الخداع الروسي ومؤتمر جنيف

د. حسن البراري

قبل أقل من ثلاثة أسابيع وجه وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيليرسون صفعةً لروسيا وبدد آمالها في الحصول على تنازلات أمريكية تقدمها إدارة ترامب، ما يعني أن التقارب الأمريكي الروسي لن يكون كما كانت تأمل موسكو وبخاصة في ظل الرقابة الشعبية والإعلامية في أمريكا والاتهامات التي طالت الرئيس وفريقه والتمليح وكأن هناك نوعا من "التخابر" مع روسيا. الوزير الأمريكي أكد على التزام واشنطن بحلف النيتو وعلى موقف بلاده من الأزمة في أوكرانيا وهذا على عكس ما يتمناه الكرملين الذي تستند سياسته على تفتيت النيتو والاتحاد الأوروبي.

في السياق السوري، أكد تيليرسون على دعم مؤتمر جنيف لكن من دون رعاية أمريكية، وهو أمر يضعف من موقف روسيا التي كانت ترغب وبالتعاون مع أمريكا في إفراغ بيان جنيف واحد من محتواه وخلق مرجعية جديدة تعكس موازين القوة على الأرض بعد أن أفرغت موسكو من نهج التوحش في حلب وبدأت تتعامل مع المعارضة كطرف مهزوم في الميدان.

عملياً، يدرك الروس أن تمددهم في سوريا ما كان ليتم لولا تواطؤ إدارة أوباما معها، وهي تعرف أن خروجها من هذا المستنقع مع الحفاظ على مكاسبها الاستراتيجية والاقتصادية في الوقت ذاته لن يكون آمنا إلا بالتوافق مع واشنطن وليس مع القوى الإقليمية، فالتقارب مع أنقرة بعد استدارة أردوغان لا تضمن تسوية مناسبة للروس، فلتركيا مصالح تتعارض موضوعيا مع حلفاء موسكو في الأزمة السورية، ولعل التراشق بين أنقرة وطهران ما هو إلا تعبيرا عن الجزء الظاهر من جبل الجليد المخفى جله في الماء.

تواجه موسكو مشكلة أخرى تتمثل في عدم قدرتها أو عدم رغبتها في ضبط حلفائها في الأزمة السورية (إيران وقوات بشار الأسد)، وقد شاهدنا كيف أن تركيا تمكنت من ضمان الفضائل التي دخلت عملية الآستانة في حين عجزت روسيا أو لم تكن راغبة في لجم إيران ومليشياتها وقوات الأسد، والحق أنها قوى تراهن على حسم عسكري شامل مستفيدة من الموقف الأمريكي غير الرادع وتوفير الغطاء الجوي الروسي. وهي تستفيد أيضا من المسار السياسي لأنه تخلق انطباعا بأن نظام بشار يجنح للسلم في حين أنه في واقع الأمر لا يمكن له أن يستمر في عملية جنيف بمرجعتيها المعروفة ويضمن البقاء السياسي.

وفي ظل هذه الحالة من عدم التيقن الاستراتيجي وبخاصة وأن الاستراتيجية الأمريكية حيال الشرق الأوسط لم تتضح بعد ولم يعلن وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس عن خطته في القضاء على داعش ومع من سيتحالف على أرض الواقع فإن موسكو ستستمر في لعبة الخداع والتضليل الاستراتيجي، فموسكو تشتري الوقت وتحتفظ بخياراتها مفتوحة لأنها في نهاية الأمر ستعلي من قيمة التفاهم مع واشنطن وليس طهران التي أعلن جيمس ماتيس بأنها أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم.

بكلمة، الملف برمته معقد وشائك، فاستراتيجية ترامب القادمة في القضاء على داعش تتطلب من ضمن ما تتطلبه توثيق التنسيق مع المملكة العربية السعودية التي تتوجس من إيران وترى فيها مصدر التهديد الرئيسي لاستقرار المنطقة بشكل عام، وبقي أن ننتظر لنرى كيف ستتصرف موسكو في ظل تبلور المقاربة الأمريكية قيد التشكيل وإذا كان بمقدورها تفريغ بيان جنيف واحد من محتواه وبالتالي تمكين إيران في سوريا المفيدة على الأقل ما يطرح أسئلة مختلفة على كل اللاعبين الإقليميين المهمين.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"