بقلم : جعفر عباس الخميس 02-03-2017 الساعة 01:07 ص

العودة إلى الجذور

جعفر عباس

صار لي عمود ناصية لأول مرة في مسيرتي الصحفية، في هذه الصحيفة "الشرق"، وبنفس الاسم أعلاه في أواخر عام 1990، ومن هنا شرّقت الزاوية وغربت، واحتضنتها مجلة المجلة والمشاهد السياسي، التي كانت تصدرها هيئة بي بي سي، ثم القدس العربي اللندنية والوطن والراية القطريتان، والوطن وعكاظ واليوم السعوديات، ثم نحو خمس صحف سودانية

نشرت الزاوية المنفرجة في الشرق لست سنوات متتالية، ثم أصدرت ذخيرة تلك الأعوام في كتاب تولت الشرق طباعته وتوزيعه، وكانت هيئة تحرير الشرق قد منحتني فرصة كتابة عمود اسبوعي فيها (كل خميس) من باب جبر الخواطر، لأنني كنت محررا بنصف دوام في الديسك الخارجي فيها، ثم طالبوني أن أجعل المقال يوميا، فجبرت خاطرهم مع بعض الدلال ورضيت ان يكون نصف اسبوعي (يومي الخميس والإثنين)، وكان ذلك بصراحة لعدم ثقتي بنفسي، وقدرتي على الكتابة اليومية، بل إن عدم الثقة بالنفس، تمثل في انني كنت اكتب مقالاتي في الشرق، لنحو عامين، باسم مستعار هو عدلان الرفاعي

ذكرياتي في الشرق لا علاقة لها بزاويتي الخاصة، فقد كان ارتباطي الأقوى بها كمحرر أخبار عربية ودولية، ولما دخلت مبنى الصحيفة بعد طول انقطاع — ما عدا عن خيمة الشرق الرمضانية — قبل نحو أسبوعين، صحت في سري: هذا ظلم، وأطالب بتعويض، فقد كان المبنى فندقيا — عيني باردة — وصالة التحرير كلها طوابير من الطاولات التي عليها كمبيوترات، ورأيت زملاء من دفعة التسعينات، يطقطقون على الكمبيوترات، وصحت: سبحان الله. كان أرقى جهاز تعاملتم به هو البليب، ثم لحقتم بالعصر ومسوين حالكم "تكنولوجيا"

المطالبة بتعويض في محلها، فقد كنت ضمن الفريق الذي دشن المرحلة الثانية من مسيرة الشرق، وهي المرحلة التي شهدت قفزة جعلت الفرق بينها وزميلاتها في أرقام التوزيع عشرات الآلاف من النسخ، ففي أغسطس من عام 1990، غزا عراق صدام حسين الكويت، وصارت الشرق صوت معركة تحرير الكويت، وكانت الصحيفة الوحيدة في العالم بأسره التي أصدرت ملحقا خاصا عن الغزو بعد ساعات من حدوثه في 2 أغسطس 1990، وكنا في جميع أقسام الصحيفة نكتب كل شيء بالقلم على ورق "دشت"، وهو نوع من الورق لو تم استخدامه اليوم للف سندويتشات الشاورما لأمرت جمعية حماية المستهلك بإغلاق محل الشاورما

وكان القسم الخارجي بالجريدة غرفة مساحتها 4 في 3 أمتار، نجلس فيها على طاولة طعام لا تجدها إلا في بيت شخص بخيل لأنها لم تكن تتسع لأكثر من 4 أشخاص، ولم يكن جماعة المحليات أفضل حالا منا نحن جماعة "الخارجي"، ولكن كان موقع المبني يتسع لنحو عشرين سيارة، بس منين يا حسرة، فقد كان عدد من يملكون سيارات وقتها لا يزيد على أربعة، وفي المبنى الجديد، عليك إيقاف سيارتك على بعد مسافة يجيز فيها هواة الترخيص المفتوح في العبادات، قصر الصلاة. (استحق التعويض أم لا بذمتك؟)

ولكن أسعدني كثيرا أن أجد الكثير من الوجوه الأليفة والمألوفة الصامدة في الشرق (وفي عبارة أخرى التي صمدت الشرق واحتملتهم) منذ مطلع تسعينات القرن الماضي، وكان ذلك عندي دليل وفاء وولاء متبادل، فالكوادر القديمة في الصحيفة تحتفظ بجينات العراقة، فتتجدد أساليب أداء العمل، ولكن تبقى روح الصحيفة جارية في العروق، لأنها تنتقل من ذلك الجيل الى الجيل اللاحق في الالتحاق بها، وهكذا وعندما دخلت مبنى الشرق قبل أسبوعين أحسست بأنني بين الأهل والعشير، ورغم أنهم جميعا صاروا يعانون من ويلات الجفاف والتصحر إلا أن أرواحهم الودودة ظلت كما عهدتها قبل 26 سنة

سعيد بأن اركب زورق الشرق مجددا، مبحرا في صحبة الأماجد الذين يحافظون على اشراقها وشبابها الدائم.

jafabbas19@gmail.com

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"