بقلم : جعفر عباس الإثنين 20-03-2017 الساعة 01:37 ص

حتماً النيكوتين "مافي زين"

جعفر عباس

معظمنا صار مدخناً من باب الفنكهة والمنظرة، لأن التدخين كان مرتبطاً في الخيال الشعبي بـ "التفكير" و"الإبداع"، وكنا نرى صور الشعراء والمشاهير عموماً وهم ينفثون الدخان، وشخصياً كان أكثر ما ملأني حماساً لممارسة التدخين، أن أخرجه من فتحتي الأنف، وياما دمعت عيناي وسالت برابيري وأنا أتدرب على إخراج الدخان عبر الأنف، وواصلت المران والتدرب إلى أن اكتشفت أنني صرت "محترفاً" أي مدمن للتبغ، وكانت بداياتي مع تبغ القمشة الذي يزرع في شمال السودان النوبي، وهو من أسلحة الدمار الشامل للرئة والجهاز الهضمي والمسالك البولية، فرائحته كريهة ولاسعة، لأن النبتة – فيما أعتقد – من فصيلة الشطة، ثم ظهر نوع من السجائر باسم أبو نخلة وكانت العلبة بثلاثة قروش، وكان تدخين أبو نخلة يمثل طفرة حضارية" وطبقية بالنسبة لنا الذين كنا نلف السجائر المحشوة بالقمشة الركيكة بأيدينا.

وإلى يومنا هذا وتدخين السجائر مرتبط بالرجولة والفحولة، وقبل أن يتم حظر إعلانات السجائر، كان الصنف المسمى مارلبرا (وهكذا يُكتب ويُنطق اسم هذا النوع من التبغ وليس مارليبورو)، يظهر في الصحف وعلى الشاشات، مقرونا براعي بقر ( كاوبوي) ذي لياقة بدنية عالية !! ومن ثم كان هناك استنكار تدخين النساء، ليس من منطلق أنه ضار بالصحة ولكن بمنطق أن التدخين نشاط ذكوري، وهكذا صار التدخين عند بعض النساء ضرباً من التمرد على التقاليد ولفت نظر الرجال إلى "أننا لسنا أقل منكم"!

كل السفسطة والفذلكة أعلاه، تداعت إلى ذهني بعد أن قرأت ملخص ما أوردته دورية نيتشر مديسين وترجمتها "طب الطبيعة"، حول أن النيكوتين، وهو المادة المسببة للإدمان في التبغ، يؤدي إلى معالجة بعض الاضطرابات النفسية، والشلل الرعاش "متلازمة باركنسون"، وخرف/ عته الشيخوخة (الزهايمر)، حيث يقوم النيكوتين بتنشيط بعض خلايا المخ فتطلق بدورها مادة الدوبامين التي تجعل الإنسان يحس بالاسترخاء، واسترخاء في استرخاء يكون الإدمان، ويرى الدكتور دان ماكقيهي من جامعة شيكاغو الأمريكية والدكتور توني جورج من جامعة ييل الأمريكية، أن الكثير من الناس يمارسون التدخين لأنه يخفف من معاناتهم من اضطرابات نفسية، وقد أثبتت مسوحات أجرتها فرق طبية أن نصف من يعانون من الاكتئاب وثلاثة أرباع من يعانون من الفصام (سكيتزوفرانيا) يدخنون لأنهم ربطوا ولو عن غير وعي وإدراك، بين التدخين وتخفيف أعراض الأمراض التي يعانون منها.

ولكن لا تحسب أن ذلك يمثل "رخصة" للتدخين! خصوصا وأن عدو المدخنين الأول، د. حجر البنعلي، وزير الصحة الأسبق، صار قليل الظهور. لا يا بعد عمري: ما زال التدخين سبباً أساسياً لسرطان الرئة والبلعوم واللثة، والعجز الجنسي عند الرجال، وتشوه الأجنة عند الحوامل، وحتى لو كنت تعاني من العلل النفسية والعضوية التي يعالجها النيكوتين، فلا يعني ذلك أن تواصل أو تستأنف أو تبدأ التدخين، فالنيكوتين موجود مغلفاً وتستطيع أن تشتريه من الصيدلية على شكل لصقات أو علكة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"