بقلم : فهمي هويدي الخميس 16-03-2017 الساعة 01:11 ص

إذ تصبح المهنة في خطر

فهمي هويدي

يلفت الانتباه في انتخابات نقابة الصحفيين المصرية التي تجري غدا أن مرشح السلطة لمنصب النقيب ما برح يلح في دعايته على أن المهنة في خطر. حدث ذلك في الوقت الذي تتحدث فيه وكالات الأنباء عن العصر الذهبي الذي تعيش فيه الصحافة الأمريكية. إذ زاد التوزيع والاشتراكات وارتفعت نسبة الإعلانات، الأمر الذي يستحق الرصد والمقارنة. وكانت وكالة «رويترز» قد بثت قبل أيام قليلة تقريرا عن انتعاش كبريات الصحف الأمريكية التي ظلت ردحا من الزمن تعاني من الكساد النسبي. وهو ما تمثل في تراجع توزيع طبعاتها الورقية بعدما أصبح التليفزيون منافسا شرسا لها. حتى أن صحيفة «واشنطن بوست» بجلالة قدرها كانت على وشك الإفلاس، لكن حساباتها تغيرت في ظل الانتعاش الأخير الذي أكدت فيه استقلالها ومارست في ظله درجة عالية من حرية التعبير. وهو ما أدى إلى زيادة عدد العاملين بمكتبها الرئيسي في واشنطن. وقد شمل الانتعاش صحفا أخرى مثل نيويورك تايمز ووول ستريت جورنال وفينانشيال تايمز. ومجلة فانيتى فير، وهي الصحف التي اشتبكت مع الرئيس دونالد ترامب وانضمت إلى معارضيه مما أثار غضبه ودفعه إلى مهاجمتها، فوصف نيويورك تايمز بأنها «فاشلة»، ووصف ناشر «فانيتى فير» بأنه «بليد»، واستثمرت المجلة هجوم ترامب عليها في دعايتها فذكرت في إعلاناتها أن: فانيتى فير المجلة التي لا يريدك ترامب أن تقرأها(!). الشاهد أنه حين استشاط غضب الرئيس ووصف الصحفيين بأنهم أعداء وكذابون وحثالة، فإن القراء ازداد إقبالهم على شراء الصحف ومتابعة ما تنشره.

إذ أرجو ألا يساء الظن بي بحيث يفسر بعض الخبثاء كلامي بأنه تحريض على اشتباك صحفنا مع الرئيس لإنعاشها، فإنني أفرق بين حديث الزميل المرشح عن أن المهنة في خطر، وبين المشكلات المالية والتوزيعية التي تواجه الصحف سواء في مصر أو في الولايات المتحدة أو غيرها من الدول. ذلك أن وجود تلك المشكلات لا يعني بالضرورة أن المهنة في خطر. وغاية ما يعنيه أن الصحافة الورقية تواجه أزمات عدة بسبب ثورة الاتصال وتعدد أساليبها أو بسبب موجات الركود الاقتصادي التي تطرأ بين الحين والآخر. وعلى أسوأ الفروض فإن توقف الصحف الورقية عن الصدور لا يعني أن المهنة في خطر، لأن فضاءات ممارسة المهنة عديدة، في الصحافة الإلكترونية والمرئية والمسموعة.

المشتغلون بالمهنة يعرفون جيدا أنها لا تنتعش إلا في أجواء الحرية، وتصبح في خطر في حالة واحدة هي حين تصادر حرية التعبير وتصبح الديمقراطية ــ ومن ثم الوطن ــ في خطر. ولا أظن أن ذلك المعنى خطر على بال زميلنا مرشح السلطة. لذلك أرجح أنه قصد بعبارته شيئا آخر مختلفا تماما. ولا أستبعد أن يكون قد أراد أن يوجه رسالة ضمنية يستهدف بها النيل من النقيب الحالي الذي ينافسه والمجلس الذىييعاونه. وهو احتمال تؤيده التعليقات التي ترددت على ألسنة عناصر موالاة السلطة منذ اعتراض النقيب على اقتحام الأمن للنقابة وإلقاء القبض على اثنين من الزملاء اللذين اعتصما بها. وهي الموقعة التي تحولت إلى قضية حكم فيها بالسجن عامين للنقيب والزميلين وتغريم كل منهم عشرة آلاف جنيه. منذ ذلك الحين تحركت عناصر الموالاة (الصحفيون يسمونهم أمنجية) ودعت إلى الانقلاب على النقيب ومجلس النقابة.

هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول بأن مرشح السلطة أراد أن يوحي بأن الخطر يتمثل في استمرار النقيب الحالي وأعضاء مجلس النقابة الذين قيل إنهم خليط من الناصريين واليساريين. وإذا صح ذلك التحليل فإن معركة صاحبنا في حقيقتها هي ضد أشخاص غير مرضي عنهم وتعتبرهم الأجهزة الأمنية خطرا ينبغي التخلص منه. ولأنني لست ناشطا نقابيا وأقف خارج التكتلات المتصارعة، فإنني لا أخفي انبهارا بسقف الحرية الذي تتمتع به الصحف الأمريكية، وأتمنى أن تحافظ نقابتنا على استقلالها، بقدر احتفاظها بعلاقة إيجابية مع السلطة، شريطة أن تكون علاقة حوار واحترام متبادل وليس علاقة إلحاق أو تبعية. لذلك أزعم بأن المعركة التي يفترض أن تحسم غدا ليست بين شخصين ولكنها بين نهجين في التعامل مع السلطة، والخطر الحقيقي في هذه الحالة يتمثل في ترجيح كفة الإلحاق على الاستقلال.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"