بقلم : جعفر عباس 16/03/2017 01:14:56

تلاميذ إخوة بالرضاع

جعفر عباس

تلقى أبناء جيلي تعليمهم، في عصر كان فيه شعار المدرسين وأولياء الأمور هو "العلم يرفعهم، والضرب ينفعهم"، واؤكد في هذا الصدد أن الضرب الذي أصابني في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، لم ينفعني في شيء، بل جعلني شديد النفور من مادة الرياضيات، وكانت على أيامنا اسمها "الحساب"، وارتبط اسمها في عقولنا بالمحاسبة والعقاب، وكان جدول الضرب هو الاختراع الذي أعطى المدرسين ذريعة لضربنا كما الإبل الشاردة، وفي مرحلة لاحقة كانت تهجئة الكلمات الإنجليزية هي الذريعة لتعريضنا للضرب، وهكذا كرهنا الاستعمار والاستكبار.

ثم عملت مدرساً، وضبطت نفسي أكثر من مرة وأنا أمد يدي على طلابي بالضرب، وكان ذلك في تقديري من باب التأثر بالأساليب التعليمية التي نشأت في ظلها، وربما كان "فشة خلق"، والأخذ بـ"الثار"، بمنطق ألا لا يجهلن أحد علينا " فنجهل فوق جهل الجاهلينا"، ولكن يشهد الله، أنه لم يحدث قط أن عاقبت طالباً لأنه لم يستوعب دروسه، أو لأنه متبلد الذهن، أو يخطئ في الإجابة على الأسئلة، فقد كنت أعاقب فقط على سوء السلوك، وقد توقفت نهائياً عن اللجوء للعقاب البدني، بعد أن اكتشفت أن مصادقة الطلاب أجدى وأنفع لأعصاب الطرفين، من أن تقوم العلاقة على الخوف من جانب الطالب، والتسلط العدواني من جهة المعلم.

وللمدرسين أساليب كثيرة لمعاقبة الطلاب، ولكن تلك المُدرّسة الزيمبابوية التي تناقلت الصحف قبل حين قصير من الدهر، طريقتها في عقاب التلاميذ، تستحق "براءة الاختراع"، ومن المؤكد أن طريقتها أكثر قبولاً من طريقة مُدرسة عربية مسلمة من شمال إفريقيا، قالت الصحف قبل نحو شهرين، إنها ألقت بتلميذ صغير عبر نافذة الطابق الثاني من المدرسة، بعد أن ضبطته متلبسا بجريمة الحديث مع جاره في حجرة الدراسة، وزميلتها "المربية" التي كوت أيدي عدد من التلاميذ بالنار.

المدرسة الزيمبابوية، ويخيل إليّ أنها من فصيلة رئيس بلادها روبرت موغابي، الذي يستأجر البلطجية لمعاقبة خصومه، والذي يتمتع بملامح "تقطع الخميرة"، تناسب أفعاله الشريرة. هذه المدرسة، كما اتضح عقب التحقيق معها، كانت تعاقب تلاميذها بالجملة، فأخف عقوبة هي 100 جلدة، ولكنها كانت حنونة ورقيقة في معظم الأحيان، وتعطي التلاميذ خيار الخضوع لتلك العقوبة أو "رضع اللبن"، (وبالمناسبة فإن ما يخرج من ضرع أنثى الكائنات الثديية، لبن وليس حليبا، والقرآن الكريم يتحدث في كثير من الآيات عن اللبن وأنهار اللبن).

نعم قالت وكالات الأنباء إنها كانت تسقط عقوبة الجلد لمن يرضع من ثديها، وقال معظم التلاميذ إنهم كانوا - بداهة - يفضلون الرضاعة من المعلمة الفريزيان، على تلقي الضربات المائة، وتخيل أن ابنتك عادت من المدرسة ووضعت أمامها طعام الغداء فقالت: شكراً ما أقدر آكل... تغديت حليب طازج في المدرسة، وبعد سين وجيم تعرف أنها رضعت من ثدي المعلمة!! كيف تتصرف؟ تكتب إلى وزارة التربية لتقول لها إن البنت فُطمت قبل سبع أو عشر سنوات؟ تقول إن ابنتك لا تتعاطى إلا اللبن المبستر؟ وتخيل مشهد غرفة دراسة تجلس في مقدمتها معلمة وهي تحمل تلميذاً في العاشرة يرضع من ثديها؟ من الواضح أن تلك البقرة كانت تستمتع بإرضاع التلاميذ، وإلا لما تركتهم يختارون بين 100 جلدة والرضاعة! فما من عاقل يقبل بذلك العدد المهول من الضربات.

الشاهد في تلك الحكاية هو أن كثيرين في الدول النامية يختارون "التدريس" (وهي مهنة طاردة ومحبطة)، وهم يفتقرون إلى أخلاق المهنة، وفي الدول العربية قد لا يتعرض التلاميذ للعقاب الجسماني، ولكنهم يتعرضون للجلد الممعن في القسوة بألسنة بعض المدرسين: تعال يا حمار.. أسكت يا ثور.. أجلس يا بغل!

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"