هوامش على دفتر الإرهاب

فهمي هويدي

المعركة ضد الإرهاب نسجت من حولها أساطير عدة بحاجة إلى مراجعة وتحرير.

(١)

في برلين قال يحيى راشد وزير السياحة المصري إن الاستقرار الأمني والسياسي وراء التحسن الملحوظ في حجم السياحة الوافدة إلى البلاد. في نفس الأسبوع ردد في فيينا علاء عابد رئيس لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب عبارة المسئول المصري التي قال فيها إن مصر وحدها تحارب الإرهاب نيابة عن العالم، ودعا إلى إنشاء تكتل دولي لمحاربة الإرهاب ــ الأول كان يخاطب غرفة برلين للسياحة، والثاني كان يخاطب اجتماعا للأمم المتحدة عقد في العاصمة النمساوية لمناقشة موضوع الإرهاب والجريمة ــ والرسالتان تعبران عن ازدواجية الخطاب المصري إزاء الموضوع. أحدهما يريد أن يجذب السياح والمستثمرين فيتحدث عن الاستقرار والأمان، أما الثاني فهو يبالغ في موضوع الإرهاب فيستنفر ويحذر. مرة بدعوى أنه يهدد العالم ومرة ثانية بدعوى أنه يهدد الدولة ويدعو إلى إسقاطها. وذلك ليس موقفا جديدا، لأنه منذ ثلاث سنوات، صار الإرهاب أهم عناوين الحالة المصرية والصيغة الأكثر جاذبية لوصم الصراع السياسي وشيطنته. إلا أنه بمضي الوقت أدرك المسؤولون أن من شأن استمرار ذلك النهج أن يوصد الأبواب في وجوه السياح والمستثمرين. ووجدوا أن ذلك إذا أدى إلى كسب جولة الصراع السياسي، فإنه يفاقم من أزمة الوضع الاقتصادي. بمعنى أنه يخدم النظام ويضر بالوطن.

انتبه إلى ذلك الرئيس عبدالفتاح السيسي، فحاول أن يصوب الصورة في حوار تليفزيوني أجرى معه في برشلونة حين زارها في شهر نوفمبر الماضي (٢٠١٦). إذ حين سئل عن الإرهاب فذكر أنه محصور في شريط ضيق بشمال سيناء، في منطقة لا تتجاوز ٢٪ من جملة مساحتها. ولم يكن ذلك تهوينا من شأن الإرهاب، وإنما كان توصيفا دقيقا لساحة مواجهته التي لا تتجاوز في طولها ٤٥ كيلومترا. ذلك أن ما يحدث خارج سيناء (في الدلتا مثلا) فهو في حقيقته حوادث استثنائية لا تشكل ظاهرة كتلك الموجودة في شريط رفح والشيخ زويد والعريش، علما بأن الوجه القبلي الذى يشمل محافظات الصعيد كلها، لم يعرف تلك الحوادث.

(٢)

هذه الخلفية تسوغ لنا أن نستخلص أمرين، الأول أن الإرهاب ظاهرة مقصورة على شمال سيناء، يعانى منها كل سكان المنطقة البالغ عددهم نصف مليون نسمة. صحيح أن العمليات الإرهابية تستهدف أجهزة السلطة ومؤسساتها، إلا أن المجتمع السيناوي تأثر بها إلى حد كبير، الأمر الذي غير من نمط حياة السكان وعلاقاتهم الاجتماعية كما هدد شعورهم بالأمن، أما في خارج ذلك الشريط الساحلي، في بقية أرجاء مصر، فإن الظاهرة لا وجود لها. والعمليات التي تتم بصورة استثنائية في بعض المدن هي مجرد حوادث إرهابية، لم تؤثر على حركة المجتمع ونمط حياة أفراده، الدليل على ذلك أن أي مواطن ساكن في القاهرة مثلا أو قادم إليها من أي مكان لا يلمس أثرا للإرهاب ولا يسمع عنه إلا من خلال وسائل الإعلام. بل أزعم في هذا الصدد أن قلق المجتمع من سطوة العصابات الإجرامية صار أكبر من قلقه إزاء العمليات الإرهابية.

الأمر الثاني أن تعميم حكاية الإرهاب على مصر كلها والإيحاء بأنه يستهدف إسقاط الدولة والإدعاء بأن الصراع ضده هو معركة وجود، ذلك كله من قبيل المبالغات التي تنتمي إلى أساليب التعبئة الإعلامية بأكثر من تعبيرها عن حقائق الواقع. النموذج الدال على ذلك، الذي ذكرته من قبل، يتمثل في قصة تفجير مديرية أمن الدقهلية يوم ٢٤ ديسمبر عام ٢٠١٣، في ذروة الصراع بين السلطة والإخوان، ذلك أن الحادث الذي صدم الرأي العام والسلطة نسب إلى الإخوان على الفور، واستخدم إعلاميا في التعبئة الإعلامية ضدهم على نطاق واسع. وترتب على ذلك أن اجتمع مجلس الوزراء في اليوم التالي مباشرة (٢٥ ديسمبر) وقرر اتهام الجماعة بأنها حركة إرهابية، استنادا إلى التسليم بأنها قامت بذلك العمل الإرهابي الكبير، وما حدث بعد ذلك كان مفاجئا، ذلك أن جماعة أنصار بيت المقدس السيناوية بثت في شهر إبريل عام ٢٠١٤ شريط «فيديو» أعلنت فيه مسؤوليتها عن التفجير وعرضت بالصور مراحل تنفيذ العملية. رغم ذلك فإن متطلبات التعبئة الإعلامية فرضت إلصاق صفة «الإرهابية» بالجماعة، وهو ما استمر في وسائل الإعلام منذ ذلك الحين وإلى الآن. لا ينفى ذلك أن الجماعة وقعت في أخطاء وأخفقت في بعض الحسابات السياسية، لكن ذلك كله شيء وقيادة العمليات الإرهابية شيء آخر. وهو ما تشهد به التجربة التي أثبتت أن مجال الإرهاب الحقيقي كان ولايزال محصورا في شمال سيناء، حيث الحضور القوى والمستعصي لعناصر العنف باختلاف مسمياتها.

(٣)

أرجو أن يكون واضحا أن مدار البحث وموضوعه ليس التحقيق في مبدأ وجود الإرهاب في مصر، لكن تحرى حجمه ودرجته. وهذه مسألة ينبغي عدم التهوين من شأنها، لأنه باسم مكافحة الإرهاب حشر في السجون نحو ٦٠ ألف مواطن (حسب تقرير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان)، ولاستيعابهم تم بناء ١٩ سجنا جديدا خلال السنوات الثلاث الماضية. ومن هؤلاء قدمت أعداد كبيرة إلى المحاكم الجنائية والعسكرية، التي قررت إعدام المئات منهم. كما صدرت القوانين الاستثنائية التي قيدت الحريات العامة، وجرى العصف بمنظمات المجتمع المدني خصوصا الحقوقية منها، وتعرض مئات للاختفاء القسري كما منع مئات آخرون من السفر إلى الخارج. إلى غير ذلك من الإجراءات التي ذكرتني بعنوان جامع لأحد الكتاب قال فيه: قل (إرهاب) ثم علق المشانق. وهو ما اختزل به المشهد الذي بمقتضاه يتم إشهار عنوان «الإرهاب» في الفضاء العام. ليسوغ اتخاذ كل ما يخطر على البال من إجراءات استثنائية، بما في ذلك تعليق المشانق للأبرياء. وليس ذلك مجرد افتراض، لأنه ما عبر عنه أحد أركان ما سمى بائتلاف ٣٠ يونيو. حين قال في أحد اللقاءات إن الخلاف السياسي لا حل له سوى «اجتثاث الخصوم» أسوة بما فعله الأمريكيون مع عناصر حزب البعث بعد احتلال العراق (عام ٢٠٠٣).

بدا التهويل من خطر الإرهاب مقدمة ضرورية لاتخاذ مختلف الخطوات والإجراءات السابق ذكرها. كما أنه ساعد على الترويج لأسطورة أن مصر تحارب الإرهاب نيابة عن العالم. وتقوم بذلك وحدها. وهى العبارة التي أشرت إلى أن أكثر من مسؤول مصري رددها في سياق مخاطبة الداخل والخارج.

حين حاولت التحقق من صحة المعلومة أو الأسطورة، تبين ما يلي:

< ليس صحيحا أن مصر تحارب الإرهاب نيابة عن العالم. أولا لأن حجم الإرهاب في مصر متواضع كثيرا إذا قورن بغيرها من الدول العربية المحيطة، مثل ليبيا وسوريا والعراق واليمن. وحين نلاحظ أن تلك الدول أصبحت معرضة للتفتت، أو أنها تفتتت بالفعل، فضلا عن أنها أصبحت غارقة في دماء مواطنيها. فإن ذلك يدلنا على أن مصر المتماسكة تواجه مشكلة محلية على مساحة محدودة من أرضها، ولم تنجح الجهود المبذولة في القضاء عليها.

< في الدراسات التي أجرتها مراكز الأبحاث الغربية عن خطر الإرهاب في العالم، لم يذكر الباحثون أن الإرهاب في مصر له وضع خاص. فقد ذكرت مجلة «فوربس» الأمريكية أن مصر واحدة من أكثر عشرة أقطار عانت من الإرهاب في عام ٢٠١٥ وهذه الأقطار هي: العراق ــ أفغانستان ــ نيجيريا ــ باكستان ــ سوريا ــ اليمن ــ الهند ــ الصومال ــ مصر ــ ليبيا. أما مؤسسة «إيه أو إن» البريطانية فقد قسمت الدول ستة أقسام واعتبرت مصر ضمن ٢٤ دولة ارتفع فيها مستوى الإرهاب. أما الدول التي صار فيها الإرهاب خطرا فقد وصل عددها إلى ١٥ بينها ٥ دول عربية هي سوريا والعراق واليمن وليبيا والسودان.

< ليس صحيحا أن مصر تحارب الإرهاب وحدها. ذلك أن دول الخليج تقف علنا إلى جانبها سياسيا واقتصاديا وأمنيا، حتى أصبحت تمنع دخول غير المرضي عنهم مصريا إلى أراضيها. كما أنها قامت بترحيل أو تسليم معارضي النظام المصري من العاملين لديها. والكلام متواتر عن مشاركة إسرائيل في ملاحقة الإرهابيين في سيناء. وهو ما صرح به وزير الدفاع الإسرائيلي لإذاعة الجيش في ٢٥ فبراير الماضي، وأيده في ذلك كل من عاموس هارئيل المعلق العسكري لصحيفة هاآرتس ومحرر الشؤون العربية لصحيفة فيكور راشوت.

(٤)

مما سبق نخلص إلى ما يلي:

< إن فكرة استخدام الأساطير لتشويه ثورة يناير ٢٠١١ وتبرئة الذين أهانوا الشعب والوطن وظفت مرة أخرى لتصفية الثورة وإجهاض أحلامها في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية. وهو ما تم من خلال نسج مجموعة من الأساطير حول الإرهاب الذي صار السلاح الأمضى الذي استخدم لأجل ذلك.

< إن الإرهاب في مصر نطاقه محصور في الشريط الضيق المتمثل في شمال سيناء. وأكرر هنا أنه بمثابة حالة في تلك المنطقة، في حين أنه مجرد حوادث تقع خارج حدودها لأسباب متباينة.

< إن الوطن ليس مهددا بالانهيار ولا الدولة مهددة بالسقوط كما يشاع. والترويج لمثل تلك المقولات للتخويف من خطر الإرهاب، كان سبيلا لضرب الديمقراطية وتبرير استخدام العنف والقمع لحسم الخلاف السياسي. وهو ما أدى إلى إماتة السياسة وإنعاش دور الأمن وأساليبه.

< إن المبالغة في خطر الإرهاب لم تصرف الانتباه عن تحديات التنمية الحقيقية في الداخل فحسب، ولكنها أيضا أسفرت عن تراجع الاهتمام بالتهديدات الخارجية. وهو ما أدى ليس فقط إلى تراجع أولوية القضية الفلسطينية في الأجندة المصرية، وإنما أدى أيضا إلى تنشيط التعاون الاستخباري مع الدولة العبرية. الأمر الذي أوصلنا إلى مفارقة أصبح في ظلها التطبيع مع إسرائيل مقدما على المصالحة السياسية الداخلية. وصارت إسرائيل التي قامت على الإرهاب حليفا في حين أصبح الأشقاء المعارضون أعداء من أهل الشر.

أما أخطر النتائج التي ترتبت على التهويل من حجم الإرهاب وخطره، أن ذلك أدى إلى تشويه الإدراك العام وتعميق انقسام الصف الوطني، الأمر الذي أحدث جراحا في جسم الوطن سنحتاج إلى سنوات وعقود لعلاجها.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"