسانية وعادات وتقاليد المجتمع. الصناعة الإعلامية اليوم نظرا لمعايير التسويق والتجارة والبيع والربح تستغل الإثارة والغرابة وأخبار الجنس والجريمة والانحراف والعنف لزيادة مبيعاتها وللاستجابة لمتطلبات السوق والمجتمع بغض النظر عن التأثيرات السلبية والضرر الذي تلحقه بالناشئة وبالجمهور بصفة عامة. فمظاهر العنف في وسائل الإعلام أصبحت تحتل حيزا كبيرا وأصبحت قيما خبرية تتسابق عليها المؤسسات الإعلامية.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"