الشح والبخل

آمنة سلطان المالكي

إن البخل صفة من الصفات الذميمة، معناها أن يمتنع الإنسان عن الإنفاق أو صرف المال حتى في الأمور الضرورية، وهذا سيجعل الإنفاق ثقيلاً في نفسه، وهذا طبعا سيجعل حياته بائسة. إذ إنه بالرغم من امتلاكه للأموال الطائلة إلا أنه لا ينفقها لا في الحلال، ولا في الحرام، أما حالة البخيل النفسية فهي دائما متأزمة، إذ إنه ينتظر كل صباح مصيبة تحل به، وتكنس أمواله، لذلك يعيش خائفا مرعوبا، وقد حرم الإسلام هذه الصفة إذ قال الله عز وجل في كتابه العزيز: "وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى"، لذلك وجب على كل امرئ ألا يتصف بهذه الصفة المحرمة، وأن يكون عاديا في حياته، ولا يعطي أهمية للأمور الدنيوية أكثر من الدينية، لأن الاهتمام بالأموال وكنزها سيلهيك ـ لا محالة ـ عن العبادة، مصداقا لقوله تعالى: "ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر"، ومعنى هذه الآية الكريمة هو أن الإنسان يبقى منشغلا بعدة أمور تافهة، وحينما يصل إلى آخر ثواني عمره، يجد أن ميزان حسناته فارغ وذنوبه ثقيلة.. أما الجشع فهو يأتي بعد البخل؛ إذ إن الإنسان البخيل لا يعطي صدقة ولا يسخو بشيء ولو بسيط، وطبعا همه الوحيد هو كنز الأموال، وهذا الأمر سيجعله يطلب دائما المزيد، ولا يشبع أبداً من جمع الأموال الطائلة، وهذا الأمر سيجعله غير قنوع، وسيربي في نفسه الحسد، لأنه كلما رأى إنساناً ثروته أكثر منه، سيحاول أن يقضي عليه، ويضيف تلك الثروة إلى أمواله، وهكذا سيصبح المجتمع غير هادئ، ويطغى عليه الخداع والمكر، وقد نهى الله عز وجل عن الاتصاف بالجشع إذ قال في كتابه الحكيم: "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم.. فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون"، ومن خلال هذه الآية الكريمة يتضح لنا أن كل تلك الأمور التي نكنزها سواء كانت فضة أو ذهبا أوحتى أموالا، فإننا في يوم القيامة سنحرق بها، وستوضع على أجسادنا حامية كاوية، لذلك يتوجب على الإنسان ألا يكون جشعاً كي لا يذوق العذاب الأليم، وقد يسبب الجشع أحيانا أمرا خطيرا، كالخوف من الفقر إذ إن الإنسان يكون لديه هاجس بأنه بين عشية وضحاها يصبح بدون ثروة، لذلك يقول في نفسه لمَ لا أستغل هذه الأيام الجميلة، وأشبع رغباتي الدنيوية والشيطان هو الذي يجعل هذه الأوهام أمام أعيننا، لكن الله عز وجل بيّن لنا أنا هذه الأمور هي فقط من الشيطان، لذلك ينبغي تجنبها، إذ قال في كتابه العزيز: "الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء".. يؤثر البخل سلباً على الشخص المتصف به؛ مثل الحرمان من الأجر المترتب على الإنفاق في أبواب الخير، وسببا في ضعف الإيمان واضمحلاله بما فيه من سوء الظن بالله، علاوة على كراهية الناس له لكونه شخصاً مبغوضا ومكروها حتى من أقرب الناس إليه؛ كزوجته وأبنائه وأقربائه، بل قد يصل الأمر أن يدعوا عليه ويتمنوا موته، حتى يستطيعوا التنعم بما حرمهم منه من أموال أثناء حياته.. يسبب البخل أيضا حرماناً من الرزق، لأن الإنفاق سبب في زيادة الرزق وسعته، والبخل والشح من أسباب تضييقه، كما أن البخل يسبب الوقوع في الإثم، لأنه يمنع المتصف به من أداء ما عليه من تكاليف وواجبات، علاوة على أنه يعيش محروماً هو وغيره من لذائذ الدنيا المباحة. وللبخل والجشع أثر سلبي على المجتمع أيضاً، حيث يؤديان إلى العداوة والبغضاء وانتشار الفوارق الاجتماعية والجرائم، وقد عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بعض هذه الآثار، فيما رواه عنه جابر رضي الله عنه، بقوله: "اتقوا الشح". من كل هذا يجب أن نستخلص عبرة واحدة، وهي ألا نتشبه بالبخلاء، وأن نحاول ـ قدر المستطاع ـ إنفاق المال، فيما هو نافع وأن نتشبع بأخلاق الإسلام، ونكون أسخياء وقنوعين وراضين بما أعطاني الله، وغير متطلعين إلى ما عند الغير، لأن الله هو الذي تولى قسمة الأرزاق بين الناس مصداقا لقوله تعالى: "نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا"..

التعليقات

تعليقات

  • لا يوجد تعليقات

أضف تعليق

clicking on ".header .search" adds class "open" on "#search-overlay" clicking on ".close" removes class "open" on "#search-overlay" clicking on ".action" removes class "open" on ".action.open" clicking on ".action" adds class ".open" on "target" clicking on ".close" removes class ".open" on ".action"