إستراتيجية ما بعد داعش

د. حسن البراري

يُجمع الخبراء والمتابعون أن هزيمة داعش عسكريا هي مسألة وقت، وهذا ما أكد عليه أيضا المؤتمر الذي استضافته واشنطن لوزراء خارجية دول التحالف الدولي للقضاء على داعش قبل يومين.. لكن المسألة لا تتوقف عند هزيمة داعش، لأنها لن تكفي لإعادة الاستقرار لمنطقة دخلت في أتون حروب أهلية لا تنتهي. فهناك معضلة وبخاصة بالنسبة للولايات المتحدة ودول الخليج تتعلق بشكل المنطقة بعد أن يتم القضاء على داعش عسكريًا، فما هي الإستراتيجية اللازمة لإلحاق هزيمة عسكرية بتنظيم داعش من دون أن يفضي ذلك إلى فراغ أو من دون أن يخلق ذلك شروط وظروف التنافس والتناحر الطائفيين في حال تم تحرير مدينتي الموصل في العراق والرقة في سوريا؟

ولنبدأ بدول الخليج، فهي دول بشكل عام لها مصالح كبيرة في القضاء على داعش، بعد أن أصبح التنظيم مصدرًا للتهديد ولتقويض الأمن الداخلي لهذه الدول، فالسعودية عانت من سلسلة تفجيرات وهجمات وكذلك تم استهداف الكويت والبحرين.. بيد أن المسألة أكثر تعقيدا من ذلك، فهذه الدول قلقة للغاية بشأن سيناريو محتمل يدور حول إمكانية تحول هزيمة داعش إلى مكتسبات في الأرض لصالح إيران وأدواتها، فهذه الميليشيات الشيعية لم تدخل إلى سوريا على سبيل المثال وتقدم هذا العدد الهائل من القتلى والخسائر لتنسحب في اليوم الذي يلي هزيمة داعش!

والحق أن دول الخليج تبدي حماسة في محاربة تنظيم داعش مع قدوم إدارة ترامب التي تتفهم مخاوف حلفائها في الإقليم.. وما من شك أن الرئيس ترامب ما زال يفكر في الإستراتيجية الأفضل لمحاربة داعش دون إحداث تحول في موازين القوى لصالح خصوم حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وهنا ينبغي الإشارة إلى الدور السلبي الذي لعبته روسيا في محاربة الإرهاب، فموسكو سعدت منذ بداية تدخلها العسكري إلى محاربة التنظيمات غير الجهادية في سوريا حتى تساعد نظام بشار على وضع إطار للأزمة بشكل عام بحيث يكون الخيار بين نظام بشار مع القليل من مساحيق التجميل وتنظيم داعش وأخواتها. فالإطاحة بنظام بشار هي أمر ممكن عسكريا لكن يخشى الأمريكان من البديل، وهو أمر راهن عليه الروس منذ البداية وعملوا على أرض الواقع بشكل يمنع من تبلور بديل معتدل من خلال استهداف التنظيمات غير الجهادية.

لم تتبلور حتى كتابة هذه السطور إستراتيجية أمريكية واضحة حيال سوريا بعد داعش، لكن ربما يسعى الرئيس ترامب إلى إلزام الروس بالعمل على منع تمكين إيران وميلشياتها مثل حزب الله في سوريا لأن من شأن ذلك أن يمنح إيران ورقة هامة تغير من موازين القوى ضد الدول المتحالفة تقليديا مع الولايات المتحدة. فسطوة إيران في سوريا ستعمل على تعميق الانقسامات الإثنية والطائفية ما يفضي إلى استحالة عدم تقسيم سوريا أو إلى تحول سوريا إلى نموذج مشابه للنموذج الكارثي في العراق.. فلولا سياسات الإقصاء الطائفي التي مورست ضد سنة العراق لما كان لداعش أن ترى النور، وهذا هو مربط الفرس، فالمطلوب ليس القضاء على داعش ليظهر بعد فترة قصيرة تنظيم إرهابي آخر.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"