التحالف الغادر

د. حسن البراري

من مقولات مالكولم كير (صاحب كتاب الحرب الباردة العربية ورئيس الجامعة الأمريكية في بيروت الذي اغتيل عام 1984) أن العرب كانوا سيخترعون إسرائيل لو لم تكن موجودة على أرض الواقع، والحق أن هذه المقولة تختزل الكثير من مظاهر العداء الزائفة لإسرائيل، فشعار "لا صوت يعلو على صوت المعركة" الذي رفعته القيادات "التقدمية" كان يهدف فقط إلى ضبط مجتمعاتهم خلف قيادات عاجزة لتبرير الاستبداد وليس لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر. طبعا، النتيجة كارثية إذ أخفقوا في تحقيق التنمية – ناهيك عن الديمقراطية – وفشلوا بامتياز في منع إسرائيل من التوسع ليس فقط على حساب الأرض الفلسطينية وحدها بل على حساب أراض عربية لم يكن يحلم بها الصهاينة.

ووفقًا لكارل ماركس فإن "التاريخ يعيد نفسه مرتين: في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة" وهنا علينا أن نستبطن بأن الذي لا يستوعب التاريخ فإنه يعيده أكثر من مرة أو سوف يلدغ من نفس الجحر مرتين وأكثر. فهل علينا أن نصدق التصريحات الإيرانية بضرورة تحرير الفلسطين من النهر إلى البحر في وقت لم تقدم فيه إيران شهيدا واحدا على ثرى فلسطين وفي وقت تنشر ميليشياتها ومذهبها كأدوات توسع وتأثير في الإقليم العربي؟

هاك تيار عربي عريض يرى بأن توظيف إيران للورقة الفلسطينية يأتي في سياق إستراتيجية اتضحت معالمها بعد أن بدأ الإيرانيون بالتباهي بأنهم يسيطرون على أربع عواصم عربية، ولا بد هنا من أن نشير إلى البروفيسور تريتا (أستاذ العلاقات الدولية ورئيس المجلس القومي الإيراني الأمريكي) وكتابه عن التحالف الغادر الذي أرّخ فيه لمثلث العلاقات الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية، ويعود فضل فتح قنوات سرية للحوار الأمريكي الإيراني للبروفيسور تريتا فارس الذي يرى بأن هناك دعامتين للاستقرار في الشرق الأوسط هما إيران وإسرائيل. وقراءة الكتاب الذي نشر عام 2007 تظهر بوضوح خطوط التعاون والصراع بين إسرائيل وإيران وتبين مدى البراجماتية التي تحلى بها حكم الملالي في طهران في العلاقة مع إسرائيل.

ويرى طيف واسع من المثقفين العرب بأن إيران تركب موجة عداء العرب للاحتلال الإسرائيلي لتمرير مخططاتها في التوسع والتأثير، وعليه فإن الدعوة الأخيرة لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر تأتي في هذا السياق ولا تعبر عن إستراتيجية إيرانية لتحرير فلسطين، وما من شك أن وصول دونالد ترامب إلى سدة الحكم في واشنطن دفع إيران إلى تغيير لهجتها تجاه إسرائيل، فالخوف بدأ يدب في أوصال القيادة الإيرانية التي تنمرت في المنطقة بفضل التفاهم مع إدارة أوباما، فترامب يؤكد بأنه سيقلم أظافر إيران لذلك تحتاج الأخيرة الورقة الفلسطينية للتعبئة والحشد في موقعة الدفاع عن النفس والمكتسبات الإقليمية.

لنعترف أن كثيرا من العرب سيفرح لو ترجم ترامب مقولاته إلى إستراتيجية عمل، لكن تقليم الأظافر لا يعني لجم إسرائيل وإيقاف عجلة الاستيطان عن الدوران، فترامب لا يقيم وزنا للقضية الفلسطينية وما قاله بمؤتمره الصحفي مع نتنياهو من عدم التزام إدارته بمبدأ حل الدولتين يثير مخاوف كثيرة ويطرح على العرب الذين يرون بإيران مصدرا أساسيا للتهديد أسئلة لا يمتلكون إجابات لها، فكيف يطلب العرب من أمريكا تزعم محور لجم إيران والأولى تدعم التصلب الإسرائيلي؟ أهناك إستراتيجية عربية للتوافق على الحد الأدنى في ذلك الملف أم أن مصادر التهديد للعرب تختلف باختلاف الموقع لذلك الحديث عن إستراتيجية واحدة يعد ضربا من الخيال؟

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"