بقلم : د. حسن البراري الجمعة 10-03-2017 الساعة 12:41 ص

التقرير الإسرائيلي عن الأردن

د. حسن البراري

التقرير الذي نشرته صحيفة هاآرتس الإسرائيلية يوم الأربعاء الماضي، والذي يشير إلى قلق عينات شلاين -السفيرة الإسرائيلية في عمان- على الأردن وأمنه الوطني، لم يأت بأي جديد، فكل ما أشار إليه التقرير هو ما يكرره الأردنيون في وسائل الإعلام المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعي. في هذه العجالة، لن أناقش التقرير، لأن كل ما ورد بخصوص الأوضاع الاقتصادية المتردية والتنسيق الأمني بين إسرائيل والأردن هو صحيح، لكن التقرير تغافل (وعن قصد) حقيقة تأثر الأردن سلبا من السياسات الإسرائيلية التي تقوض الأمن الأردني.

سأبدأ بالحديث عن حقيقة ما تريده إسرائيل من الأردن، في هذا السياق تسعى إسرائيل إلى أن يكون الأردن "شريكا" في حل سياسي للقضية الفلسطينية لا يعيد الحقوق لأصحابها، بمعنى أنها تبحث عن إحياء صيغة متردية من صيغ الخيار الأردني، وهو أمر سيلحق ضررا كبيرا بالأمن الوطني الأردني. والحق أن التفكير الإسرائيلي الحالي حيال الأردن ليس معزولا عن التفكير الصهيوني السائد قبيل إقامة دولة إسرائيل، فالفرضية الرئيسة التي حركت دبلوماسية وتحركات قادة الوكالة اليهودية في ذلك الوقت هي أن مصلحة إسرائيل تتطلب إيجاد شريك عربي يقبل بوجود إسرائيل ويعادي استقلال الفلسطينيين، وما من شك أن هذا التفكير الكلاسيكي يستند إلى فرضية أن النظام الهاشمي بالأردن يمكن أن يقبل بأن يلعب دور الشريك في العداء ضد الحركة الوطنية الفلسطينية.

وهنا لا بد أن نشير إلى أن هناك مدرستين سياسيتين في الأردن في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي: واحدة ترى بأن إقامة دولة فلسطينية مستقلة هو ليس في صالح الأردن، وأخرى ترى العكس تماما. وفي التسعينيات انتصرت المدرسة الثانية وأصبح موقف الأردن الرسمي يتمحور حول فكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتواصلة جغرافيا وقابلة للحياة. ومع ذلك لا تزال بعض الدوائر الصهيونية الحاكمة في إسرائيل ترى بأنه يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وإقناع الأردنيين بضرورة تفهم عدم إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

كل ما يحتاجه الأمر هو قراءة ما كتبه جيورا إيلاند منذ عام ٢٠٠٨ فصاعدا، وبخاصة الدراسة المهمة والخطرة التي نشرها مركز بيجن- سادات للدراسات الإستراتيجية التابع لجامعة بار إيلان الإسرائيلية، والذي يتحدث فيها عن الحل الإقليمي الذي يعيد الحياة إلى صيغة سيئة جدا من صيغ الخيار الأردني.

من خلال متابعتي ما يُكتب في الصحف الإسرائيلية وما ينشر في مراكز التنك تانك الإسرائيلية، يمكن التوصل إلى نتيجة إن هناك إجماعا إسرائيليا يدور حول فكرة أن الوضع الاقتصادي المتردي في الأردن يمنح إسرائيل القدرة على التأثير في خيارات الأردن السياسية، بمعنى أن هناك مصلحة إسرائيلية لإضعاف الأردن اقتصاديا إلى حد الاستسلام للأفكار الإسرائيلية، وربما هذا يفسر جزئيا استمرار تولي نخب وادي عربة السلطة في الأردن، يشاركهم في ذلك الليبراليون الجدد الذين أسهموا بشكل كبير في تفكيك الدولة وإفقارها وزجها في مغامرات تهدف إلى ضرب بينة المجتمع برمته.

وإذا كان هذا التحليل صحيحا، وأحسبه كذلك، لماذا لا يتنبه العرب إلى هذا الأمر ويُفعّلون مبدأ الأمن القومي العربي وتقديم مساعدات -حتى لو كانت مشروطة- إلى الأردن لتصليبه ورفع جاهزيته للتصدي للمخططات الإسرائيلية التي تستهدف أمنه الوطني، وبخاصة أن أي انهيار في الأردن سيكون له عواقب كارثية على الأمن القومي العربي وسيكون له ارتدادات خطرة على الإقليم بشكل عام.

بكلمة، إسرائيل هي من يشكل مصدر التهديد الأساسي للأردن ومحاولات إسرائيل في الظهور بمظهر الصديق يذكرنا بالجزار الذي يشتري خروفا صغيرا ويحسن إليه لتسمينه تمهيدا لذبحه والاستفادة من لحمه.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"