بقلم : فهمي هويدي الثلاثاء 28-02-2017 الساعة 01:13 ص

الفرز ضروري لترشيد الصراع في مصر

فهمي هويدي

لأن أفق حسم الصراع في مصر بات مجهولا، فلماذا لا نحاول عقلنته وترشيده؟

(١)

كان حزب الوسط، وهو حزب مدني ديمقراطي له مرجعيته الإسلامية، قد حجز قاعة في أحد فنادق مدينة نصر يوم ١٨ فبراير الحالي لإقامة حفل استقبال بمناسبة مرور ست سنوات على الاعتراف الرسمي به (في ١٩ فبراير عام ٢٠١١). لكن الفندق أبلغهم قبل ثلاث ساعات من افتتاح الحفل بإلغاء حجز القاعة بناء على تعليمات الأمن، فما كان من الحزب إلا أن نقل احتفاله إلى مقره المتواضع في منطقة المقطم. وهذا الذي حدث مع حزب الوسط تكرر أكثر من مرة مع حزب «مصر القوية». (قبل سنتين (عام ٢٠١٥) حاول الحزب عقد مؤتمر ولكن ٢٧ فندقا ألغت حجز قاعاتها له بعد الاتفاق ودفع الثمن).

في صبيحة اليوم ذاته (١٨ فبراير) أصدرت دائرة الأحزاب بمجلس الدولة برئاسة المستشار محمد مسعود رئيس المجلس حكما قضائيا برأت فيه ساحة ١١ حزبا لها مرجعيتها الإسلامية، حين رفضت قبول طعن طالب بحلها وحظرها، بناء على أنها شاركت فيما سمي بتحالف دعم الشرعية، إذ لم تجد المحكمة في تلك الأحزاب مخالفة قانونية تستوجب الحل. وكان حزب الوسط ضمن القائمة التي ضمت حزب البناء والتنمية والجبهة السلفية والعمل الجديد والفضيلة... إلخ.

في الأسبوع ذاته أهداني أحد الباحثين من أعضاء حزب البناء والتنمية (الذراع السياسية للجماعة الإسلامية في مصر) كتابا له عنوانه «حوار هادئ مع داعشي»، كان قد عرض ونوقش في معرض الكتاب الأخير. ووجدت أن مؤلفه عصمت الصاوي حول الكتاب إلى لائحة اتهام لتنظيم داعش، فضحت أفكاره وخلفياته. إذ تضمن فصلا خاصا عنوانه «داعش بين العمالة والاستخدام»، واعتبر فيه أن فكرة الفوضى الخلاقة (الأمريكية) وصناعة التوحش (التي تتبناها داعش) وجهان لمشروع واحد.

زارني المؤلف بصحبة الدكتور نصر عبد السلام رئيس حزب البناء والتنمية، الذي فهمت منه أنه تم اعتقال نحو ٥٠٠ واحد من أعضائه رغم أنهم يتبنون الآن الفكر الجديد للجماعة الإسلامية، التي أطلقت مبادرة وقف العنف منذ أكثر من ٢٠ عاما، وبعد ذلك أصدر قادة الجماعة أربعة كتب راجعت فيها أفكارها واعترفت بأخطائها وعمدت إلى تصحيح المفاهيم التي تبنتها (من عناوين تلك الكتب «حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين» و«تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء»). أثناء اللقاء عبر الدكتور نصر عبد السلام عن استيائه من الضغوط والملاحقات التي يتعرض لها أعضاء الحزب. فهم في الداخل يعاملون كما لو أنهم لم يراجعوا أفكارهم، ولم يختاروا أن يشاركوا في مسيرة التغيير السلمي الذي يحترم الدستور والقانون. كأنما أريد لهم أن يظلوا على نهجهم الذي رجعوا عنه. أما إخوانهم في الخارج فإنهم يعانون من محاولة إلحاقهم بالإخوان رغم أن لهم فكرهم المستقل عنهم، فالسلطة لم تر فيهم سوى التاريخ الذي هجروه واعتذروا عنه والإخوان أرادوا أن يفرضوا وصايتهم عليهم.

(٢)

ثمة وجه آخر للعمل العام تلاحقه الشبهات أيضا، رغم أنه خارج السياسة، تمثله الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة، فهذه الجمعية التي تأسست في مصر منذ أكثر من مائة عام (١٩١٢م) حصرت نشاطها في مجالات أربعة لم تتجاوزها طيلة تلك المدة. الأول هو الدعوة بالقول من خلال إقامة المساجد وإلقاء الخطب وإقامة الندوات فيها، إلى جانب إنشاء معاهد للدعاة تحت إشراف نخبة من علماء الأزهر، تتولى تأهيل الوعاظ، المجال الثاني تمثل فيما يسمونه الدعوة العملية، من خلال رعاية مشروعات العمل الصالح. ومنها كفالة الأيتام الذين وصل عددهم إلى نصف مليون يتيم، ومنها تحفيظ القرآن، إضافة إلى إقامة المشروعات الطبية العملاقة، التي تعالج المرضى بالمجان، دون تفرقة بين المسلمين وغير المسلمين. وهذه المشروعات تشمل مراكز متقدمة للأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي، غير ٢٧ مركزا للأطفال المبتسرين وخمسة مراكز أخرى لغسيل الكلى، ذاعت شهرتها بحيث أصبحت تستقبل المرضى من مختلف أنحاء العالم العربي. المجال الثالث تمثل في حملات الإغاثة الداخلية والخارجية. أما المجال الرابع والأخير فيتعلق بالعمل في مجال التنمية لتحويل الفقراء إلى منتجين وتقديم العون لطلاب الدول الإسلامية الوافدين، الذين أقامت الجمعية بناية لاستيعاب الدارسين في الأزهر منهم.

هذه المشروعات الخيرية أقيمت كلها بتمويل من زكوات وتبرعات المصريين، ولم تحصل على أي تمويل خارجي. مع ذلك فإنها لم تسلم من الأذى في أجواء الانفعال الملبدة التي أطلقها الصراع ضد الإخوان، ذلك أنها تعرضت للضغوط الأمنية وحملات التشهير التي لم تجد في سجلات الجمعية بعد التدقيق فيها أن لها علاقة بالصراع السياسي الحاصل. ولم يخل الأمر من مزايدات، كان منها ما أقدم عليه وزير الأوقاف الحالي الدكتور محمد مختار جمعة الذي كان يوما ما عضوا في مجلس إدارة الجمعية الشرعية وأحد المشاركين في حملات التوعية التي نظمتها، إلا أنه ما إن عين وزيرا، حتى حاول إخضاع أنشطتها الدعوية لإشراف السلطة، وصدَّر الأزهر في الموضوع الأمر الذي انتهى بإصدار قرار بإغلاق ٤٥ معهدا لإعداد الدعاة وكذلك ١٦ مركزا لتحفيظ القرآن، كانت الجمعية قد أنشأتها خلال العقود التي خلت!

(٣)

ما سبق يمثل جانبا من القسمات التي طمست حتى جرى تغييبها في أجواء الانفعال والهرج الذي شهدته مصر بعد إسقاط حكم الإخوان في عام ٢٠١٣. وهو ما انتهى بخلط الأوراق ووضع الجميع في سلة واحدة صار الإرهاب عنوانا لها، ولم يقف الأمر عند حد شيطنة الجميع وشن حرب الإبادة عليهم، وإنما وصل بنا الحال أن صار التدين شبهة في بلد الأزهر، وصار الدين ذاته هدفا للتجريح وموضوعا للازدراء من جانب البعض. مرة بدعوى تجديد الخطاب الديني الذي تحمس له الخصوم الذين لا يرجون لله وقارا، فتصدوا للإفتاء فيه بكل جرأة. ومرة أخرى بدعوى إلغاء الديانة من الهوية أو حظر تدريس الدين في المدارس بحجة أنه يفرق بين المسلمين والأقباط، ومرة ثالثة عبر المطالبة بحذف أسماء رموز وأعلام الحضارة الإسلامية من مناهج التعليم واستبدالهم بعظماء الفراعنة ونوابغ المصريين. ومرة رابعة من خلال الدعوة إلى «تطهير» مناهج التعليم من بعض البطولات التاريخية والآيات القرآنية التي قيل إنها تشجع على التطرف والإرهاب.

من طريف ما قرأت في هذا السياق أن أحد المثقفين المحترمين كتب متسائلا: هل يمكن الثقة فيمن لا يؤمن بالدولة القومية ويعتبرها كفرا وخروجا عن الإسلام في العملية السياسية؟، وهو سؤال يعبر عن بعد آخر للشيطنة لا يجرح الهوية الدينية فقط وإنما يجرح الهوية الوطنية أيضا. ولا يرى في العقل الإسلامي سوى التكفير والقتل وإنكار الانتماء الوطني لصالح التعلق بحلم الخلافة الكبرى.. إلى غير ذلك من الصور النمطية التي جرى الترويج لها، وحولت الاستثناء إلى قاعدة والشذوذ إلى قيم وأعراف مستقرة.

وجه الطرافة في السؤال أن صاحبه قرأ صحف هذا الزمان وشاهد التلفزيون ولم يقرأ التاريخ. إذ لم يعرف مثلا من الذي أقام معسكرات التدريب العسكري في قلب القاهرة بعد إلغاء النحاس باشا للمعاهدة مع الإنجليز في عام ١٩٥١ (كان اسمها جامعة فؤاد الأول آنذاك) ولم يعرف شيئا عن هوية الشبان الوطنيين الذين ذهبوا في أول كتيبة لمقاتلة الإنجليز في أواخر العام. ولم يسمع بأسماء الجامعيين وغيرهم الذين قتلوا في معركة «التل الكبير». وواجهوا فيها القوات البريطانية، وكان في مقدمتهم عمر شاهين وأحمد المنيسي من كلية طب قصر العيني.

إن أخطر وأسوأ ما ابتلينا به في مصر أن الخلاف السياسي أصبح صراعا على الوجود. إذ أفسد ما بيننا، بحيث صار مبررا لإبادة الآخر وإلغائه من خرائط الواقع. وتلك مذبحة سياسية عبثية، خصوصا إذا استهدفت حملة الإبادة أفكارا لها جذورها ضاربة الأعماق في الضمير الديني. ذلك أن الإبادة في هذه الحالة تكرر أسطورة طائر الفينيق عند الإغريق، الذي كلما احترق انبعث من رماده حيا من جديد.

(٤)

من مفارقات الأقدار وسخرياتها أن نجد أنفسنا ذات يوم نلجأ لشهادة مستشار الأمن القومي الأمريكي في الدعوة إلى الفرز والتمييز بين فصائل وجماعات العمل الإسلامي. إذ بعدما أطلق الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب حملته الشعواء ضد ما أسماه «الإسلام الراديكالى» في تعميم جهول، وهلل له بعضنا وصفقوا، فوجئنا بمستشار الأمن القومي الجديد الجنرال هاربد ماكمستر يعترض على المصطلح بدعوى أن استخدامه لا يخدم مكافحة الإرهاب، ونقلت عنه صحيفة نيويورك تايمز فيما نشرته الصحف المصرية أمس الإثنين (٢٧/٢) قوله إن الذين يرتكبون الأعمال الإرهابية يشوهون الدين الإسلامي.

هذا «الاكتشاف» الذي أعلنه الجنرال ماكمستر وتناقلته وكالات الأنباء ربما فاجأ كتائب الإبادة في بلادنا التي أغمضت أعينها وقررت الإطاحة بالجميع، الصالحين منهم والطالحين والمعتدلين والمتطرفين والعقلاء والمجانين. ومن ثم صمت آذانها عن دعوات الفرز والتمييز لترشيد الصراع وعقلنته. الأمر الذي أوصلنا إلى وضع عشرات الآلاف في السجون ونصب المشانق للمئات وإشاعة الخوف والترويع بين الملايين.

إذا كان مستشار الأمن القومي الأمريكي قد صوب حماقة رئيسه ورعونته، فلا أعرف كيف يمكن أن نفعلها في مصر، بحيث نميز بين الذين تثبت التحقيقات النزيهة ــ وأضع عشرة خطوط تحت الكلمة الأخيرة ــ أنهم تورطوا في العنف وبين غيرهم ممن سحقهم القطار المندفع الذي تعطلت كوابحه، وللعلم فإن الفرز المطلوب لا يراد به فقط رفع الظلم عن البعض ــ رغم أهمية ذلك ــ كما لا يراد به فقط التفرقة بين ما هو سياسي مثير للجدل وما هو خيري ينفع الناس ويخدم المجتمع، ولكن ينبغي أن ننتبه إلى أن الفراغ الناشئ عن حملة الإبادة هو هدية مجانية لتمدد التطرف والإرهاب، إذ لم نعد بحاجة لإثبات فشل سياسة إرهاب الإرهاب، من ثَمَّ لم يعد هناك حل إلا أن نعزز جبهة الاعتدال لكي نحصن المجتمع ضد غوائل الإرهاب، ولكي نستبدل ما نعتبره سيئا بما هو أسوأ وأتعس. ذلك أن الفراغ الراهن يرشح تنظيم داعش ليكون البديل الذي يملؤه.

إن أي باحث منصف يعلم أن فصائل التيار الإسلامي ليست شيئا واحدا، كما أن الإخوان أنفسهم لم يعودوا شيئا واحدا، وذلك حال السلفيين أيضا. وأي إدارة رشيدة للصراع توظف تلك التمايزات لصالح الدفاع عن السلام الأهلي والاستقرار، وأرجو ألا نضطر للجوء إلى خبرة مستشار الأمن القومي الأمريكي لكي ينصحنا بما ينبغي أن نفعله لإجراء الفرز والتمييز المنشودين.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"