جوهر المسألة

د. حسن البراري

وكأن المنطقة ليست فوق صفيح ساخن أو بحاجة إلى مزيد من التصعيد حتى يقدم الكنيست الإسرائيلي على تبني قرار مستفز يشرعن سرقة الأراضي الخاصة بالفلسطينيين، فالقانون الجديد الذي سنه الكنيست في السادس من الشهر الجاري يقنن بأثر رجعي وضع ما يقارب من أربعة آلاف وحدة سكنية استيطانية أقيمت على أراض فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، ويعد هذا القانون تجاوزا خطرا على القانون الدولي لدرجة أن المدعي العام الإسرائيلي افيخاي ماندليلبث ندد به واعتبره غير دستوري وتعهد بأن لا يدافع عنه في المحكمة.

وحتى نضع الأمور في سياقها الصحيح، نشير إلى حقيقة ماثلة وهي أن الحكومة الإسرائيلية والكنيست يمثلان مصالح الاحتلال والمستوطنين معاً، فديناميكية القوة داخل المجتمع الإسرائيلي تسمح لقوى التطرف بتجيير الحكومة والكنيست وإمكاناتهما لخدمة المصالح التوسعية لهذه القوى، وتشعر هذه القوى باستقواء غير مسبوق بعد وصول ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، والحق أن هناك من اليمين الإسرائيلي من يرى بالرئيس ترامب – على حد تعبير عوزي برعام – وكأنه كورش الكبير (أول ملوك فارس) الذي أعاد اليهود إلى فلسطين بعد أن تمكن من إسقاط الإمبرطورية البابلية الثانية.

وبالفعل تبنى مشروع القانون حزب البيت اليهودي الذي يتزعمه الوزير المتطرف نفتالي بينيت الذي سبق وأن طلب من الرئيس ترامب عدم الاستعجال في تبني مقاربة حل الدولتين. وبالرغم من معرفة نتنياهو وليبرمان بأن القانون يلحق ضررا كبيرا بسمعة إسرائيل ويعزلها دوليا إلا انهما صوتا معه – إرضاءً لليمين بعد تفكيك بؤرة عامونا الاستيطانية – آملين أن تقوم محكمة العدل العليا في إسرائيل بإسقاط القرار وهكذا يتخلص رئيس الحكومة من القراردون أن يصطدم مع اليمن المتشدد. لكن أصل المشكلة ليس وصول هذا الرئيس الأمريكي أو ذاك إلى البيت الأبيض، فعلى مدار عقدين من الزمان استغل المستوطنون بشكل ممنهج ضعف بل لنقل جبن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وقاموا بتشييد وحدات سكنية على أراض خاصة للفلسطينيين والآن يدعون بأن الأرض لهم.

بعيداً عن التنديد الدولي بالقرار الإسرائيلي، يتوقع المراقبون أن ترتفع وتيرة الاستيطان بعد تنصيب الرئيس دونالد ترامب إذ على الأرجح أن تكون مواقفه بمثابة الزيت الذي يساهم في تسهيل دوران عجلة الاستيطان التي لا تتوقف، فالمستوطنات غدت تكسو الأرض كغابة ومن يستثمر سياسيا بتوسيعها وتسمينها لا يمكن أن يكون راغبا بالسلام وفقا لمعادلة "الأرض مقابل السلام" التي ينادي بها المجتمع الدولي. ومن دون موقف أمريكي واضح يكبح جماح قوى التطرف داخل المجتمع الإسرائيلي فإن من شأن القرار أن يكون فاتحة لمشاريع استيطانية جديدة ستكون المسمار الأخير في نعش مقاربة على حل الدولتين، فلن يتبقى من الأرض ما يكفي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة ومتواصلة جغرافيا.

وتكمن المفارقة في أنه وبالرغم من أن حل الدولتين هو المبدأ الوحيد الذي يمكن أن ينقذ إسرائيل من نفسها إلإدارات الأمريكية المتعاقبة لم تضع حل الدولتين في سياق المصلحة الأمريكية الاستراتيجية في الشرق الأوسط وبقيت هذه الإدارات مغلولة اليد بفعل إذعانها لإملاءات لوبي إسرائيل الذي يعادي حل الدولتين. لهذا السبب نقول بأنه لا طائل ولا جدوى من أي تنديد دولي أو موقف أممي إن لم يستوعب العالم مرة وللأبد بأن الضغط لا يمكن له أن يجدي نفعاً إلا إذا أدركت إسرائيل أن ثمنا باهظا ستدفعه لقاء تعنتها. هنا علينا كعرب أن ندرك الفرق بين الاستجداء ووضع استراتيجيات للتعامل مع التعنت الإسرائيلي.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"