الإشاعة في حياة الشعوب والمجتمعات

محمد قيراط

تمثل الشائعة جزءا لا يتجزأ من الفضاء الإعلامي لكل مجتمع حيث أنها وجدت منذ وجود البشرية وما زالت تفرض وجودها اليوم في عصر الفيسبوك واليوتيوب. فالشائعة كظاهرة اجتماعية تعتبر مكونا هاما واستراتيجيا في التراث الثقافي لأي مجتمع من المجتمعات. فالإشاعة جزء من المجتمع إذ تعبر تعبيراً عميقاً عن ظروفه النفسية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.. ولذلك تعد متغيرا محوريا لدراسة وفهم المجتمع وتحديد ملامحه وخصائصه. وتتضح أهمية دراسة الشائعات من تأثيرها الكبير على المجتمعات فقد تؤدى إلى تفكك وتدهور المجتمع كما قد تؤدى إلى تماسكه وفقا لدورها في خفض أو رفع الروح المعنوية لذلك المجتمع.. فمن خلال الشائعات يمكن أن تتبدل أو تتغير مواقف الأفراد وعلاقاتهم وتفاعلاتهم. من جهة أخرى يمكن أن يعزف الناس عن شراء منتج أو زيارة مكان. فالشائعات يمكن أن تؤثر في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية، والنفسية، والثقافية للشعوب ويمكن أن تؤثر في العلاقات الدولية واستقرار المجتمعات. والشائعة كأحد أسلحة الحرب النفسية والدعائية وسيلة مهمة يعول عليها في القضاء على معنويات العدو وهزيمته والتغلب عليه.

الإشاعة سلاح يتطور مع تطور المجتمعات وتطور التكنولوجيا. فقد تزايد الاهتمام بدراسة الشائعات في عصر المعلومات، حيث النمو الهائل والمستمر والمتراكم للمعلومات في مختلف مجالات النشاط الإنساني، وهذا التطور في الرصيد المعلوماتي أثر على طبيعة الشائعات وزاد من أهميتها. فالإشاعة رغم أنها لا تعتمد على الإقناع المباشر أو غير المباشر كما في الدعاية والحرب النفسية إلا أنها تفعل فعلها وتحقق آثارا كبيرة حيث تطمس معالم الحقائق وتفرق الآراء وتمزق الِّلحمة الاجتماعية وتشوه صور القادة والزعماء. يعكس الواقع الراهن للعالمين العربي والإسلامي واقع البلبلة الفكرية والتشويش الذهني والتشتت الفكري الذي نعيشه بفعل الحملات المستمرة والموجهة إلينا من قبل الآخر في إطار الحرب ضد الإرهاب والشرق الأوسط الكبير وصراع الحضارات والإسلاموفوبيا.

الإشاعة قديمة قدم الإنسانية مرت بمراحل وتطورات عديدة ومتشعبة ومع مرور الزمن تعددت مفاهيمها وأساليب استخدامها واتخذت عدة أشكال عبر التاريخ وتداخلت مع الخطاب الإعلامي بمختلف وسائله ملازمة بذلك حركة الصراع والنزاع والاختلاف التي تحدث بين البشر وخاصة في الحروب والأزمات. ولقد كان للإشاعة دور مؤثر في مسار التغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية وصناعة القرار في العديد من المجتمعات وحتى في تشكيل الوعي ومنظومة القيم بداخلها عبر التلاعب بالعقول وصناعة الكذب خاصة وأنها تنمو وتتطور في بيئة تنعدم أو تضعف أو تتأخر فيها المعلومات الكافية عن موضوعات تهم الجمهور. تنتشر الإشاعة وتجد ضالتها في غياب المعلومة والشفافية والوضوح والصراحة التي تهم الفرد والمؤسسات ومكونات المجتمع بصفة عامة. الشائعة كالنار تسري بسرعة فائقة إذا توافرت لها عوامل الانتشار , فهي تمتاز بالإيجاز والسهولة في التذكر وسهولة النقل والرواية وتزدهر في المجتمعات الضعيفة أكثر مما تنتشر في المجتمع المتماسك المثقف تبعا لطبيعة الاستعداد النفسي , وقد تسري أحيانا بمساعدة الاستجابات الفردية وقد تكون عوامل مواجهة الشائعة سببا في انتشارها وهي بشكل عام تنتشر عن طريق وسائل الإعلام المختلفة وقد تنتشر عن طريق الهمس بين الأفراد أو عن طريق الفكاهة والتندر والثرثرة , فيحاول مروجها تأكيد صدقها وأنه حصل عليها من مصدر مسؤول وإن لديه علما بخلفيات الأمور وقد تنفع الشائعة متلقيها أهمية فيتجه بها بنفس الأسلوب لكي يؤكد حقيقة وجودها , ولعل أكثر أنواع الشائعات رواجا تلك التي تنتشر عن طريق الفكاهة لأنها ترسخ في ذهن السامع ولا ينساها .

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"