الاتحاد المغاربي.. إلى متى يستمر الفشل؟

محمد قيراط

28 سنة مرت على تاريخ تأسيس اتحاد المغرب العربي بمدينة مراكش المغربية، سنة 1989، اتحاد أرادت من خلاله شعوب ودول المنطقة الخمس تنمية وتطوير التعاون الإقليمي ومواجهة أوروبا الشريك الرئيسي لبلدان المغرب العربي، وكذلك التكتلات الجهوية والإقليمية والدولية. إلا أن هذه السنوات الطوال بعد التأسيس بقيت «سنوات عجاف»، ولم يكتب للحلم أن يتحقق نتيجة اعتبارات عدة، وبقي في أدراج البيروقراطية والخلافات والنزاعات الأيديولوجية وكذلك نقص الرؤية وإستراتيجية العمل المشترك. فجمدت مؤسسات الاتحاد، كما لم تعقد أي قمة على مستوى رؤساء الدول منذ قمة تونس عام 1994.

في السابع عشر من فبراير 1989 أعلن زعماء دول المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا في مدينة مراكش المغربية قيام اتحاد المغرب العربي، ونصت معاهدة إنشاء الاتحاد المغاربي على توثيق أواصر الأخوة التي تربط الأعضاء وشعوبهم بعضهم ببعض، وتحقيق تقدم ورفاهية مجتمعاتهم والدفاع عن حقوقها، والمساهمة في الحفاظ على السلام القائم على العدل والإنصاف، كما نصت المعاهدة على انتهاج سياسة مشتركة في مختلف الميادين، والعمل تدريجيًا على تحقيق حرية تنقل الأشخاص وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال فيما بينها. وأشارت وثيقة المعاهدة إلى أن السياسة المشتركة تهدف إلى تحقيق الوفاق والوئام والتفاهم بين الدول الأعضاء وإقامة تعاون سياسي وثيق بينها يقوم على أساس الحوار وصيانة استقلال كل دولة من الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية الصناعية والزراعية والتجارية والاجتماعية للدول الأعضاء واتخاذ ما يلزم من وسائل لهذه الغاية، خصوصًا من خلال إنشاء مشاريع مشتركة وإعداد برامج عامة ونوعية تحقق التكامل بين الدول الخمس.

بقيت الأهداف حبرًا على ورق رغم تزايد الحاجة إليه في عالم تحكمه التكتلات السياسية والجغرافية والاقتصادية. فمؤسسات الاتحاد التي تم تجميدها بقرار من المغرب احتجاجًا على السياسة الجزائرية المناوئة لمصالحه (الصحراء الغربية) لم تفعل حتى الآن.

تبلغ مساحة دول اتحاد المغرب العربي مجتمعة حوالي 5.782.140 كلم² وتشكل ما نسبته 42% من مساحة الوطن العربي، وتشكل مساحة الجزائر وحدها ما نسبته 41% من مساحة الاتحاد، ويبلغ طول الشريط الساحلي حوالي 6505 كلم، أي 28% من سواحل الوطن العربي بأكمله. ويصل إجمالي الناتج المحلي الإجمالي لدول اتحاد المغرب العربي إلى نحو 400 مليار دولار أمريكي بأسعار السوق الجارية، وهو ما يعادل 32% من إجمالي الناتج المحلي للوطن العربي تقريبًا، ويشكل الناتج المحلي للجزائر ما نسبته 43% تقريبًا من الناتج المحلي الإجمالي لدول الاتحاد، في حين لا يتعدى نصيب موريتانيا 1.3%. ويصل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في دول الاتحاد إلى 4865 دولارًا في السنة، ويتفاوت هذا الرقم بين أعضاء الاتحاد، إذ يصل نصيب الفرد في ليبيا إلى 8900 دولار في السنة، في حين لا يتعدى نصيب الموريتاني 2000 دولار في السنة، لا تمثل المبادلات التجارية بين البلدان المغاربية إلا 2% من قيمة معاملاتها الخارجية وهذا تناقض صارخ لدول يجمعها اتحاد، وهو الرقم الأضعف في العالم إذا نظرنا إلى حجم المبادلات التجارية بين بلدان المنطقة الواحدة كبلدان الاتحاد الأوروبي أو بلدان جنوب شرق آسيا أو بلدان أمريكا اللاتينية. ويعود فشل تحقيق أهداف اتحاد المغربي العربي إلى عدة أسباب يتعلق بعضها بطبيعة الاقتصاد لكل بلد، وبعضها الآخر بالأيديولوجيا والثقافة وبعضها الآخر بالتاريخ والمؤسسات الموجودة.. فلا يوجد تماثل بين دول المغرب العربي اقتصاديًا، بل توجد اختلافات جوهرية؛ فالجزائر وليبيا مثلًا تشتركان في اعتماد اقتصادهما على تصدير المحروقات من نفط وغاز الذي تتجاوز نسبته من التصدير الإجمالي الــ 90%، أما المغرب وتونس وموريتانيا فيعتمدون أساسًا على قطاعات الفلاحة والصناعة وبخاصة الخدمات التي ترتكز على السياحة، وتعيش هذه البلدان، تونس والمغرب بالأساس، تنافسًا شديدًا فيما بينها، فهي تعتمد في مبادلاتها التجارية على السوق الأوروبية، حيث نجد تنافسًا كبيرًا بين المغرب وتونس في قطاع السياحة وتصدير الفوسفات والمنتج الفلاحي والأنسجة.

ويعتبر مشكل الصحراء الغربية بين الجزائر والمغرب من الأسباب الرئيسية لفشل هذا الاتحاد، وكان لتخلي إسبانيا عن الإقليم بموجب اتفاقية مدريد عام 1957 وإعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974 بحق شعب الصحراء في تقرير المصير والاستقلال وظهور جبهة البوليساريو كقوة عسكرية تحصل على الدعم من الجزائر قد جعل من قضية الصحراء الغربية من أهم أسباب عدم الاستقرار في العلاقات المغاربية عامة والعلاقات المغربية - الجزائرية خاصة، وأن إحاطة الإقليم بأقطار لكل منها مشاكله مع الآخر قد عقّد المشكلة وجعل منها منطقة تنازع بين كل من المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو.

كما يتميز اتحاد المغرب العربي بتعدد معوقاته المؤسساتية الناجمة عن الطبيعة المتخلفة للمعاهدة المؤسسة له مما جعله عرضة لأي خلاف سياسي بين الدول الأعضاء، خاصة فيما يتعلق بمبدأ الإجماع لتمرير أي قرار، فأحكام معاهدة مراكش تشترط موافقة وتوقيع كل الدول الأعضاء لتنفيذ أي اتفاقية تم التوقيع عليها، هذه الآلية عطلت وتعطل العمل المغاربي المشترك، فمن بين 37 اتفاقية وُقعت في إطار اتحاد المغرب العربي صادقت الجزائر على 29 وصادقت تونس على 27 وصادقت ليبيا على أقل من ذلك، في حين لم يصادق المغرب إلا على خمس اتفاقيات فقط، وعليه لم تدخل حيز التنفيذ إلا تلك الاتفاقيات الخمس، ولذا تقترح دول مثل الجزائر تعديل هذه الآلية بطريقة تسمح بتنفيذ الاتفاقيات بمجرد تصديق غالبية الدول عليها، وقد درس الوزراء في اجتماعهم في مارس 2001 في الجزائر اقتراح تعديل المعاهدة المؤسسة واستبدال مبدأ الأغلبية في اتخاذ القرارات بقاعدة الإجماع، ولكن هذه القضية أحيلت إلى لجنة فنية للبحث فيها في انتظار انعقاد قمة مغاربية.

إن تحقيق اتحاد المغرب العربي هو أقصر الطرق لمواجهة هذه التحديات. إذن لماذا المماطلة؟

بعض “الخبراء” يؤكدون أن تحقيق الوحدة الاقتصادية للمغرب العربي يقوم على حل المشاكل السياسية العالقة بين الدول الأعضاء، خاصة قضية الصحراء الغربية التي تشكل المعوق الرئيسي لأي بناء مغاربي. إن التضامن في مواجهة التحديات الاقتصادية في كل بلد من شأنه أن يؤدي حتما إلى تسوية النزاعات السياسية.

عادة المصالح الاقتصادية المشتركة تساعد في "حلحلة" الخلافات السياسية. ومن الأمثلة على التكامل الاقتصادي الإقليمي في العالم، وليس أقلها أهمية هو الاتحاد الأوروبي الذي شهد في بدايته صراعا حادا ومشاكل كبيرة بين ألمانيا وفرنسا، لكن في النهاية سادت الرشادة الاقتصادية والبراجماتية التي هزمت السياسة لصالح مصلحة الشعوب الأوروبية.. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: لماذا لا تستفيد دول الاتحاد المغاربي من تجارب الآخرين؟

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"