بقلم : جعفر عباس الخميس 09-03-2017 الساعة 01:22 ص

عن الجمال المغشوش

جعفر عباس

من واظب على قراءة الصحف في السنوات الأخيرة، سيخرج بانطباع بأن البلاد صارت خالية من الأمراض، فلا التهابات ولا زوائد دودية، ولا بطون تنفتق، ولا فقرات ظهر تتلخلخ، بل قد تحسب أن الناس قد انصرفوا عن التناسل والتكاثر، لأن جُلّ ما يتعلق بالرجال والنساء من الناحية الطبية، صار يتصل بجمال الأنف والأذن والحنجرة والقوام، وليس بالحمل والولادة.

فمع التكاثر الأميبي للعيادات الخاصة، صار التنافس بينها على تدبيس البطون، أو إخضاعها لما يسمى في التعامل مع الكمبيوتر "كط آند بيست"، بِقَص جزء من البطن، حتى يصبح الجزء المتبقي منها سريع الامتلاء، فيكفّ صاحب البطن المقصوصة عن الرمرمة، وابتدع الجراحون مؤخرا تقنية حشو البطن بالبوتوكس، وكان مبلغ علمي أنها تستخدم فقط في حشو النتوءات التي تظهر على الوجه، بسبب عوامل التعرية والتصحر الحتمي مع التقدم في العمر، ورأيت كذا ممثلة راحت عليها، بفعل الزمن، ثم صارت تنام كما الذئب بإغلاق عين واحدة، ليس خوفا من التحرش، ولكن لأن البوتوكس شد الجفنين فاستعصيا على الانغلاق.

وقبلها بسنوات انتقل السيليكون من أيدي السباكين إلى أيدي جراحي التجميل، لأن لبعض النساء ولع بالحصول على نهود كاملة التدوير، في رفض لسنة الحياة، التي تجعل جميع عضلات الجسم ترتخي بمرور الزمن، فيثقب الجراح صدر طالبة ذلك الإجراء بـ"الدريل" الطبي، ثم يحشوه بالسيليكون، فتحصل على صدر وثّاب مزيف، وحدث كثيرا أن انفجرت كتلة السيليكون المحشوة في الصدور وتسببت في خضوع العديد من النساء لجراحات كبيرة، وهو ما يمكن أن نسميه إصلاح العطار لما أفسده العطار.

ومن غرائب الأحداث، أن حشية السيليكون تلك أنقذت امرأة من الموت، فقد استاء أمريكي من أن زوجته طبيبة الأسنان طلبت الطلاق، فحمل مسدسه وتوجه إلى العيادة وأطلق النار عليها، وكانت هناك وقتها فقط موظفة الاستقبال، فأعطاها طلقة ثم خرج وهو واثق من أنه لا يوجد شاهد على جريمته، وعندما وصل مرضى آخرون إلى العيادة، وجدوا الطبيبة ميتة، وموظفة الاستقبال مثقوبة الصدر ولكن في كامل وعيها، واتضح أن صدرها كان محشوا بالسيليكون، وجاءت الرصاصة على الحشية واستقرت فيها دون أن تنفذ للقلب أو الرئة.

سيدة بريطانية سافرت إلى البرازيل قبل شهور، للفوز بحشية السيليكون التي تعزز الصدور، لأن تكاليف تلك العملية هناك أقل من نصف تكلفتها في أي بلد أوروبي، وفازت بصدر "محشي"، وبعد فترة النقاهة، ذهبت إلى حمام ساونا، وجلست وسط سرب من النساء وهي تقول في سرها: يا أرض انهدي ما عليك قدي، وفجأة دوى في الحمام "بوووووم" وبما أنها كانت لابسة من غير هدوم، فقد تناثرت فتافيت السيليكون في كل الاتجاهات، لأنه مادة تتبربر بالبرودة وتتحرحر بالحرورة (كما قال الممثل المصري الراحل سعيد صالح).

وبما أنني أنتمي إلى جيل متخلف وغير مواكب للحضارة (وحسن الحضارة مجلوب بتطرية / وفي البداوة حسن غير مجلوب)، فقد لا يكون من حقي أن أعاير النساء لكون جمال بعضهن فالصو (تايوان .. بيني وبينكم، فالصين الكبيرة نفسها صارت فالصو في معظم منتجاتها في أسواقنا)، ولكن تصعقني كهرباء ستاتيكية كلما قرأت لافتة في صالون رجالي تتحدث عن البديكير، وتلميع الوجه بعصير الجرجير، وجعل البشرة لامعة كالسيراميك، بعد دهنها بصبار من المكسيك.

والله يا شباب ماني حاقد أو حاسد، لأنني من جيل عصر ما قبل النيفيا، ولكنني أريد لكم أن تترفقوا بأجسامكم، التي خلقها الله في أحسن تقويم، وتذكروا مايكل جاكسون الذي أشبع وجهه قطعا ولصقا، فصار أنفه كمنقار البومة، وتذكر قوله تعالي "ثم رددناه أسفل سافلين"، فلا ترتد إلى الأسفل في الدنيا، عسى أن يغفر لك ربك عبثك بالهيئة التي خلقك عليها، فتتفادى الوقوع إلى أسفل سقر، التي لا تبقي ولا تذر.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"