لا تكن وقحا .. التعديل الأول الأمريكي في خطر

محمد قيراط

"لا تكن وقحا"، تخرج الجملة قصيرة، صارمة. "لا تكن وقحا" تُعاد الجملة مرة ثانية، هذه المرة تأتي النبرة أعلى بقليل، تخرج صارمة أكثر، تنزل العبارة من على منصة الرئيس المنتخب دونالد ترامب متوجهة إلى مراسل قناة "سي أن أن"، يسكت الأخير منصاعا مندهشا مذهولا وسط تهليل بعض الحاضرين في القاعة المأجورين من قبل حاشية الرئيس. هكذا يُمنع المراسل من طرح سؤاله وتعلق جملة واحدة قالها سيد المنبر: "وسائل إعلام مفبرِكة". من الواضح ان لترامب ميولاً ونزعات أوتوقراطية تسلطية ممزوجة بعنجهية وغطرسة لا يتقنها إلا دونالد ترامب، كما ان نرجسيته المفرطة تجعله بالغ الحساسية ليس فقط تجاه النقد، بل أيضاً تجاه الحقائق. وهجماته المتكررة على كبرى الصحف مثل "النيويورك تايمز" و"الواشنطن بوست" وشبكات التلفزيون الرئيسية - باستثناء "فوكس" التي يثني عليها - هي في الواقع هجمات على الدستور الأمريكي وتحديداً التعديل الأول للدستور والمتعلق بصون الحريات الفردية: حريات التعبير والمعتقد والتجمع وغيرها، وهي في جوهر الديموقراطية الليبرالية. حرب ترامب على الإعلاميين وأكاذيبه الواضحة، فرضت على الصحافيين المحترفين مناقشة سبل التعامل مع هذا الخطر الذي يهددهم جميعا. التيار المتنامي يدعو إلى مواجهة ترامب مهنياً والتضامن مع الصحافيين الذين يستثنيهم للتجريح والاهانات ورفض السماح لهم بطرح الاسئلة عليه، كما جرى مع مراسل شبكة "سي أن أن" في المؤتمر الصحافي الاول. وبينما كان المحررون يصفون أكاذيب ترامب بأنها "مبالغات" أو القول إنه لا يقول الحقيقة، لوحظ في الأيام الأخيرة تغييرا ملحوظا حين بدأت صحف كبيرة مثل "النيويورك تايمز" تصف تصريحات ترامب في عناوينها بأنها "كاذبة". حتى الاوتوقراطي ترامب سوف يجد في الصحافة الأميركية رقيباً لا يستهان به. لا ديمقراطية بدون صحافة ولا رأي عاما قويا وفعالا بدون صحافة حرة. من أهم المصطلحات التي ظهرت في أدبيات الصحافة والإعلام في الولايات المتحدة الأمريكية في القرنين الماضيين " كلب الحراسة" watchdog press، والسلطة الرابعة والتعديل الأول. تعود فكرة وصف الصحافة بكلب حراسة إلى ما قبل أكثر من 200 سنة. ولا تزال فكرة الإعلام اليقظ الذي يقوم بمراقبة الحكومة وفضح تجاوزاتها تحظى بالمزيد من الاهتمام في أجزاء كثيرة من العالم. إن العولمة وسقوط الأنظمة الاستبدادية والاشتراكية عملت على تغذية الاهتمام المتجدد بوظيفة الكلب الحارس للإعلام. يؤكد المنظرون الليبراليون الكلاسيكيون منذ نهاية القرن السابع عشر أن انتشار الأخبار و المعلومات والشفافية يوفران الحماية الأفضل من تجاوزات السلطة.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"