تركة فشل ونظام جديد

د. حسن البراري

لم يسبق أن وصلت الولايات المتحدة إلى هذا الدرك من عدم التقدير في منطقة الشرق الأوسط سواء من قبل خصومها أو حلفائها، ففي سنوات أوباما الثماني لم تعد أمريكا قوةً يخشاها أو يحترمها أحد! والحق أن التغير في انطباع الشرق أوسطيين عن الولايات المتحدة لا يعود إلى تحول في موازين القوى على مستوى العالم وإنما لأنها المرة الأولى منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية التي تختار فيها واشنطن طوعيا فك الاشتباك مع المنطقة ما سمح لعدد من اللاعبين الآخرين لملء الفراع الناشئ.

وحتى نكون منصفين، علينا أن نتذكر أن مبدأ أوباما (الذي صاغه منذ أن جاء إلى السلطة) يستند إلى ركيزة أساسية في السياسة الخارجية وهي عدم توريط القوات الأمريكية في حروب برية

no boots on the ground في منطقة الشرق الأوسط. وإلى حد كبير كان أوباما وفياً لمبدئه وهو ما بعث برسائل مختلفة لأطراف إقليمية وعالمية مختلفة. والمحصلة تكوّن فراغ في منطقة الشرق الأوسط لم تتوان بعض الدول مثل روسيا وإيران وتركيا من محاولة ملئه وإن تطلب ذلك توظيف العنف والقوة العسكرية.

قبل يومين وجه الرئيس أوباما خطابا وداعيا للشعب الأمريكي، وبدا الرئيس عاطفيا وهو يحاول إقناع من كان يستمع إليه بأن سياساته كانت ناجعة وأنها جلبت الازدهار إلى بلده، غير أنه كان متوجساً من بعض القضايا بعد أن بدأ خطاب الكراهية والعنصرية يطل برأسه من جديد في بلد تفتخر بأنها بلد الأحلام. في الشرق الأوسط لم ينجح أوباما في التعامل مع ملف الربيع العربي أو في التصدي للإرهاب أو في الانحياز لصالح الشعوب كما حصل في سوريا أو في إيجاد خارطة طريق لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ناهيك عن قصر نظر سياسة إدارته وسذاجتها في التعامل مع إيران.

بعيدا عن تركة أوباما الشرق أوسطية المتواضعة، ثمة حقيقة ماثلة للعيان علينا تفحصها جيدا، فاللحظة الأمريكية (التي تعني هيمنة أمريكا على الشرق الأوسط) لم تعد قائمة، والأحادية القطبية التي برزت في أعقاب انتهاء الحرب الباردة لم تتم ترجمتها بشكل يخدم قضايا السلام والاستقرار في الشرق الأوسط إلا لفترة وجيزة، فزادت حدة الصراعات وأخذت أبعاداً قومية وطائفية ومذهبية ما أدى إلى تشظي الإقليم. ويصعب الحديث عن نظام إقليمي مستقر إذ أن هناك حالة من السيولة الاستراتيجية التي خلقت حالة من عدم التيقن.

بعد أيام قليلة سيبدأ دونالد ترامب فترة رئاسية ستمتد لمدة أربع سنوات، ولا أحد يعرف بالضبط كيف ستتعامل الإدارة الجديدة مع ملفات المنطقة، صحيح أن دونالد ترامب أطلق بعض التغريدات عبرت عن توجهاته العامة إلا أنها لا ترتقي إلى مستوى استراتيجية متكاملة، بمعنى ستستمر حالة عدم التيقن في المنطقة لفترة ليست قصيرة. وفي هذه الأثناء سنتعرف على اللاعبين المؤثرين الذي لا يمكن لإدارة ترامب تجاهلهم في إدارة هذا الإقليم مترامي الأطراف. فالنظام الجديد لا يشبه القديم، وسيكون للدول غير العربية في المنطقة الدور الأبرز وهو ما يطرح سؤالا جوهريا حول جدوى التحالف مع دولة عظمى اختارت أن تكون سلبية لصالح خصوم العرب! وكأن هذا لا يكفي، فالعرب منقسمون على أنفسهم في أكثر من خندق دون وجود رؤية عربية مشتركة إذ لا يوجد اتفاق على الألويات ولا مصادر التهديد.

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"